الأم الثكلى

علاء الدين

بقلم: علاء الدين أحمد إبراهيم

    في إحدى الصباحات الباردة، أقصد (باردة) بالمفهوم الفيزيائي البحت. كنتُ قابعاً داخل غرفتي البائسة التي تحتل وسط منزلنا الضيق، متقوقع داخل معطفي الأسود الضيق هو الآخر تماماً كضفدعٍ مرعوب. أدخنُ سيجارة من نوع (برينجي) تارة، وتارة أدفن وجهي بين صفحات رواية شارفتُ على الإنتهاء من قراءتها. كانت السيجارة عادية، ولا تختلف عن مثيلاتها من سجائر البرنجي، فهي سيجارة بيضاء الثلثين، برتقالية الثلث الأخير الذي يلامس الفم، والذي دائماً ما يضاعف درجة برتقاليته تلك بلل اللعاب المصاحب لتقبيلها، أي السيجارة. عذراً إذا ضايقتك هذه التفاصيل غير المهمة. لنعد إلى الموضوع الأساسي، كانت ملامح وجهي تشي بالإستمتاع والإنغماس الكامل بأحداث الرواية. إلّا أن الخوف من مجهول ما لا أدرك ماهيته بالضبط كان شغلي الشاغل.
     فرغم أن ساقي اليسرى التي فقدتها السنة الماضية عندما كنت سائق مركبة بمواصلات عامة، إذ تسللت شرارة بغيضة من سيجارة كُنتُ أدخنها إلى محرك المركبة، فأندلع بها حريق شره لم ينجو منه إلا قلة من المحظوظين بأضرار متباينة. لم تكُ تلك هي فاجعتي الوحيدة بالسنة الماضية، فقبلها بشهور قليلة فقط فقدتُ صديقي المُقرّب، الذي راح ضحية إنفجار نفذه مجهولون بمقهى ليلي، إختلفت تسميته بإختلاف مسمييهِ – لكن لحسن، أو لسوء حظي لم أكن أرافقه بتلك الليلة إلى الملهى، والذي غادره بعدها مباشرة إلى ملاذه الأبدي، ليتركني وحيداً بهذه الحياة البائسة، عاطلاً عن العمل – فاقداً للأمل في كل شيء، حتى اللحاق به. لكن كل ذلك أحسُّ به (كوم) والمجهول الذي يؤرق قريرتي كوم آخر.

    كُنتُ أطالع الكتاب بنصف تركيزي وأنفث الدخان بإستمتاع أكبر، كانت الرواية موسومة بـ (الأم الثكلى) رواية تحذر من مضار التدخين بأسلوب ساخر، فهي رواية لكاتب مبتدئ تبدو في نظري أقل من عادية، ولا تقيم تستحق أكثر من ذلك. فجأة أحسست بصوتٍ لوقع أقدام شخص آتٍ، بدأ يداعب طبلة أذني، ودون أن يمهلها فرصة تقفي أثر الصوت، دخلت سيدة. لم أستطع تقدير عمرها. لكنها كانت ترتدي سُترة بيضاء طويلة، تكفّلت بتغطية المنطقة الممتدة من تحت عنقها قليلاً إلى أسفل ركبتيها، وتنورة برتقالية تغطي الثلث الأخير من جسمها، حوافها السفلى تكاد تلامس الأرض، زادت آثار البلل التي تظهر عليها درجة ووضوح لونها البرتقالي الهادئ. وعلى الفور جلست على الكرسي الذي كان بقربي، مدخرة لي بذلك عناء رد التحية أو النبس بأي كلمة توحي بالسماح بالجلوس. وبصورة آلية أشبه بإستدارة زهرة عباد الشمس لإلهها، إتجهت نحوي وبدأت ترمقني بنظرات حادّة كئيبة كأني إلاهها أو كأني شمس، وبدوره بدأ الخوف يثبت مخالبه على جسد. لحظتها منّيت نفسي لو أخذت الخنجر الذي يقبعُ تحت الكرسي، وسددت طعنة بقلبي، أو ضربتني بسهمٍ مشرّبٌ بسمٍ زُعاف، خلصني من نظراتها التي تلمسّت فيها الشؤم رغم كفري بالتطيُّر. أما لون شعرها فكان كوكتيل من أسود فاحم ورمادي هادئ وحمرة خفيفة. الأغرب من ذلك هو أن شعرها الرمادي كان دون غيره، يتراقص في الهواء بإيقاع جنوني، وفوضوية نار مسعورة لا تجد حرجاً حتى من إلتهام الفراغ، فأمتزجت رمادية الشعر تلك بالكامل مع رمادية دخان سيجارتي، وتحولت غرفتي الى لوحة سيريالية غامضة التفاصيل، تشبه إلى حد بعيد تلك اللوحة التي على غلاف رواية الأم الثكلى. الشيء الأغرب من كل ما سبق بتلك السيدة الغريبة هو جسدها، إذ لا يحوي على أي تفاصيل، أو معالم بارزة بمنطقة صدرها، أو عجيزتها، أو نحول بخاصرتها، أو أي أشياء تدل على أنها أنثى، أو حتى تنتمي للجنس الآدمي، إذا إستثنيت رائحتها المقززة الأقرب إلى رائحة (البنقو)، والتي تلاقحت مع رائحة سيجارتي لينجبا رائحة ثالثة قوية، ومثيرة للغثيان والهلوسة والموت.

    كاد تسونامي الخوف أن يهد قلبي، أو لأكن صادق قد هده، إلّا أنني تصنّعت عدم الإكتراث واللامبالاة بأمر السيدة الغريبة، وظللت أنهشُ الرواية بإستمتاع مصطنع أيضاً. فإحدى عيني كُنت أراقبها بها بتركيز وحذر شديدين، بينما الأخرى كنت أمسك بها سوائب خيوط الرواية، حتى لا تنفلت أحداثها عن سيطرتي، كما فعلت الكثيرات من مثيلاتها في حياتي الواقعية وغير الواقعية. إفتعلتُ حديثاً كنتُ لا أبغي طائل منه أكثر من كسر حاجز الصمت والتخفيف من حدة نظراتها التي ظلّت تلسعني بلا هوادة. سألتها عن إسمها، سكنها، وصل بي الأمر إلى أن أسألها عن إنجازاتها في مضمار الحياة، وأشياء أخرى كثيرة ليس من الأدب والأخلاق أن أقلها لكم أو أن تسألوا عنها. لكنها لم تجب على أي سؤال منها، فالحديث كان من طرف يتيم، لكن في الحقيقة كنت لا أنتظر إجابات لأغلب أسئلتي، أو هكذا بررت لنفسي مواصلة الحديث مع شخص يبدو أبكماً. لكن عضلات وجهها كانت تتقلص تارة وتنقبض تارة أخرى، ذلك بدرجات متفاوتة تباعاً لطبيعة أسئلتي وطريقتي في التحدث، إلّا أن وجهها إستقر على ملامح الحزن والشؤم والبؤس عندما سألتها عن أبنائها تحديداً. كررت سؤالي للمرة الثانية لتأكيد زعمي هذا. لكنها بدأت تتحدث، تحدثت عن أبنائها. الحديث عن أبنائها كان أوّل كلام يخرج من فاها منذ أن إقتحمت الغرفة، لمحت الحزن وقد جمّد الدمع بمحجر عينيها الضيقتين عندما بدأت تسرد قصة أبنائها المأساوية، فالغرابة لا تنحسر على شكلها وسلوكها فقط، بل تجاوزت لأبعد من ذلك، فقصة فقدانها لأبنائها الأربعة أحد ذلك الـ (الأبعد من ذلك.) إذ مات أبنائها الثلاث حرقاً بثلاث حوادث حريق مختلفة وغريبة للغاية، فيما إختفت الأبنة الوحيدة بلا رجعة. شيء أقرب من قصص أفلام الرعب الخيالية، لكني لا أقول إلا ما سمعته! فالأكبر مات بحريق كان قد تسلّق أحد المقاهي الليلية وسط المدينة. الأوسط الأول بذات الطريقة لكن الحريق كان بحافلة مواصلات عامة. والأوسط الثاني بحادث حريق أيضاً إلتهم بناية مؤسسة حكومية كان يمتهن الشحدة ببابها. أما إبنتها الصغيرة الوحيدة فأختُطفها مجهولون يستقلون عربة مظلله بلا لوحات، وأشارت أصابع الإتهام كالعادة إلى عصابات الإتجار بالأعضاء الحية. بعدما وُجدت بقايا لأجزاء بشرية متعفنة داخل كيس بلاستيكي بأحد شوارع المدينة بعد يومين من إختفائها، وهكذا إنتهى الأمر.

     إقتربتُ بالكرسيّ قليلاً من السيدة، بعدما حطّم تعاطفي مع قصة أبنائها حائل الخوف منها، إلّا أنني فجأة أحسستُ بدوار لذيذ برأسي، وسخونة خفيفة تلفح وجهي، عندما إقتربت منها أكثر، فتراجعتُ بالكرسي على إثر ذلك قليلاً للوراء. لكن سرعان ما تلاشى ذلك الإحساس بالسخونة والدوار اللذيذ، وإقتربتُ منها أكثر هذه المرة من سابقتها طالباً لذة أكثر، تكرر معي نفس الأمر السابق. كررت نفس ردة الفعل السابقة بأن تراجعت بالكرسيّ للوراء. كررت الأمر مرتين وثلاث وخمس وعشر مرات، أو لأقل إختصاراً شديداً أدمنتُ الدوار اللذيذ والسخونة الخفيفة. لكن في إحدى المرات، وبينما كنت أقترب منها، لمحت بعنقها قلادة عليها صورة جمجمعة بشرية مشتعلة. على الفور تحسستُ عنقي، فوجدت قلادتي موجودة فأطمأنيت على أنها لم تكن قلادتي. مجرد شبه فقط.

    شهقت النفس الأخير من السيجارة، ورميتها على الأرض، وهمّتُ بالدوس عليها بقدمي بغية إطفاءها، والتفرغ لأمر السيدة الغريبة المسكينة، لكن لاحظت أن وجهها بدأ يحمرّ ويصطبغ بغضب نَمرة، وتقنّع بغدر ذئب على أهُبة الإنقضاض على فريسته، فأستعدتُ خوفي مجدداً. لكن ذلك لم يمنعني من أن أحدقها بنظرة عميقة في داخلها رعب لا مثيل له، وفي ظاهرها البأس القوة والوعيد بالهلاك، إلا أنها فاجأتني بأن إرتمت تحت قدميّ كما القط المستأنس يود تقبيل قدميّ، ومدت يدها لتأخذ السيجارة من تحت قدميّ، لكن كنت سباقاً، أخذتُ السيجارة من تحت قدمي، وتذكرتُ بأن هناك مطفأة سجائر بغرفتي، وبتلقائية رمتيها بالمطفأة. حينها إزداد تجهمها كأنني إرتكبت محظوراً لا يُغتفر ذنبه، وتحوّل وجهها لـ (كانون) مشتعل داخل غرفة مظلمة بليل شتاء بارد، وإستمدت منه شجاعة تهورية.

كان الصراع محموماً، هي مصممة على أخذ بقية السيجارة المشتعلة من المطفأة لتدخينها، وأنا أمنعها من ذلك، هي… وأنا… هي… أنا… وصل بي الأمر أن وضحت لها مخاطر التدخين وأثره على الجسم بكل الطرق والأساليب التي أعرفها، إستشهدت لها ببطل الرواية التي بين يديّ، وكيف أن بطلها الآن يرقد على شفا الموت بعلة قلبية سببها الرئيس تدخينه الشره. كنت أتعاطف معها حقيقة. فكل خوفي هو ألا تلحق بأبنائها الأربع المفقودين، ولو بالقطار بطيء السرعة. بعد صراع طويل إنتهى بأخذها بقية السيجارة التي لا تزال مشتعلة من طفاية سجائري، رغماً عن أنفي! إذ أردتني صريعاً بالأرض، بلا حول ولا قوة، سابحاً ببركة دمي الطازجة، والتي أكسبت أرض غرفتي لون جديد لم تعهده من قبل، حُمرة مخيفة. كُنتُ أخور بيأس كثور عجوز ذبيح، أزفر الموت من فمي وفتحتي أنفي الكبيرتين بكل ما أُوتيت من قوة، ولكن الموت كان يتغلغل بأحشائي بأضعاف قوتي تلك. والخنجر الذي غرسته السيدة الغريبة بقلبي كان يغوص بلذة كلما تقلّبتُ ألماً، أو حاولت الصراخ طالبا النجدة. في مشهد قابيليٌ يستجر عطف أبليس وشفقة أعتى القتلة والسفاحين عبر التاريخ البشري المُتخم بقصص لا تُحصى كان محورها الرئيس سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ليس لسبب آخر سوى لأنها بشرية وبريئة، لكنه لا يحرِّك شعرة عطف واحدة بتلك السيدة الغريبة بذلك الصباح الغريب المشؤوم. قبل إستقلال روحي عن كامل جسدي، وبشلالات من دمعها الغزير الذي كان يقطر فرحاً وحنية عميقة، لمحتها تطفئُ نار بقية السيجارة وتضمها إلى صدرها الدافئ بحنان أموميٌ صادق.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة