الرئيسية / احدث التدوينات / الصحافة والسينما ومعاول الشعوب

الصحافة والسينما ومعاول الشعوب

الصادق

     يقول صلاح أحمد إبراهيم: “الخطة غير الإنشاء، والتعبئة غير النداء، وتحقيق النصر غير الرجاء.” إن ترديد الشعارات العمياء لا يدل إلا على مثابرة الببغاء، فدون نظرة أمينة لما كان، لن تكون هناك نظرة ثاقبة لما سيكون، هل نحن أنداد للتحدي؟

     العصر الجديد بتحدياته التي إجتاحت المنخفضات الحضارية، وأكتسحت الأمم الغافية، في سباق التسلح المعرفي، أنتجت أنماط جديدة من التأثير بواسطة المعرفة والمعلومة والأدب والفنون. أفرد لها آلفن توفلر سفره الموسوم ب (تحول السلطة) آخر كُتب ثلاثيته الشهيرة. ملقياً الضوء على تحول أشكال الصراع وأدواته لتشمل مناحي جديدة.

     لكن السؤال الأهم الذي ينبغي مناقشته: كيف تفلت الشعوب من مآسي العجز الحضاري والتقزم الفكري، بل كيف تتخذ معاول ذاتية بأيديها لمقارعة التنافس الحضاري والثقافي، دون أن تُسلم مهمة تشكيل صورتها للآخرين، أو أن تكون مطابقة فعلاً لرسومات الآخرين.

     لسنوات عديدة شكلت وسائل الإعلام المرئية لاعباً جديداً في أدوات التأثير على الجماهير، وصناعة الأفكار والصور النمطية حول القضايا العالمية. ورغم كونها أحدثت نقلة فائقة في مجال  الإعلام إلا أنها إصطدمت بسيطرة رأس المال ورجال السياسة، الذين إجتهدوا في إبتداع الطرق التي تمكنهم من تمرير أجنداتهم، وتحويل الجماهير لتتماشى مع أفكارهم.

     من ضمن المنتوج الإعلامي الجديد في بدايات القرن العشرين، خلال الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال، إستطاعت وكالة (رويترز) أن توفر 115 مراسلاً لها في معارك الحرب العالمية الأولى، هذا الإشتراك المباشر في تغطية المستجدات العالمية كان يهدف بصورته المثلى إلى نقل الصورة والأحداث للشعوب، وأن يُملّك المعلومة للجميع.

    “كيف تحط هوليوود من قدر الشعوب؟” بهذا السؤال أفتتح جاك شاهين مؤلفه (الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية)، الذي سلط من خلاله الضوء على 30 عاماً من إنتاج هوليوود لأفلام تتناول في موضوعاتها معالجة سينمائية للمجتمعات العربية، أو تظهر فيها شخصيات   تجسد تصوراً معيناً للشخصية العربية، يقول جاك بأنه قد بنى دراسته بعد أن شاهد أكثر من ألف فيلم منذ أيام هوليوود الأولى حتى أهم الأفلام الحديثة، ووجد أن تلك الأفلام قد تبنت وضع صورة نمطية للشخصية العربية في أذهان المشاهدين، تتفق جميعها في إظهار العرب كأشرار.

    حيث تعرض شاهين للأساطير التي صنعتها هوليوود عن العرب، والتي لم تأت من فراغ، ولا من إبتداع المخيال الأميركي، بل إنتقلت من تصورات المجتمعات الأوروبية المبنية على رحلات المستشرقين، ومخطوطات الرحالة، ولوحات الفنانيين التي تحتوي المنتوج النهائي لتصور أوروبا للمجتمعات العربية. فمنذ أيامها الأولى خضعت هوليوود لجرعات من رسم المسار الذي يجب أن تسلكه، والصورة التي يجب أن تعكسها وترسخها أعمالها في المجتمع الأمريكي، ولنقل أن أيادي جماعات الضغط الإقتصادية والسياسية نجحت تماماً في تجنيد هوليوود كعنصر مهم في تأطير مفاهيم المجتمعات، وصياغة تصور شعبوي واحد، يدعم ويبرر تحركات القوى التي تحرس الكولونيالية الجديدة.

     هوليوود على مدى سنوات طويلة لم تتحرى الدقة ولا الصواب في تمثيل الحياة في المجتمعات العربية، بل إنها تصرف نظرها عن الصورة الحقيقية، وتجند كل المشاهد لخدمة التصور القائم  حول بدائية البيئة العربية، حيث الصحاري الممتدة، وأنماط الحياة القاسية، وتصوير العربي كشخصية همجية متخمة وفاحشة الثراء، مصاب بسعار جنسي، فأغلب المشاهد  تصور سيداً تلتف حوله الحسان من الحريم والراقصات الشرقيات، هذا التصور مثلاً يصلح في هوليوود  لتصوير العرب، حتى تسعينات القرن المنصرم. ولنستعرض هنا مثلاً أغنية البداية لفيلم الكارتون علاء الدين: 

Oh, I come from a land

From a faraway place

Where the caravan camels roam.

Where they cut off your ear

If they don’t like your face

It’s barbaric, but hey, it’s home

      لنأخذ مثلاً هذه الجزئية من أغنية البداية: “حيث يقطعون أذنك إن لم يعجبهم وجهك .. هذا وحشي .. لكن هذه هي بلادي.” لا شك أنها سترسم صورة يصعب إزالتها، خاصة وأن الجمهور المستهدف هم الأطفال، وبالمجمل فقد لعب العرب أدوراً عديدة  في السينما الأمريكية كمستودع للشر والجشع، كما أنهم كانوا مادة أساسية للتندر في الأعمال السينمائية، وطبعاً في الأخير   أيضاً، رغم شرهم، فإن تصويرهم كأشرار أغبياء، أو مهرجين، أو أعداء، أمر محتوم لكتابة مشاهد النهاية في أعمال هوليوود. صيغت جميع هذه الأفكار في مجموعة من الأفلام على شاكلة Cannoball run)) وفيلم (Never say never again) الذي يصور مشهداً لفتاة شقراء مقيدة تباع ضمن مزاد  لمجموعة من البدو، وفيلم jewel of the nile) ) وفيلم (Protocol) الذي يصور أفتتان  الأمراء العرب بالنساء الأمريكيات الشقراوات، وفيلم the bonfire of the vanities) 1990) الذي يدور في مجمله عن أن العرب لا يفارقون حيواناتهم أين ما ذهبوا.

     ولعل المنتوج السينمائي الذي يسبر أغوار الشرق بمنظاره الضبابي لم يدخر جهداً في  الإستخفاف بالعمق الحضاري، والعادات الإجتماعية  لشعوب  الشرق،  وأنا هنا أعني كلما يندرج أو يشارك  الشرق الأوسط من شعوب، سواءاً كان من ناحية التكون الاجتماعي، أو أنماط الحياة البعيدة عن الثقافة الإستهلاكية، ليخرج هذا النمط الرث المكرور والباهت  من المحتوى السينمائي، كمثال على ذلك هذه الأعمال التي  تبلغ  أكثر من 300 فيلم، تضمنت قدحاً في  الشخصية الشرقية، وتصور المجتمعات الشرقية كمجتمعات بأنها تمتهن المرأة، وتحط من قدرها، وفي نفس الوقت فأن أفضل ما يمكن أن تخرج به من مكانة المرأة فيها إذا كانت إيجابية فهو الرقص الشرقي، وبالطبع هذا لا يتم تصنيفه كنمط من الإهانة، أو أزدراء الشعوب، أبداً، بل كقالب للفكاهة لا أكثر.

     إن مهام الأجهزة الإستخبارية أخذت في التطور بفضل ظهور لاعب جديد في مشهد  التأثير على الجماهير، بات معه المستفيدين من المعلومات الإستخبارية  الآن  متخمون  بالمعلومات، بل إن  عهد تجنيد العملاء، وسنوات الإعداد من أجل خرق بسيط في الكيان المستهدف صارت شيء من ذاكرة العمل الإستخباراتي، بفضل لا مركزية المعلومة، وتلاشي أساليب الرقابة. كما دخلت الفنون في خضم المعترك الحضاري، كأداة جديدة في سبيل صياغة المعلومات وإعادة تشكيل وتطويع المعارف.

     وسط هذا كله فأن تصرفات فردية، أو أنماط تفكير وقوالب فكرية جماعية، تعزز منتوج  وغرس تصورات المستشرقين  عن الشرق، على شاكلة أنماط التدين الشعبوي، وقراءات الآخرين لها، كما أن منتوج  تمدد تيار التدين المظهري، أو الفرعي، يترك إنطباعات أخرى لدى المتلقي من الشعوب والأمم. في حين تتجه أنظار العالم إلى الشرق بإستخدام عدسات هوليوود، فإن الشرق ذاته غارق في نشوة وجوده الباهت كموضوع سينمائي، وتظل شعوبه غارقة في الظلم الاجتماعي، مع غياب دولة المؤسسات، وأنظمة الرعاية الاجتماعية، دون أي قدرة على مناهضة الإستبداد وأشكال العسف، مقرة بتفوق الكولنيالية، وخاضعة لميزان تفاضلها الذي لا تزن فيه الحضارات والأمم والثقافات إلا بميزان الامبريالية، ومعايير الرجل الأبيض.

     ورغم أن هذه الدفوعات ظاهرة وواضحة، إلا أن إستغلالها من قبل الوعاظ وجوغة إعلاميي الأنظمة الإستبدادية بقصد الإستهلاك المجاني، وكسب عاطفة الشعوب، والتهرب من الإخفاق المستمر، أو التهرب من قصور الخطاب الديني الوعظي، عن مخاطبة إحتياجات ومشكلات المجتمع، دفع المثقفين  للتقاضي عن الحديث عن وجود إعلام موجه يعتم صورة بلدانهم، حتى لايعززوا بصدقيتهم أغراض الأنظمة الإستبدادية، والوعظ القائم على التخويف وتهويل معترك خيالي، فبلدانهم  في منظورهم معتمة  من الداخل.

     وبالرغم من التقاطعات الكثيرة لآثار الإعلام المغاير، أو منتوج الآخر في تشكيل صورة بلد ما، قد يبدو هذا السيناريو موغلاً في التضخيم، إلا أن ذلك لا ينفي سطوة الثقافة المنقولة، ونجاح معاولها في تشكيل التصور التاريخي والإجتماعي لشعوبنا. ودون الإمعان في سجلات هوليوود فإن المحتوى الذي يتناول  الشرق ومعتقداته أو أنماط الحياة فيه، لم يقتصر على التصور الساذج  أو الموجه بغرض خلق تصور وحكم بالسذاجة والجهل على الشعوب موضع الأعمال السينمائية، فإن تناول الزنوج والهنود الحمر كان ولفترة تاريخية كبيرة يتم بنفس القالب، لولا وثوب حركات  التحرر الفكري  للسود الأمريكان، وتصديها للمظلمة التاريخية بتقديم قضيتها بكل الروافع الممكنة.

عن الصادق يوسف حسن

mm
قاص من السودان ، أكتب وأقرأ وأمشي في الأسواق ، وأقص درب الكلمات ، أبحث عن الحقيقة في كل طور لها وكل عهد لي ، لا اتجاهات كلنا في نطاق مستدير لنستوي ، الحياة لغز كبير ومتاريس متمددة في الطريق وإلى آخره " انسان على طول المسافة بيبتسم " .