الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : عن الحب والفقد وكيفية عبور الحزن بينما هو يعبرك: حوار مع إليزابيث غليبريت

ترجمات خاصة : عن الحب والفقد وكيفية عبور الحزن بينما هو يعبرك: حوار مع إليزابيث غليبريت

Elizabeth-Gilbert-600x400

 

لقراءة الموضوع الاصلي اضغط ( هنا )

“كل أحزانك ضائعة إذا لم تتعلم بعد كيف تكون بائساً” هكذا كتب الفيلسوف سينيكا لوالدته في رسالته الاستثنائية عن المرونة في وجه الفقد، فعلى الواحد أن يكون مادي بحت لينحني قبل أن يدرك عدم وجود قلب لا يخوض حياة لا ينهبها الفقد، وكل حب يفترض ذلك سواء كان ذلك بموت أو بفطر للفؤاد، وسواء كان الفقد شعوراً أو جزء من شعور فإن الحزن سيحضر بمظاهره العديدة اللامتوقعة والقاسية.

قيّدت جون ديدون هذه الحيرة وهذا الارتباك في مُذكراتها عن الفقد بقولها:  “أحزن حينما يحل الحزن ويحضر، لاشيء يشبه توقعنا لمجيئه”. وحين يقع الحزن ويجيء فإنه ينقض نسيج وجودنا، فحين نخسر الحب نحن نخسر ذاك الجزء الذي يحب من ذواتنا، الجزء الذي -بناء على مقدار الحب وعظمته- يمكن أن يشكل تقريباً ذواتنا بأكملها. نحن نخسر ما سمته الفنانة آن ترويت شعرياً بـ “الثقة المبهجة بأكملها النابعة فقط من الثقة المتبادلة مرات لا تعد ولا تحصى ومنوطة بالآخر و مُعاشة… تلك التي تحبكها وتنسجها أربع أيدي ستهتز الآن ستكون ذات قصد وغرض في نمط يمكن أن يفاجئ كل الشريكين”.

لكننا نكسب أيضاً شيئًا -من جمرات الفقد التي تحوّل انكسارنا إلى رماد- نحنُ مخلوقون من “الأرض”، نحنُ نركع وننحني، نصبح جزء من قشرتها، ويبدو كل شهيق كما لو أننا نتنفسه من باطن صهارة كوكبنا الذي ننتمي إليه. وينتهي ذلك تماماً في اللحظة التي نقرر فيها أن علينا التغلّب على ذلك بقدرتنا على استعادة أنفسنا مرة أخرى والنهوض والحياة مجدداً.

تجاوز هذه التجربة والنجاة منها بشِق الأنفس هو ما عاشته المؤلفة والإنسانة الرائعة إليزابيث جليبرت وروته ببصيرة نادرة ورقة قلب في حديثها مع كريس أندرسون مؤسس مشروع تيد في الحلقة الافتتاحية من بودكاست مقابلات تيد (TED Interviews).

تعلّق إليزابيث على وفاة شريكتها رايّا إلياس صديقة عمرها المقرّبة والتي تسبب تشخيصها بالمراحل الأخيرة من السرطان بفتح الباب الخفي- كما تصفه جليبريت- لإدراكها أن رايّا كانت هي حب حياتها:

الحزن..يصيبك،وهو أكبر منك. هناك خضوع حيث عليك أن تخطو إليه، و تستسلم وترفض أن يحركك الحزن نفسه في أرضه، وله إطاره الزمني و له مسار لرحلتك معه، وله سيطرة عليك وقوة وسيجيء حينما يجي، وحينما يحضر ستنحني له وسيحفر داخلك وسيشكلك. يحضر الحزن حينما يرغب ويحفر داخلك، سيباغتك في منتصف الليل وفي منتصف النهار، في خضم اجتماع أو خلال وجبة، سيحضرذاك الحضور المهول الإجباري والذي لا يمكن مقاومته بغير المزيد من المعاناة… والوضعية التي تتخذها هي أن تركع على ركبتيك بخضوع تام وتدعه يهزك ويزلزلك حتى ينتهي منك. وسينتهي منك في نهاية المطاف وحينما ينتهي سيرحل، و لكن أن تصبح أقوى وأن تقاوم وأن تناضل يعني أن تؤذي نفسك.

واضعة نصب عينيها الرابط البيولوجي الحميم بين العقل والجسد (والذي هو بالطبع الموطن الخصب للشعور) تضيف جليبرت:

” هناك ذاك التحدي الجسدي والروحي المهول للاسترخاء أمام قوته المهيبة حتى يمر من خلالك. إن الحزن تجربة يخضوها الجسد بأكمله، تسيطر على جسدك جميعه وهو ليس مرضاً يصيب العقل، هو حالة تؤثر عليك على المستوى الفيزيائي. أشعر بأن له علاقة ضخمة بالحب: أولًا -كما يقال- إنه الثمن الذي تدفعه لأجل الحب. ولكن -ثانيًا- في كل اللحظات التي وقعت فيها في الحب في حياتي لم أمتلك سوى سيطرة بسيطة عليه كما أملك على الحزن. هناك أمور محددة تصيبك كإنسان لا سلطة لك عليها وستباغتك في أوقات غير مريحة البتة،وعليك حينها أن تخضع بضعف الإنسان وخضوعه لحقيقة وجود شيء ينسل داخلك يفوقك قُدرة.

ثم تواصل إليزابيث حديثها بقراءة تعليق قصير و مبهر كتبته هي حول الحب والخسارة على صفحتها على الإنستقرام:

يواصل الناس سؤالي عن حالي وأنا غير واثقة دوماً كيف علي أن أجيب على هذا السؤال، فالحال يعتمد على اليوم وعلى اللحظة، خلال هذه اللحظة أنا بخير و البارحة لم أكن على ما يرام وغداً سنرى.

ولكن هنا أُسطّر ما تعلمته عن الحزن:

تعلمتُ أن الحزن طاقة إجبارية لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ  بها، وهي قوة تحضر وتختفي حسب مواعيدها، لا ينصاع الحزن لخططك أو أحلامك، سيفعل الحزن ما يرغب به متى ما رغب بذلك، وبهذا الصدد يشترك الحزن والحب العديد من الأشياء.

لذا فالطريقة الوحيدة التي يمكنني أن “أتحمل” بها الحزن هي نفس الطريقة التي “أتحمل” بها الحب وهي:اللاتحمل،بالانحناء لقوته بخضوع تام.

تشبه زيارة الحزن لي زيارة التسونامي وكل ما بين يداي هو تنبيه كافٍ لأقول لنفسي: “يا إلهي،إنه يحدث الآن” ثم أسقط على ركبتي على الأرض وأدعَه يهزّني. كيف تنجو من تسونامي الحزن؟ بالقدرة على عيشه وتجربته بدون أي مقاومة.

ثم يصبح الحوار مع الحزن دعاءً وإجابة.

يقول لي الحزن: “لن تحبي أبدًا أحدًا بمقدار حبك لرايّا” فأجيبه:”أنا مستعدة لأن يكون ذلك حقيقياً”

يقول لي: “رحلت ولن تعود أبداً” فأجيبه: “أنا مستعدة لأن يكون ذلك حقيقياً”

يقول: “لن تسمعي تلك الضحكة مجدداً” فأقول: “أنا مستعدة”

يقول الحزن: ” لن تشمي رائحة جلدها مرة مرة أخرى أبداً” أركع على ركبتاي اللعنيتين على الأرض و-ألقي بقصاصات الورق- وأقول “أنا مستعدة“.

هذه وظيفة العيش: المقدرة على الركوع أمام كل شيء أكبر من قدرتك، و كل شيء في هذا العالم تقريباً أكبر منك.

لا أعلم أين هي رايّا الآن، وليس الأمر بيدي لأعرف، كل ما أعرفه أنني سأحبها للأبد وهو ما أنا مستعدة له.

إلى الأمام قُدماً.

 

 أضافت إليزابيث في المقابلة أيضًا:

إنه لمن الشرف أن تخوض غمار الحزن، لمن الشرف أن تشعر إلى هذا الحد وأن تحب بهذا القدر.

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .