الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : هاروكي موراكامي: “عليك أن تعبر الظلام قبل أن تبلغ النور”

ترجمات خاصة : هاروكي موراكامي: “عليك أن تعبر الظلام قبل أن تبلغ النور”

5760

 لقراءة الموضوع الاصلي اضغط ( هنا )

قبل يوم من لقائنا في مانهاتن أوقفت سيدة هاروكي موراكامي في سنترال بارك حين كان هناك لممارسة جريَهُ الصباحي بقولها: “عفواً ألستَ روائياً يابانياً مشهوراً جداً؟” وهي طريقة غريبة و واهنة لطرح السؤال لكن موراكامي أجابها برصانته المعتادة قائلاً:  ” لا أنا مُجرّد كاتب، ولكن من اللطيف مقابلتك! ثم تصافحنا. “حين يوقفنا الناس هكذا أشعر بالغرابة الشديدة لأنني مجرد شخص عادي.لا أفهم حقًا لِمَ يود الناس مقابلتي”.

من الخطأ نعت هذا التصرف بتواضع زائف وكذلك من الخطأ تفسيره كانزعاج فعلي من الشهرة إذاً يصعب حتى اللحظة معرفة التسمية الصحيحة له فموراكامي البالغ من العمر 69 سنة لا يستطيب ولا يبغض شهرته العالمية، لكن منظوره للأمر هو أنه الفضول الذي يحيّر المتفرج على قصصه السريالية التي تنبع من لا وعيه و من حقيقة التهام ملايين القُرّاء لها باللغة اليابانية وباللغات الأخرى مترجمة.

و ليست محض مصادفة أن يكون أبطال أعمال موراكامي المثاليين هم: المراقب، الهادي، المنعزل اجتماعياً، رجل في أواسط الثلاثينيات من عمره ومجهول ويبدو أكثر اندهاشاً حين يرده إتصال هاتفي يتعذر تفسيره، أو يقوده بحثه عن قطة مفقودة إلى عالم موازي يشبه الأحلام يقطنه كلاب متفجرة ورجال بأزياء خراف ومراهقات غامضات وأشخاص بلا وجوه.

حين كانت روسيا تستقل عن الاتحاد السوفيتي وُجد تشتت عميق وكانت كتبي رائجة جداً

يعتنق موراكامي نظرية مفادها أن جاذبية هذه الصياغة الأدبية الساحرة تظهر تحديداً في أزمنة الفوضى السياسية:  “كنت مشهوراً جداً في التسعينيات في روسيا زمن استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، وكان التشتت والحيرة تعم الوضع، وأحبَّ الناس الحائرون كتبي”يشرح ذلك وهو يحتسي الماء في غرفة الاجتماعات في مكتب وكيله الأدبي الأمريكي،”حين سقط جدار برلين في ألمانيا كانت الحيرة حاضرة وأحب الناس كتبي”. إذا كان هذا صحيحًا فإن على أمريكا ترامب و خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن تبرهن تحديدًا على خصوبة السوق بروايته الرابعة عشر (KillingCommendatore) الواقعة في 674 صفحة مركزة من جرعات غرابة موراكامي والتي ترجمها فيليب غابريل و تيد غوسّين ونشرت في بريطانيا في التاسع من أكتوبر.

إن محاولة تلخيص حبكات موراكامي ما هو إلا مغامرة غير آمنة ولكن ربما يكفي أن نلاحظ أن الراوي المجهول هو رسام بورتريه مفطور القلب هجرته زوجته مؤخراً، يحاول أن يهرب من كل هذا بقصد جبال اليابان الشرقية والتي تتحول إلى مغامرة تتضمن رواد أعمال في مجال التقنية، غامض،جرسٌ يرن تلقائياً ليلاً،-ضريحٌ سريٌ في باطن الأرض من الجدران و حجرات أرضية،وقطط ضائعة هي كلها العلامات الفارقة والمميزة له- وكذلك جندي ساموري طوله قدامان وثرثار بشكل مُلفت للنظر ينبثق من لوحة كانفس يجدها الراوي في العلية.

من المنطقي أن تزدهر أعمال موراكامي في فترات التوتر السياسي فهي تمارس السحرية بل ولها حتى في بعض الأحيان تأثيراً مخدراً على القاري، فغرابة تطور الحبكة يضعفه الثبات الشعوري الذي سيجعل القاري يشعر كما لو أنه لاجئ من العالم الواقعي بل وأكثر. يذكر أن موراكمي أخبر مرة إحدى محاوريه أنه يفضل البيسبول “لأنها مملة”،و في مذكراته المنشورة سنة 2007 بعنوان ( What I Talk About When I Talk About Running) أشاد بمتعة -إذا كانت متعة هي الكلمة الصحيحة- الركض كفترة راحة وتحرر من الشعور كثيراً.

بالرغم من ذلك فلا تتوقع أن يخبرك موراكامي ما يُفترض أن تعنيه أيٌ من الأحداث الخيالية لمحتوى أعماله، فهو يعمل بناءً على أساس متين من الثقة بـ لاوعيه فيعتقد بأنه في حال انبثقت صورة من تلك الإرادة الباطنية المظلمة فإنها ذات معنى بالتعريف ومهمته هي تدوين وتسجيل ما ينبثق ويتولد عِوضاً عن تحليله. (حيث يقول: هي مهمة “الأذكياء” ويتغضن وجهه بابتسامة “وليس على الكُتاب أن يكونوا أذكياء”). ففي روايته الصادرة سنة 2002 كافكا على الشاطئ مثلًا هناك فقرة تمطر السماء فيها وابلاً من الأسماك يقول عنها: “يسألني الناس لمَ أسماك؟ ولِم هي تسقط من السماء؟ ولكني لا املك إجابة. كل ما في الأمر أن فكرة انهمار شيءٍ ما من السماء راودتني وتساءلتُ ما الذي يجب أن ينهمر؟ وقلتُ لنفسي: أسماك! الأسماك تبدو فكرة جيدة”.

“أتعلم ربما إذا كان هذا ما خطر ببالي فلربما هو صحيح بشكل ما، فكره من اللاوعي العميق (تتناسب) مع القرّاء، مما يعني أن بيني وبين القاري الآن نقطة لقاء خفية، مكان سرّي في اللاوعي، ويصح تماماً في ذلك المكان أن تهطل الأسماك من السماء. إن ما يهم هو نقطة الالتقاء لا تحليل الرمزية أو شيءٍ من هذا القبيل، سأدع هذا للمثقفين”. يعد موراكامي نفسه شكلاً من أشكال الأنابيب – قناةً تصل بين لا وعيه ولا وعي قُرائه- وهو شعورٌ واضحٌ جداً لدرجة أنه يتوقف بعد الإشارة إلى نفسه عرضيًا بـ “حكاء بالفطرة” ليصحح قوله بـ “لا لستُ حكاءً، أنا مشاهد حكايات”. إن علاقته بهذه القصص هي كعلاقة الحالم بالأحلام ولربما يفسّر هكذا ادعائه بأنه لا يحلم مُطلقاً ليلاً حين يقول : “لربما أحلم مرة كل شهر، ولكن عادةً لا أحلم، أظن لأنني ألج الحلم وأنا مستيقظ ولذا لستُ بحاجة لأن أحلم وأنا نائم”.

 تتشارك اللحظات المفصلية في بروز نجم موراكامي ككاتب نفس غريزة انبثاق الأفكار من مكان ما من الجانب الآخر للتحكم الواعي. موراكامي المولود سنة 1949 في كيوتو خلال فترة ما بعد الحرب مع الاحتلال الأمريكي لليابان أحبط والديه برفضه لوظيفة مؤسسية لأجل تأسيس نادٍ للجاز في طوكيو باسم بيتر كات تيمنًا بقطه. لاحقاً وبعد سنوات حين كان في مدرجات ملعب البيسبول يشاهد الكرة تحلّق بضربة من مضرب اللاعب الأمريكي ديف هيلتون حينما خطرت له فكرة كتابة رواية و هي لحظة صفاء أدت إلى صدور روايته (Hear the Wind Sing) سنة 1979.بعد فترة وجيزة حينما أيقظت مجلة غونزو الأدبية اليابانية موراكامي خلال نهاية الأسبوع باتصال هاتفي تعلمه فيه أن روايته دخلت القائمة القصيرة لجائزتها الجديدة للكُتّاب، أغلق موراكامي الهاتف وخرج للمشي رفقة زوجته يوكو، و وجدا حمامة مصابة حملها إلى مركز الشرطة وليكتب بعد سنوات عن ذاك اليوم: “كان ذلك الأحد مشرقاً ونقياً، وكانت الأشجار والمباني ونوافذ المحلات تلتمع بجمال تحت أشعة شمس الربيع. حدذ ذلك كله حينما صعقني الخبر، كنتُ سأفوز بالجائزة، وكنت سأواصل لأصبح الروائي الذي سيستمتع بدرجة من النجاح لقد كان توقعاً جريئًا ولكني كنتُ واثقاً تلك اللحظة أن هذا سيحدث، واثقاً جداً ليس نظرياً ولكن بطريقة مباشرة و حدسية”.

“آمنا في الستينات أن العالم سيتغير إذا حاولنا. لكن العالم اليوم لا يؤمن بذلك،وهذا محزنٌ جداً”

كان وقع استحسان النقاد بطيء في ظهوره يتذكر موراكامي ذلك بقوله: “كنت الخروف الأسود(1) في عالم الأدب الياباني”. ويعزى ذلك جزئياً، لأن كتبه بغياب أي حس يشير إلى كونها ناشئة في اليابان وكان تُرى على أنها “مشابهة للأعمال الأمريكية جدًا”.(أما هذه الأيام فالوضع على النقيض من ذلك فهو يذكر باستمرار كمرشح بارز لنوبل للآداب، بالرغم من سحبه لاسمه من “جائزة نوبل البديلة” التي أسست بديلاً لتأجيل الأساسية هذه السنة قائلًا بأنه يفضل التركيز على الكتابة). “مولدنا في أعقاب الحرب جعلنا ننشأ على الثقافة الأمريكية، كنت أستمع لموسيقى الجاز والبوب الأمريكية وأشاهد برامج التليفزيون الأمريكية،لقد كانت النافذة لعالم آخر، ولكن فيما بعد كونتُ إسلوبي الشخصي المتفرد، ليس أسلوباً أمريكياً ولا يابانياً، بل أسلوبي”.

على أي حال وبغض النظر عما يعتقده النقّاد نما نجاح موراكامي التجاري باطراد بالغاً ذروته سنة 1987 بنشر روايته الغابة النرويجية وهي حكاية حنين مؤلمة لحب الشباب والتي باعت 3.5 مليون نسخة خلال سنة من نشرها، كانت هذه الرواية مكتوبة بأسلوب واقعي لن يعاود موراكامي اتباعه إطلاقاً في روايته، بالرغم وأنه وبعد تفكير عميق يرفض فكرة أن تعد حكاياته التي تتضمن مطراً من الأسماك ونساءً خصبات بشكل خارق غير واقعية فيقول: “إنها واقعيتي، يعجبني غابريل غارسيا ماركيز جداً ولكني لا أظن أنه عد ما كتبه واقعية سحرية. لقد كانت واقعيته هو اسلوبي هو نظارتي، من خلال هذه العدسات يصبح لهذا العالم معنى عندي”.

وبتزايد مكانته بدأ هو أيضاً بمحاولة ضبط روتين كتابه يومي، والذي يمكن القول أنه الآن مشهورٌ كشهرة أي رواية: الاستيقاظ عند الرابعة صباحاً للكتابة لمدة خمس أو ست ساعات لتكون الحصيلة عشر صفحات يومياً قيل ممارسة الركض لحوالي ست كيلوات وربما السباحة. يقول موراكامي:”امتلاك نادٍ للجاز كان يعني حياة مشوشة وغير منظمة -الخلود للنوم عند الساعة الثالثة أو الرابعة صباحاً- ولذا حين أصبحتُ كاتباً قررتُ أن أحيأ حياةً ثابتة جداً: الاستيقاظ والنوم مبكراً وممارسة التمارين يومياً، أعتقد أن عليّ أن أكون قوي جسدياً لأكتب أشياءً قوية. يمكنه أن يكون فقط خط أنابيب ولكنها مهمته هو أن يحافظ على نظام الأنابيب بحال جيده. ظاهرياً يبدو هذا النظام طبعاً ناجحاً -يمكنه أن يستمر بممارسته حتى سن الخمسين- ولكن الإيقاع أيضاً مصدر  غني للسعادة والتي تحسب عادةً لصالح طول كتبه،يقول موراكامي: “هذه الأيام أيام متعة، ولذا كلما مضت الأيام كلما زادت المتعة وكلما زادت أيضاً الصفحات. أنا لا أعلم حقيقة لِما يحب الناس قراءة كتبي الطويلة ولكن -و بلا أي أدنى أثر للغطرسة- أنا مشهور جداً”.

يمنحه روتين إنتاجه النشط أيضاً قدرة فائضة يستخدمها للقصص القصيرة والأعمال غير الخيالية (أشهرها كتابه “ Underground“المبني على مقابلات عديدة مع الناجين من حادثة الهجوم على مترو طوكيو بغاز السارين سنة  1995، وكذلك مع أعضاء عقيدة أوم شنريكو المسؤولين عن الحادثة)، وكذلك للإجابة بنفسه على أسئلة قرائه لا عن كتبه فحسب بل وأيضاً عن دوره كـ عم يعاني. (“صحيح أنا قريبٌ جدُا من بلوغ الثلاثين ولكني لا أشعر بأني حققت أي شيء” هكذا يبدأ إجابته على أحد الأسئلة التي بلغت 3.716 والتي نشر إجاباتها في كتاب إلكتروني نُشر في اليابان سنة 2015). كما يعد موراكامي أيضاً مترجماً رائداً للأدب الأمريكي إلى اليابانية من أمثال: فيتزجيرالد،ترومان كابوت،غريس بالي،سالنجر،ومؤخرًا جون شيّفير.

يستمتع موراكامي بقراءة الترجمات الإنجليزية لأعماله لأن ذلك يبدو كما لو أنه يقرأ رواية جديدة كلياً حيث يقول:” تستغرق ترجمة هذه الكتب الكبيرة سنة أو سنتين ولذا بحلول وقت قراءتها أكون قد نسيت كل شيء” فهو يقلب الصفحات بإيماءة حماس قائلاً: “ماذا سيحدث؟ ثم يتصل المترجم بي قائلاً: مرحبا هاروكي هل أعجبتك ترجمتي؟ وأجيبه: هذه قصة عظيمة! أعجبتني كثيراً!”.

اللحظة الوحيدة انحاز فيها موراكامي إلى ناحية رسالة المؤلف والتي كان من المحتم أن يتخذها كانت حين انعطف حوارنا إلى السياسة الأمريكية، فحين سئل عن رأيه حول الأزمات الواقعة في البلد الذي يكن لثقافتها ميلاً وعاطفة، فكّر بصمت لحوالي دقيقة كاملة وثم قال: ” حين كنت مراهقاً في الستينات كان ذلك عصر المثالية. آمنّا أن العالم سيتغير لو أننا حاولنا ذلك، والناس اليوم لا يؤمنون بذلك وأعتقد أن هذا محزنٌ جداً. ينعت الناس كتبي بالغرابة ولكن خلف تلك الغرابة يجب أن يوجد عالم أفضل. هذه هي أساسيات تراكيب قصصي: عليك أن تعبر الظلام والباطن قبل أن تبلغ النور”.

ما بدأ كطيف من الأمل سيناسب اللحظة، فأبطال روايات موراكامي لا ينهون رحلتهم بالضرورة متعلمين ذاك القدر، وما زالوا أقل حظاً في وضع السعادة الكاملة، ولكنه عادةً ما ينقل من عالمه الخارجي للأحلام إلى مكان الهدوء والاتزان. لربما كانت الحياة غريبة باطراد كما يبدو  أن كتب موراكامي تقول ولكن الكوابيس تنتهي ويمكنك أن تجد قطتك المفقودة.

 

(1):يقصد بها المنبوذ ويقابلها في المحكية العربية:البطة السوداء.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .