الرئيسية / احدث التدوينات / التصورات الاجتماعية للسلطة: قانون النظام العام نموذجاً

التصورات الاجتماعية للسلطة: قانون النظام العام نموذجاً

حسان الناصر

      خلال الأيام السابقة، شهِدت الساحة الإجتماعية في السودان حادثة لطالما كانت تُشكّل صدمة للعديد من الناس الذين ظلوا في دائرة ضيّقة ومتحجرة، وأصبحت هذه الحادثة الشُغل الشاغل للعديد من المدونين على الوسائط الإجتماعية، وهي حادثة برنامج (شباب توك)، التي تُعد العصا التي هزت خلية (المخيال الديني) الذي ظلّت السلطة السياسية والدينية تلعب عليه، لذلك أريدُ من خلال هذا المقال توضيح مسألة المخيال الديني وأثرها على السلوك الاجتماعي والتشريعات القانونية في السودان.

     ولكن دعوني أُعرّج إلى مسألة السلطة وأساس التصورات الإجتماعية لها، إنها آلية التخيل التي تؤثر في تشكيل الخيال الفردي واشلإجتماعي عبر الغاية، فالسلطة هي القدرة على التأثير فعلياً على الأشخاص والأمور، باللجوء إلى مجموعة من الوسائل تتراوح بين الإقناع والإكراه. أما “ماكس فيبر” فيُعرّف السلطة بالإمكانية المتاحة لأحد العناصر داخل علاقة إجتماعية معينة، ليكون قادراً على توجيهها حسب مشيئته. ولهذه السلطة وظيفة الدفاع عن المجتمع ضد نقائصه الخاصة والمحافظة عليه، وتخضع السلطة لحتميات داخلية تظهر كضرورة ويخضع لها كل مجتمع، فهي تبدو أيضاً كنتيجة لضرورة خارجية، إن كل مجتمع على صلة بالخارج. وهو مرتبط، مباشرة أو عن بُعد، بمجتمعات أخرى يعدها معادية، وإستناداً إلى هذا التهديد الخارجي، يتجه المجتمع إلى تمجيد وحدته عبر سلطة الرمز التي تظهر عبر المخيال الإجتماعي، إنه منظومة من البداهات والمعايير والقيم والرموز، فهو ميدان لتحصيل المعرفة، بل هو مجال لإكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والإعتقاد.

    إذن تتشكل هناك علاقة جدلية بين التصورات الإجتماعية للسلطة، وتصور السلطة للمجتمع، فهما في حالة تأثير وتأثر مستمر ببعضهما البعض، قد تبدو حالة السودان واضحة بالنسبة لكلا الطرفين، السلطة/ المجتمع، فالمجتمع الذي يحل التصورات المتأثرة بالدين (كسلطة) يتشكل في فهم السلطة ذات التصور، وعندما أقول السلطة في هذه النقطة أقصد بها مؤسسات الدولة والقانون التي تستند في تشكلها على آيدلوجيا دينية.
     يُعتبر الدين – بصفته منظومة معتقدات جمعية – عنصراً قوياً في حياة الإنسان منذ القدم إلى الآن، لكنّ هذه المعتقدات الجمعية المختلفة بإختلاف العصور والمصادر الدينية والأجناس والثقافات أنتجت تصورات دينية بلغت حدّ التناقض والصراع. حيث شكّل اللجوء إلى الدين حلاً سهلاً لإخضاع المجتمعات وممارسة التسلط، وصل أقصى تجلياته المعنوية في المجتمعات الإسلامية إلى إستغلال الخوف – حد الرّهاب – من عذاب القبر ومن جهنم، لممارسة التسلط بمختلف مستوياته: دينياً وسياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً، وهذا ما دعا مجموعات دينيه لتوظيف المخيال الذي تشكّل، وهنا يكون التأويل فعالاً ويتمظهر كاتجاه يتخذ بُعداً مُطلقاً ويشير لوجوده وعمله ويعطي فاعليته داخل المجتمع.

    ولأن القاعدة التي ينطلق منها المؤول ذات بعد مطلق لا يمكن نقدهن فإنه بذلك يتحول إلى أداة قطع على كل ناقد، أو ذو رأي مخالف فعلي على حد قول محمد أركون إن الإنسان لا تحركه فقط الحوافز المادية والإقتصادية، وإنما تسيره أيضا الصور الخيالية والأحلام الوردية. فكثيراً ما يتهيج الناس وتخرج الجماهير إلى الشارع، لمجرد أن شخصاً قد ضرب على وتر المخيال الجماعي، أو عرف كيف يحرك النوابض الأساسية لهذا المخيال، والمخيال الإسلامي الذي حركه الخميني بشكل هائل هو من هذا النوع. ولهذا المخيال تاريخ يضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي. وقُل الأمر نفسه عن المخيال الذي تحركه الحركات الإسلاموية الحالية بمجملها. هكذا وجب حسب أركون القيام بعمل تفكيكي للمخيال الجماعي الذي يستغله الإسلامويون في تجييش الجماهير.

    لذلك وجب أن يتفكك هذا المخيال الذي أصبح أداة فعل مهمة جدا، فمن خلاله يتم تقديم كل خارج عن الوعي الجمعي إلى محاكمة يتم عبرها تثبت المخيال الديني وبذره أكثر في رحم المجتمع. وهذا لا ينحصر على دين واحد دون غيره، ولا منطقة دون أخرى، بل في عمق الدول الحديثة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فالجمهوريون يمثلون صوت الرب، فجورج بوش الإبن عندما إحتل العراق تحدث بأن هذه حرب من أجل الرب، وبدأ الجنود الأمريكيين في تلاوة الصلوات، وكذلك عندما قدمت إذاعة الكوثر التي تبث في أنحاء البلاد على قراءة ورد يومي من اجل تحصين البلاد من شرور أمريكا.

    إن مثل هذه الأفعال تقوم على أكتاف المخيال الديني، وهي تعيق الفرد في الخروج بتجربة ذاتية مختلفة، كما أنها تفكك الهالة العظيمة التي أخذها رجال الدين والجماعات الدينية كذلك، إننا بتفكيك المخيال نمنع ونُعطّل مفاهيم يتم حشرها دون وعي من أحد داخل الخطاب الديني .فالفرد هو جوهر تجربة الدين التي يجب أن نعمل على بذرها داخل المجتمع، من أجل أن تتاح حرية معتقد كامل للأفراد يصب مباشرة في تيار الديمقراطية التي يحب أن تقوم على عاتقها الدولة الحديثة، وعلينا بنقل التجربة الدينية إلى مربع الفردانية، ليصبح الفرد مرجعاً لنفسه في الإستمداد والتلّقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتَمثُّل. حيث يسقِط كلّ المرجعيات والسلطات الدينية، سواء كانت تقليدية كالمسجد والأسرة والزاوية، أو حركات الإسلام السياسي، أو غيرها من المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي كانت تنتج وتعيد إنتاج القيم الدينية. ولا شك أنّ هذا المفهوم، جاء ليحلّ محلّ التدين الجماعي المرتبط بالولاء للأسرة وللقبيلة وللأمّة وللجماعة وما إلى ذلك.

    من بين مميزات التدين الفردي أنّه يستطيع أن يُنشئ نموذجه التديني، بمعزل عن كلّ المؤثرات والحيثيات والقواعد والأعراف والمؤسسات، بذلك نكون قد أعِدنا الدين إلى مربعه الذي يعمل فيه بصوره فعّاله، وعملنا على خلق أجواء ديمقراطيه تُفعّل من حاله الفرد وتُعلّي قيمته. ما أريد إيضاحه هو كيف أن المخيال الديني يُستغَل من قِبَل السلطة التي إرتبطت بالدين كأساس تنطلق منه إتجاه الدولة، وتنظر إلى المجتمع من منظور ضيّق ومحدود، لذلك تحدد معاير المواطنة وفقاً لهذه الرؤية والمنظور، وتحدد الشكل والطريقة والمظهر الذي يجب عليه أن يكون المواطن، وهذه النظرة ليست نظرة السلطة وحسب، فكما أسلفت هذه التصورات موجودة ومحفورة داخل وعي الناس، والسلطة توظفها لصالحها، فيزداد القمع والبطش والقهر، حتى يصبح هو سلوك يومي يحدث للإنسان دون التمرد عليه، أو رفضه، بل يمارسه على نفسه، والمحيطين به، ويكون المجتمع في حالة مهاجمة مستمرة لكل من يخرج على القمع أو يقاوم.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان