الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : بابل: درة العالم القديم

ترجمات خاصة : بابل: درة العالم القديم

هبة

بقلم: Juan Luis Montero Fenollòs

ترجمة: هبة الله الجماع

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

     بابل، المدينة الأخاذة التي حكمها حمورابي، وأستعادها نبوخذ نصر، وغزاها قورش، إنها تلك المدينة التي كانت تقع في قلب بلاد ما بين النهرين، إنها المرغوبة المرهوبة، المحبوبة المكروهة، إنها المدينة الفريدة التي ساقها قدرها لتكون في مركز فجر التاريخ. كانت مدينة بابل الرائعة، الواقعة بين نهري دجلة والفرات، على بعد 60 ميلاً جنوب بغداد (حالياً)، إحدى المدن العظيمة التي أنجبتها بلاد ما بين النهرين، ضمن عديد من المدن العظمى التي قدمتها للعالم القديم.

     على عكس العديد من المدن التي سقطت، وخفت ذكرها، ثم إختفى أثرها مع مر الزمن، ظلت بابل صامدة، مرنة، تنهض من بين رمادها مرة بعد مرة، شامخة برأسها، معلنة عن وجودها في وجه كل غاز ومحتل. كانت بابل بهية، جميلة، وثرية، وكان لذلك ثمن باهظ متمثل في أنها قد صارت مطمعاً لكل محتل ينظر إليها على أنها جائزة كبرى يجب إقتناصها.

     ظل صدى بابل يتردد في الثقافة اليهودية – المسيحية لقرون عدة، فها هي تحتل مكانها بين صفحات العهد القديم، حيث كانت منفى اليهود عقب تخريب مدينة أورشليم/ القدس؛ وبحلول زمن العهد الجديد، صارت بابل تمثل رمزاً للمدينة الأرضية الفاسدة في مقابل أورشليم السماوية الطاهرة. ولم يتوقف تأثير بابل عند ذلك الحد، بل إتخذ إمتدادات أخرى، إلى حيث الكتاب اليونانيين والرومان، الذين ألقت بابل بظلالها على عقولهم وقلوبهم، وأشعلت ملكاتهم الذهنية، فطفقوا يسبغون عليها من الأساطير ما ظل حياً إلى يومنا هذا.

    كتب المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت عن بابل، وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد أورد عنها العديد من الحكايا والعجائب والتناقضات أيضاً، بما دفع بكثير من العلماء إلى الإعتقاد بأنه لم يزر بابل قط، وأن ما كتبه هو أقرب للحكايات منه إلى الحقائق التاريخية. وبصرف النظر عن الحكايات الشعبية الشائقة حول برج بابل وحدائقها المعلقة، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة في نظر علماء التاريخ والآثار أن مدينة بابل هي مدينة حقيقية تقع في قلب ثقاقة بلاد ما بين النهرين النابضة بالحياة، وأنها هيمنت على تلك البلاد لقرون طويلة.

مدينة المدن:

     تم تحديد موقع مدينة بابل لأول مرة في القرن التاسع عشر بالعراق، ثم أثبتت الحفريات اللاحقة، والتي قام بها عالم الآثار الألماني (روبرت كولديوي) في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أن المدينة قد تعرضت للبناء والهدم ثم البناء لعدة مرات، وبشكل خاص على يد الملك (نبوخذ نصر الثاني) والذي حكم من 561-605  قبل الميلاد. كما كشفت أعمال الإستكشاف التي قام بها كولديوي عن موقع عتيق للثقافة والسلطة السياسية، وحد من أعظم وأبرز المعالم الأثرية البابلية التي شيدها نبوخذ نصر الثاني: (بوابة عشتار)، تلك البوابة الزرقاء الباهرة، والتي أعيد تركيبها وعرضها حالياً في متحف بيرجامون في برلين.

     سطع نجم بابل لأول مرة في التاريخ في أواخر العصر البرونزي، حوالي بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد، حينما قام بإحتلالها قوم عرفوا بإسم الأموريين/ العموريين، وعلى يد سلسلة من الملوك العموريين الأقوياء – من بينهم وأبرزهم حمورابي الذي أشتهر بأنه واضع أول نظام قانوني في العالم – إستطاعت بابل أن تتفوق على العاصمة السومرية (أور)، وأن يطغى بريقها على كل ما حولها، فصارت بابل على أيدي العموريين أقوى مدينة في هذا الإقليم. ومع وفاة حمورابي، تراجعت مكانة بابل، لكن ظلت أهميتها باقية باعتبارها عاصمة لجنوب بلاد ما بين النهرين لآلاف السنين. وعلى مدار ما تبقى من الألفية الثانية قبل الميلاد، نشأت الصراعات المتوالية من أجل السيطرة على بابل، حيث إحتلها الحيثيون ثم الكاشيون، وفي وقت لاحق دخلت القبائل الكلدانية في قتال مرير مع الأراميين من سوريا لبسط السيطرة على بابل. وبحلول عام 1000 قبل الميلاد، صار للأشوريين – الذين كانوا قد أسسوا إمبراطورية قوية في الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين – اليد العليا على بابل.

     ظلت بابل على الدوام مطمعاً لكل طامع، فتعاقب عليها الغزاة، بمختلف ثقافاتهم وأصولهم وتقاليدهم، مثل قورش في القرن السادس قبل الميلاد، والإسكندر الأكبر بعده بمائتي عام؛ لهذا فربما يكون من المفيد لنا أن ننظر إلى بابل، ليس من جانب واحد، وإنما من عدة جوانب، وعلى أكثر من صعيد، وكأنها مجموعة من المدن في مدينة واحدة صارت عبر آلاف السنين نتاج لتراكم وتمازج الثقافات والتقاليد المتنوعة والتي تنبض بالحياة بين جنباتها.

     كان البابليين على وعي شديد بالآثار العظيمة التي شيدتها حضارتهم، وأكبر دليل على ذلك الوعي هو ما قام بها أحد خلفاء نبوخذ نصر، ويدعى (نابونيدوس) ويعرف بين المؤرخين المعاصرين بلقب : (الملك الآثاري). كان نابونيدوس رجلاً متعلماً رفيع الثقافة، عمل على إستعادة النمط المعماري، والأعراف الثقافية القديمة للمنطقة، خاصة تلك المستمدة من الإمبراطورية الأكادية التي سادت بلاد ما بين النهرين في الألفية الثالثة قبل الميلاد.

العصر الذهبي لبابل:

    تمتعت بابل بأعظم مظاهر القوة والرخاء، ووصلت لأوج ازدهارها خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، حتى صار ينظر إليها بوصفها أكبر مدن العالم. وفي أوائل القرن السادس قبل الميلاد تمكنت سلالة من الكلدانيين من إنتزاع السيطرة على بابل من يد الآشوريين؛ ومن تلك السلالة جاء واحد من أشهر من حكموا بابل: (نبوخذ نصر الثاني) الذي عرف بالقسوة الشديدة والتجبر والوحشية، حيث قام بتخريب أورشليم تماماً، وأسر اليهود وإرسالهم إلى عاصمة إمبراطوريته الجديدة المتعاظمة القوة.

     كان نبوخذ نصر الثاني رجلاً عسكرياً بإمتياز، لكنه أيضاً كان رجلاً إدارياً شديد الذكاء، فقد أجاد توجيه الأموال الطائلة التي غنمها من غزواته، في إعادة بناء بابل وإعمارها، حتى وصلت لما وصلت إليه من قمة التألق والمجد. وقام باستكمال بناء وتعزيز دفاعات المدينة، بم في ذلك حفر الخنادق وبناء الأسوار. ولم تقتصر نظرة نبوخذ نصر على الجوانب الدفاعية العسكرية فقط، وإنما كان يملك تصوراً شاملاً لمدينته التي أرادها درة تخطف الأنفاس، لذا فقد كان تجميل المدينة وتزيينها أيضاً على جدول أعماله، فأمر بتمهيد الطرق وتجديد المعابد وإعادة بناء ما كان متهدماً منها، كما تم إقامة بوابة عشتار المجيدة، والتي تم بناءها بالطوب الأزرق والكوبالت المزجج، وزخرفتها بصور للثيران والتنانين. وقد نقش على البوابة عبارة نسبت لنبوخذ نصر، تقول: (لقد ينت البوابات بالفخامة والروعة، ورسوم الثيران البرية والتنانين الشرسة، حتى إذا ما نظر الناس إليها، باتوا وهم في عجب منها وذهول).

المدينة التي يحميها مردوخ:

     كان مواطني بابل ينظرون إليها وكأنها الجنة، مركز العالم ورمز التجانس الكوني الذي تحقق في العالم مع انتصار إلههم الأعظم (مردوخ) على قوى الفوضى. وكان إنتشار عبادة مردوخ عبر بلاد ما بين النهرين بمثابة دليل واضح على مكانة بابل وتأثيرها. أما في الأدبيات العبرية، فقد صور اليهود نبوخذ نصر كطاغية، وجعلوا من بابل نموذج للعذاب والمعاناة، ولا عجب في أن يصوروه كذلك، وهو من قام بغزو أورشليم وتخريبها في بدايات القرن السادس قبل الميلاد، وإرسالهم – العبرانيين – إلى بابل كأسرى، بل والأكثر من ذلك ما جاء في الكتاب المقدس لليهود، من أن نبوخذ نصر الثاني قد أقدم على نهب بعض المتعلقات المقدسة من المعبد اليهودي، ونقلها إلى بابل، حيث تم وضعها في معبد مردوخ.

     وعقاباً له على إنتهاكاته – وفقاً للكتاب المقدس أيضاً – يروي سفر دانيال كيف ستنتهي سلالة نبوخذ نصر وتتهاوى مملكته، حيث تروي القصة كيف أن خليفته على العرش (لشار أوسور) أقام مأدبة عامرة تم تقديمها في الأوعية المقدسة التي تم نهبها من أورشليم، وأثناء الإحتفال فوجئ الملك بكتابات غريبة تظهر على الجدران، وكأن يداً خفية تكتبها، وكانت عبارة عن كلمات ملغزة غامضة لم يفهم معناها، فأمر الملك بإحضار أحد اليهود المنفيين إلى بابل، هو دانيال، لتفسير تلك الكلمات. جاء دانيال ومثل أمام الملك، وبدأ في تفسير الكلمات الملغزة، أو بالأحرى النبوءة المروعة: “بأمر من الإله، صارت مملكتك في أيامها الأخيرة، وإلى الميديين والفرس سيؤول مآلها.”

     وتحققت النبوءة، ففي عام 539 قبل الميلاد سقطت بابل في يد الملك الفارسي (قورش) الكبير، وعاد اليهود من منفاهم إلى أورشليم. وبعد قرنين من الزمان، تعرضت المدينة للغزو مرة أخرى، هذه المرة على يد (الإسكندر الأكبر) عام 331 قبل الميلاد، وتقول كثير من المصادر أن الإسكندر كان ينوي أن يجعل من بابل عاصمة لإمبراطوريته، إلا أن القدر لم يمهله الوقت، حيث وافته المنية قبل أن يتمكن من تحقيق ذلك. وفي نهاية الأمر تخلى خلفاء الإسكندر وورثة إمبراطوريته عن المدينة وهجروها، لتتحول بابل المتألقة إلى ذكرى أسطورية من عالم الماضي.

بابل: بين الحقيقة والبلبلة:

     كم من قصص وحكايات دارت حول بابل، فزادتها غموضاً وسحراً فوق سحرها؛ أحد أشهر تلك القصص هي قصة: (برج بابل)، والتي يعتقد كثير من الباحثين في التوراة أنها إما قامت على أساس ترجمة خاطئة، أو تلاعب بارع في الألفاظ، أو بمعنى أدق تورية لغوية بارعة. يخبرنا سفر التكوين كيف أن الناجين من الطوفان العظيم قد أرادوا بناء برج يصل بهم إلى السماء، إلا أن الإله قد عاقبهم على غرورهم هذا بأن شتتهم في أنحاء الأرض، فصاروا يتحدثون لغات عدة وألسنة مختلفة.

     تنبع تلك القصة أصلاً من الإعتقاد التوراتي بأن إسم (بابل) قد أشتق أساساً من كلمة عبرانية تعني (بلبلة) أي إرتباك وإختلاط – ومنها أيضاً جاءت الكلمة الإنجليزية Babble والتي تعني ثرثرة – وللمفارقة فقد جاء ذلك التفسير لإسم بابل مربكا في حد ذاته، ففي حين كان إسمها في العبرية يشير للإرتباك والبلبلة، كان أصل كلمة بابل في اللغة الأكادية لا يشير مطلقاً لأي إختلاط أو إرتباك وإنما كان يعني: (بوابة الآلهة). أما علماء الآثار فيعتقدون أن برج بابل المذكور في التوراة إنما هو: (إي تيمن أنكي) وهو زقورة عملاقة في بابل – (الزقورات هي عبارة عن معابد مدرجة، كان قد إنتشر نمط بناءها في نواحي سوريا والعراق وإيران/ المترجم) – مخصصة للإله مردوخ، ويعني إسم (إي تيمن انكي) :معبد أساس السموات والأرض. وقد بلغ ارتفاع ذلك المعبد/ البرج، الذي افترض القدماء أنه قد وصل إلى السماء ، حوالي 200 قدم ولم تكن قصة برج بابل هي أعجب القصص والحكايات التي نسجت حول بابل، وإنما زخرت المدينة العتيقة بالعديد من القصص المبهرة الملونة والزاهرة، مثل الحكايات التي صيغت حول الأثر الأشهر: (حدائق بابل المعلقة) تلك الحدائق الخلابة، والتي كانت واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. وهناك العديد من النظريات التي نشأت حول تلك الحدائق، سواء فيما يتعلق بموقعها أو بهوية بانيها؛ ففي حين يعتقد البعض أن تلك الحدائق كانت تشكل جزءاً من القصر الملكي في بابل ذاتها، يعتقد البعض أنها قد جرى تشييدها في مدينة أخرى تماماً. أما عن هوية من أقام تلك الحدائق، فترجح بعض الآراء أنه كان نبوخذ نصر ذاته قد بناها لزوجته (أميتيس).

     وفي أثناء أعمال الإستكشاف والتنقيب التي قام بها كولديوي في المدينة القديمة، تمكن فريقه من إكتشاف بناء غامض في أحد أركان القصر في بابل، وكان البناء عبارة عن أربعة عشر غرفة طويلة ذات أسقف مقببة، كما عثر على مجموعة من الآبار والقنوات في نفس الموقع. فهل كانت تلك الآبار والقنوات تمثل البنية التحتية للحدائق؟ كان فريق التنقيب – وبرغم الجو العلمي والأكاديمي الذي يعيشون فيه – لديهم رغبة عميقة في تصديق ذلك، بل وتصديق القصص المحيطة بالحدائق.

     إلا أن العلم المحض لا تعنيه الأساطير بقدر ما تعنيه الحقائق والدلائل المادية، لذا تكون نظرة العلم دوما أكثر إعتدالاً وموضوعية؛ فقد أجمع العلماء على أن ذلك المبنى كان يستخدم كمخزن لتوزيع زيت السمسم والحبوب والتمر والتوابل. أين تقع تلك الحدائق إذن؟ ربما ليست في أي مكان! فحتى الآن لم يكتشف أي نص من عصر نبوخذ نصر الثاني يشير إلى بناء تلك الحدائق، ولم يرد ذكرها مطلقاً في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت، أما المصادر الوحيدة التي ذكرت فيها تلك الحدائق فقد كتبت في عصر متأخر جداً، من باحثين أمثال تيودور الصقلي وسترابو وفلافيوس يوسيفوس، وقد جاءت تلك الكتابات بعد زمن طويل من أفول نجم بابل.

     والحق أن كتابات اليونان والرومان فيما يتعلق بالبابليين مليئة بالتضارب والخلط بينهم وبين الأشوريين! حيث نجد تيودور الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد في وصفه لجدران بابل، إنما كان في حقيقة الأمر يصف جدران نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية، حيث كان يصف مشهداً للصيد لا يشابه بأي حال أي عمل فني تم إكتشافه في قصور بابل، لكنه يشبه كثيراً بعض النقوش المكتشفة في القصور الآشورية في نينوى. وقد يرجع ذلك الخلط، جزئياً، إلى أن بعض من ملوك آشور، مثل سنحاريب الذي حكم في الفترة 681-704ق  قبل الميلاد، كانوا يلقبون بلقب (ملك بابل). أما الأمر المثير حقاً، فهو ذلك النقش الذي أكتشف في نينوى، ويصور الملك الأشوري سنحاريب في حدائق مزهرة يتم ريها عبر قناة مائية تنساب عبرها. فهل يمكن أن تكون تلك هي الحدائق الشهيرة التي عرفت على مر الزمان بحدائق بابل، وأنها في حقيقة أمرها إنما تقع في نينوى؟

     يبدو أن الحقائق التاريخية مهما كانت قوية، لا تثني الحكام أبداً عن إعادة تشكيل التاريخ على صورتهم الخاصة، وخلق أساطير جديدة يكونوا هم أبطالها. هذا ما حدث تحديداً مع تاريخ بابل، حينما أمر صدام حسين في الثمانينات بإعادة بناء قصره الحاكم، وكما كان أسلافه يفعلون، قام صدام بنقش إسمه على بعض أحجار القصر، حيث كتب بالعربية: “بناه صدام، إبن نبوخذ نصر، من أجل تمجيد العراق”.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر