الرئيسية / احدث التدوينات / الشرق بوصفه ذاتاً والآخر في خِطاب الاستشراق

الشرق بوصفه ذاتاً والآخر في خِطاب الاستشراق

محمد سالم

 

    يظهرُ الخطابُ، في أحيانٍ كثيرة، كما يكتبُ الشاعِرُ، خيالاً، من التاريخ، والذاكرة، والزمن، بدل أن يكونَ متجذراً في الواقع، كامناً فيه. كما يظهَرُ الآخر، بوصفهِ مختلفاً ومألوفاً، في الوقتِ عينه، وهو ظهورُّ حَتميِّ، طبيعيِّ، بحكمِ الإتصال، وهو من إشتراطاتِ تكوين الثقافة الإنسانية، لَكِن هذا الظهور لا يلغيِّ التباين، بل يَدْخُل معه، في جدليةٍ إن لم تكن تُلغية بالضرورة، فهي تقوم على دينامية وصِدام، فإختلاف الغيَر، هو إختلافُّ كما تراه الذات المحكومة بتصوراتِها المسبقة، بتعبير كانط، أو الشيفرة الثقافية كما أسماها فوكو.

    يمكننا أن نُعايِّن هذا بوضوحٍ، في عَمَلِ إدوارد سعيد (الإستشراق) حيثُ تكونُ العِلاقةُ بين خطابِ الإستشراق، وواقع هيمنةِ الغرب على الشرق، غامِضةً ملتَبِسة. للوهلةِ الأولى قد يبدو غريباً أن يُتهمَ سعيد، بتجاهلِ الحقائقِ الإجتماعية والمادية، التي تُثيرها مسائِل الإستشراق. بعد كل شيء، واحدةُّ من السماتِ المُهمة للإستشراقِ، هو إصرارهُ على أن النقدَ الأدبيِّ والعلميِّ، يَجِبُ أن يأخُذَ في الإعتبار سياقَ (الإمبريالية) التي شكّلت أهداف دراسته. ومع ذلك، فإن التناقضاتِ، التي أود الإشارةَ إليها، وأهتم أن يُلقى عليها الضوء، تَنبعُ من قيودهِ على الحاجة إلى القراءةِ السياقية.

    فمن ناحية، يرى إدورد سعيد أن الإستشراق هو تمثيلُّ لإفتراءِ الكُتَّاب الغربيين، والرحَّالِة، إلى الشرقِ، الذي لا وجود له. ومن أخرى، يُجادِّل بأن المعرفةَ الواردة في خطابِ الإستشراق، لعِبت دوراً رئيسياً في السماحِ لأوروبا بإخضاعِ العالم غير الغربي. لكن إذا كان خطابُ الإستشراقِ، فاعلاً في السماح للساسةِ والجنرالات الغربيِّين، بالسيطرةِ الفعليِّة على الشرق، فإنه يَجِبُ أن يكونَ أكثر من مجردِ تمثيل. كيف لسعيد أن يُناقِشَ أن الشرقَ هو مجردُ تمثيلٍ، إذا كان يريد أيضاً، أن يزعمَ أن الإستشراقَ يوفُر المعرفةَ اللازمة للإحتلال الإستعماريِّ الفعليِّ؟ محاولاتُ الإلتفافِ على هذه الإشكالية، من خلال القول بأن نصوصَ الإستشراق لا يُمكنُ أن تخلقَ المعرفةَ فحسب، بل أيضاً الواقعَ، الذي يبدو أنها تصفهُ، ربما بإنحيازاتها الأيديولوجية. ماذا يعني إدورد سعيد بهذا؟

    يمكن أن يقترحَ أن واقعَ الشرق، مُتضمنُّ في نصوصِ الإستشراق. هكذا، فإن هذا يبدو وكأنه فهمُّ لنصٍ متعالٍ للواقع، خصوصاً من كاتبٍ ينتقدُ الإستشراق، من خلالِ نصوصه وشخوصِه. إذا كانت النصوصُ تحتوِي فعلاً على واقعٍ ما، فلن تكونَ هناك حاجةُّ إلى القراءةِ السياقيِّة، لأن السياقَ يكّمنُ في النصِّ ذاته. بدلاً عَنْهُ، يمكن لإدورد سعيد أن يعني أن نصوصَّ الإستشراقِ تفرضُ على الشرق واقعه. عندما يُصورُ المستشرقون الشرقَ بطريقةٍ خاصة، لماذا يستسلمُ الشرق لهذه الرؤية؟

    هذه الممارساتُ من بناءِ الأسماء والمعارف تمنعُ الإستقلاليِّة، إلى أولئك الذين تم تسميتُّهم وتخيُّلهم، وتمّدَدت السلطة والسيطرة والهيمنة عليهم. لتوسيعِ تحليلِ سعيد لحالةِ الشرق، لحالة العِرق، يُقرر العلمُّ الإجتماعيِّ للآخر حدود المعرفةِ حول الآخر، لديهم قوةُ الوصفِ، نحنُ نستسلم للصور التي يقومون ببنائها. وبالمثل، يبدو أن سعيد يقترحُ أن الدور الوحيد المخصص لل (الآخر) هو الخضوعُ للصورة التي شيدتها الذاتُ الغربية. إنها صورة للعلاقة بين الغربِ والعوالم الأخرى، التي يتحَّولُ فيها الآخرُ، ببساطة إلى ضحيةٍ سلبية. في أماكنَ أُخرى، قاومَ سعيد التحديات، أيضاً من خلال نظريته الخاصة للغرب والآخر.

    إدعى سعيد أن التمثيلَ نفسَهُ يحافظ على المرؤوس التابع، الأقل شأناً، بأي طريقة يختلفُ هذا الفهم عن المَشِّرق عن ذلك الوارد في خطاب الإستشراقِ نفسه، وهو فهم للمَذهبِ بإعتباره سلبياً، رأيُّ مصبوبُّ بالكامل من قبل الغرب لصُنعِ التاريخ؟  يشكو سعيد من أن الخطاب العالميِّ للغرب يُصادر صوتَ الآخر. ومع ذلك، فإن سعيد أحدُ الذين مارسوا الفعل ذاته، من خلال تصوره بإعتباره كائناً خاملاً متوافقاً، لا يتشكل إلا من خلال المعرفة الغربية. ويُنتج الغرب صورتهُ للشرق، مثل الآخر، ويقبلُ الشرقُ بخنوعِ الصورة التي يتم بناؤها. هناك مشكلة أخرى تنشأ عن حُجةِ سعيد، أن القضية الحقيقية، كما يدّعيِّ، هي ما إذا كان يمكنُ أن يكون هناك تمثيلُّ حقيقياً لأي شيء، أو ما إذا كان كل شيء تمثيلُّ، ولأنها تمثيلية، متجسدة أولاً في اللغةِ، ومن ثم في الثقافة والجو السياسيِّ، لا يمكنُ أن تكون التمثُلات صادقةً، والحقيقة  مجرد تمثيلية، تشكَّلت من قِبل التاريخ المشترك، والتقاليد وكوُّن الخطاب. لكن إذا لم تكن التمثُلات الحقيقية ممكنةً، والحقيقةُ بحد ذاتها ليست سوى تمثيل، فبأي طريقةٍ يمكننا نقد الإستشراق؟

    ليس هناك وسيلةُّ موضوعيةُّ يمكن من خِلالها تحديِّ الصورة التي يُقدمها المستشرقون لنا عن الشرق. إن نسبيةَ وجهةِ نظر سعيد، تقوضُ إمكانية تحديِّ الخطاب ذاته الذي يحتقره. المشكلة في فَهم العلاقة بين التمثيل والحقيقة، تنشأ من مفهوم الخطاب الذي إستمدهُ سعيد من ميشيل فوكو، المركزيةُ هي الفكرةُ القائلةُ بأن الحقائقَ الإجتماعية لا يُمكن أبداً، تصَّورها على أنها حقيقية أو كاذبة. إن اللغةَ التي نستخدمُها لوصفِ الحقائق تفرضُ الحقيقةَ، أو الزيفَ على تلك الحقائق. ومن هنا فإن الخطاب نفسه هو الذي يخلقُ الحقيقة، حول موضوع معين وتؤدي الخطابات المُتنافسة إلى خَلقِ حقائق متنافسة.

    الحقيقة لا تكّمن في العلاقةِ بين الخطابِ والواقعِ الإجتماعيِّ، بل في العلاقة بين الخطاب والسلطة. إنها العلاقةُ بين الخطابِ والقوةِ التي تقررُ أي وَاحِدَةٍ من الحقائقِ الكثيرةِ يتم قبولها على أنها الحقيقة. فبالنسبة إلى قوة فوكو تُنتج المعرفة، والقوة والمعرفة تعنِيان بعضهما البعض بشكلٍ مباشر، لأنه لا توجد علاقة سلطة، بدون دستور مُتلازم لمجالٍ من المعرفة، ولا بوجودِ أية معرفة لا تفترضُ وتشكل علاقات قوة. فبالنسبة لفوكو، يُمثلُ الخِطاب طريقةً لتشكيلِ السُلطة، ويتمُ التحقُق منه في ذات الوقت من هذه القوة. إن معرفةَ أن الخطابَ ينتجُ نوعاً من السلطة، تُمارسُ على أولئك الذين يعرفون. فعندما يتم ممارسة هذه المعرفة، فإن أولئك الذين يعرفون بطريقةٍ معينة سيخضعون لها. وأولئك الذين يُنتجون الخطاب لديهم القُدرة على جعلهِ صحيحاً، لفرض صلاحيته: الحقيقةُ ليست خارجَ السلطة، لكل مجتمع نظامه للحقيقة، سياستهُ العامة للحقيقة. أي أنواع الخطاب الذي يقبل به، ويجعل وظيفته صحيحة، الآليات والحالات التي تمكّن الشخص من التمييز بين العبارات الحقيقية والزائفة، الوسائلُ التي يعاقب عليها؛ والتقنيات والإجراءات الممنوحة القيمة في اكتساب الحقيقة؛ حالة أولئك الذين اتُهموا بقول ما هو صحيح لكن، ما الذي يعنيه فوكو بـ (القوة والقَهر الإجتماعيِّ).

    القوةُّ، بالنسبة إلى فوكو، لا يمكن تصورها في المصطلحات الإجتماعية؛ فهي ليست ملكاً لفرد أو لفئة، وليست تنشأ عن العلاقات بين الأفراد أو الطبقات، ولا تنبعُ من مصدرٍ أو مؤسسةٍ محددة مثل الدولة. السُلطةُ موجودةُّ في كُلِ مكان، من خلال خيوطهُا، ومن خلال القوة فقط، يمكنُ تشكيل (الواقع) بالنظرِ إلى القُوةِ الكلية، ودورهَا في تشكيلِ الواقعِ، يضطرُ فوكو إلى التفكيرِ في علاقاتِ القوة بشروطٍ تعسفية. فإن الإيمانَ بالطابعِ التعسفيِّ لكلٍ من السلطة والحقيقة، يؤدي حتماً إلى نسبيةٍ مُتطرفة. إذا كانت السلطة، ببساطة، العُنصرَ التأسيسيِّ، في جميع النُظم الإجتماعية، كيف يمكننا أن نختار بين مجتمعٍ وآخر؟ وإذا كان الخطابُ يصنعُ حقيقتهُ الخاصة، التي تُعطى صلاحيتها بقوةٍ تعسفيةٍ، كيف لنا أن نُميِّز بين التمثُّل والخطابات المختلفة؟

     لا يُمكننا ربطُ الأفكارِ والتمثُلات بحركاتٍ إجتماعية حقيقية، ولا يُمكننا إصدار أحكامٍ قيميةٍ على مجموعاتٍ مختلفةٍ من الأفكار. إن منطقَ حُجة فوكو، سيقودنا إلى افتراضٍ أن هذا هو فعلُ محاولةِ تكوينِ حقيقةٍ موضوعيةٍ هي المُشكلة. إن الفلسفة الغربية تقوضُ وتقضيِّ على كُل المجتمعاتِ، أو الثقافاتِ، أو أنماطِ المعيشة التي تُصادفها، فبالنسبة مثلاً، لمعرفة ليفيناس التقليدية، التي تم تصورها على أنها العلاقة بين الموضوع والشكل، فإنها تتضمن دائماً تخصيص واحدٍ إلى الآخر. وهذا ما يُسميه (الإمبريالية ذاتها) مما يربطُ بين الإستسلام الماديِّ للعالم الغربيِّ، والتبعية الفكرية لأفكاره وتاريخه وقيمه، أو العَكس، أي تَضميِن الآخر، أو إحتواءه، مثلما ضَّم السياسيون والجنرالات الغربيون أراضٍ أجنبية، فإن المثقفين والفلاسفة في الغرب، يُلائمون كل المعرفة الأخرى ببناءُ المعرفة التي تعملُ جميعها من خلالِ أشكال نزعِ الملكية، وتضمين المقلدين الآخرين على المستوى المفاهيميِّ، والإمتصاصِ الجغرافيِّ والإقتصاديِّ للعالم غير الأوروبي من قِبل الغرب.

     وبما أن كل المعرفة والفهم، يتطلبانِ إستيلاء الكائن على الموضوع، والشَكل، وهو أمر ضمني في كل عملية تفاهم، كما يقول ليفيناس، فهو عمل من أعمال العنف. الحلُ الوحيد لهذه المشكلة هو التخليِّ تماماً عن المعرفة بالمعنى التقليدي. في مكان الاستيعاب يجب أن يكون هناك إنفصالُّ لا نهائي، لا يُمكن أن يكون إحترام الآخر، أن يعني رفضَ الحُكم على قيمِ أو قواعد الآخرين. فليست قفزةً كبيرة، إلى الحُجة القائلة بأن العادات المتخلفة، والمؤسسات الرجعية، والمعتقدات غير المنطقية، كلها، تُدافع على أساس أنها قد لا تكون منطقيةً في ثقافتنا، ولكنها ليست كذلك لدى الآخرين.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق