الرئيسية / احدث التدوينات / جلجامش: هل كان البطل الملحمي شخصية حقيقية؟

جلجامش: هل كان البطل الملحمي شخصية حقيقية؟

هبة الله

بقلم: Kerry Sullivan

ترجمة : هبة الله الجماع

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

     ملحمة جلجامش*، الملحمة الأشهر، وواحدة من أكثر الملاحم أهمية بالنسبة لقراء ودارسي الأدب العالمي. إنها التحفة الخلابة، والأبيات الشعرية** التي تسلب الألباب، ليس فقط لأنها الأقدم في تاريخ الملاحم، حيث يعود تاريخها إلى 4000 عام مضت، ولكن أيضاً نظراً لمضمونها الفلسفي العميق، وأجوائها التي تخطف الأنفاس. إنها الأشعار الملحمية التي تحكي قصة البطل الذي بارى الآلهة، وواجه الكيانات الشريرة، ودخل في صراعات لا تزال تفاصيلها تربكنا، وتؤرق عقولنا حتى يومنا هذا. أما على المستوى الأكاديمي، فلم يزل الباحثين منغمسين في أنهار لا ينضب معينها من الأسئلة حول تلك الملحمة، وبشكل خاص حول بطلها الجبار. هل كان جلجامش شخصية حقيقية من الناحية التاريخية؟ هل وطأ بقدميه أرض الواقع؟ أم أن وقائع حياته قد حدثت فقط في عالم الخيال الخصب لقوم أبدعت عقولهم ونفوسهم ما يزال حتى الأن يسحرنا ويأسر قلوبنا؟

    لو أن جلجامش كان شخصية حقيقية فلابد وأنه قد عاش في بلاد ما بين النهرين القديمة، بين نهري دجلة والفرات، أي في العراق الحالية، أما الملحمة ذاتها فيرجح أنها قد أبدعت فيما بين عامي 2150 و 1400 قبل الميلاد. وتعتبر تلك الملحمة – شأنها في ذلك شأن الأربعة ملاحم الأخرى الباقية من تلك الحقبة البعيدة – أسطورية بالكامل، إلا أنها – ربما – قد حوت من الأشخاص والأحداث ما ينتمي لعالم الواقع، وأراد معاصروهم أن يخلدوا ذكراهم بهذا الشكل الملحمي.

جلجامش في ثبت ملوك سومر:

     عثر علماء الآثار على لوح حجري مدون عليه قائمة بأسماء مجموعة من ملوك سومر القديمة، وهو اللوح الذي إعتقد القدماء أنه قد جرى تدوينه في السماء، وهبط إلى الأرض بأمر الآلهة، لذا فقد إكتسب في نفوسهم نوع من القدسية والجلالة؛ ظل هذا اللوح تتوارثه الأجيال من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، ليؤكد دوماً على وحدة الأرض والأمة. وبصرف النظر عن الأصل أو المنشأ الحقيقي لهذا اللوح، تبقى الحقيقة أنه قد وُجد فعلاً، وأنه قد تم إستخدامه كأداة سياسية تستغلها كل مدينة في بسط سطوتها وسيطرتها على كافة أرجاء الإمبراطورية السومرية. في ذلك اللوح عثر العلماء على إسم جلجامش، مدوناً بين أسماء ملوك سومر الغابرة، لكن دون أي إبراز أو إحتفاء خاص به، أو أي إشارة تدل على مكانة مميزة له عن باقي الملوك. وقد وجد إسمه تحديداً ضمن أسماء الحكام الأوائل ل (أوروك) حيث كان ترتيبه الخامس بينهم.

     وقد روي أن حكم جلجامش قد إمتد ل 126 عام منذ حوالي عام 2600 قبل الميلاد. ووفقاً لما ورد في الأبيات الشعرية للملحمة، كان والد جلجامش هو الملك /الكاهن (لوجال باندا) هو الإسم الذي وجد منقوشاً أيضاً على لوح ملوك سومر كثالث حكام أوروك – وهو ما يرجح أنه ربما كان جد جلجامش وليس والده مباشرة – وكان يلقب ب (الراعي). أما من ناحية الأم، فمنها جاء النسب الإلهي لجلجامش، حيث تذكر الأساطير أن والدة جلجامش هي الإلهة (نينسون)، ومنها صار جلجامش نصف إله، يملك ما أسبغته عليه الملحمة من قدرات سحرية وقوة خارقة، تفوق ما يمكن أن يتأتى لبشر.

    يقول جوشوا مارك في موسوعته عن التاريخ القديم: “عرف جلجامش في اللغة السومرية بإسم   (بيلجاميس)، وفي اليونانية ب (جيلجاموس)، وقد إرتبط إرتباطاً وثيقاً بشخصية (تموز) في الأشعار السومرية الشهيرة (هبوط إنانا إلى العالم السفلي). وقد أقرت طائفة واسعة من المتخصصين بفكرة الوجود التاريخي لجلجامش كخامس ملوك أوروك القديمة، والذي ظل تأثيره عميقاً في النفوس، حتى نسجت حوله الأساطير والخرافات التي تمد نسبه إلى أصول إلهية ظلت تترسخ مع الزمن إلى أن توجت سيرته في الحكايا الواردة في الملحمة التي تحمل إسمه: (ملحمة جلجامش).

جلجامش: بين الإنسان والآلهة:

     حفلت أبيات ملحمة جلجامش بالعديد من التناقضات حول تلك الشخصية التاريخية/ الأسطورية، فتارة نجد جلجامش محباً للبشر، يقف في عونهم، مبجلاً للآلهة، لا يتوانى عن خدمتهم. وتارة أخرى نجده جباراً عنيداً مخضعاً لشعبه، ومجاهراً بالعداء للآلهة. حيث تروي لنا إحدى الحكايات قصة الصراع بين جلجامش ملك أوروك، وآجا ملك كيش، وهو أحد الملوك الذين ورد إسمهم في ثبت ملوك سومر، ضمن السلالة الأولى لحكام كيش، وحكم  في حوالي عام 2600 قبل الميلاد، حيث تختتم الألواح التي تروي الحكاية بالعبارة التالية: “ثم إنهزمت كيش، وإنتقل الحكم إلى (إي- آنا) وتعني كلمة (إي – آنا) السومرية حرفيا: بيت السماء، وهو لقب يطلق على معبد الإلهة إنانا في أوروك. وفي الأسطورة السومرية: “إنانا وشجرة الجوجوبا” وصف جلجامش بأنه شقيق إنانا. أما الألواح الطينية التي عثر عليها في بعض مناطق الدفن، فقد نقش على بعض منها صلوات موجهة إلى جلجامش، وتضرعات تطلب الرحمة والمغفرة، وهو ما يرجح بقوة أن جلجامش قد صار في الوجدان الديني لشعبه إلهاً في العالم السفلي، يحكم الموتى.

     وبعد، لم تخل سيرة جلجامش التاريخية من البعد الأسطوري، ولم تنفصل أسطورته عن التاريخ. ولو أن العلماء تمكنوا يوماً من إكتشاف مزيد من الآثار التي حفظها لنا القدر من معول الزمن فبقيت منذ ذلك العصر السحيق، لوجدنا فيها تتابعاً أكثر تفصيلاً لسيرة تحول جلجامش من ملك تاريخي إلى  كيان إلهي أسطوري. وحتى ذلك الحين تبقى سيرة جلجامش لغزاً ينتظر حله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة من المترجم:

*ملحمة جلجامش: هي ملحمة سومرية شعرية، مكتوبة بالخط المسماري، مؤلفة من حوالي3600  بيت شعري، كتبت على 12 لوح طيني، وتم إكتشافها لأول مرة عام 1853 في موقع مكتبة نينوى الشهيرة للملك الآشوري: أشور بانيبال. تبدأ الملحمة مصورة جلجامش كملك عات ظالم، فيتضرع سكان أوروك للآلهة أن تنقذهم من ظلم جلجامش وبطشه، فترسل الآلهة إليه رجل بدائي همجي يدعى إنكيدو – هنا يرى بعض الباحثون أن التناقض بين  شخصيتي جلجامش، ملك المدينة المتحضرة، وأنكيدو الهمجي، إنما يعكس الصراع النفسي الذي عاناه السومريون بسبب إرتقائهم السريع على سلم التحضر من البدائية إلى المدنية – وبعد صراع كبير، ملئ بالتفاصيل بينهما، يصبح الرجلين صديقين حميمين، ويخوضا معاً العديد من المغامرات المحفوفة بالمخاطر، أعظمها قتل حارس غابة الأرز الشرس: خومبابا.

تقع الإلهة عشتار في حب جلجامش، وترغب في الإقتران به، إلا أنه يصدها في إباء وإزدراء، فيتحول حبها إلى حقد شديد، وتقرر الثأر لنفسها، فتطالب أبيها الإله آنو بالإنتقام، فيقوم بإرسال الثور المقدس للفتك بجلجامش، إلا أن الصديقان يتمكنان من قتله. هنا تقرر الآلهة أن الإنتقام من جلجامش قد بات أمراً ضرورياً ، فتقتل صديقه ورفيق مغامراته الحبيب انكيدو. ومن تلك اللحظة، ومع حزنه العميق، تبدأ رحى الصراع النفسي تدور في أعماق جلجامش، ما بين مصير الموت المحتوم والرغبة في الخلود. وتبدأ رحلته الرهيبة بحثاً عن الخلود، وهي الرحلة التي تعج بالتفاصيل، وتمتلئ بالأحداث –  التي يضيق المقام هنا عن ذكرها نظراً لما تحويه من أبعاد نفسية وفلسفية مركبة ومتداخلة – حتى أنها تتقاطع مع قصة أخرى هي “الطوفان العظيم”. ومع نهاية الرحلة يدرك جلجامش سر الخلود الحقيقي للإنسان، والذي يكمن فيما يقدمه من أعمال جليلة، تبقى ذكراها حية في وجدان الإنسانية، فيعود إلى شعبه، ويقوم بعظيم الأعمال والصنائع ، فيصبح شخصا آخر غير الذي كان عليه قبل الرحلة، وحينما تحين ساعته، يبكيه شعب أوروك؛ فيموت جسده، وتبقى سيرته وأعماله تحققان له ما أراد: الخلود.

– أود أن أنوه هنا إلى أن أي محاولة لتلخيص تلك الملحمة يعد إخلالاً بالسياق الثري والبديع لها، ولا يغني أبداً عن قراءتها، لذا فإن الملحوظة السابقة لاتعد بأي حال تلخيص للملحمة، وإنما هي نبذة لابد منها عن السياق العام لملحمة جلجامش، سعياً وراء نسج خلفية معقولة لما ورد في متن المقالة، لذا وجب التنبيه.

** جزء من إفتتاحية ملحمة جلجامش، نقلاً عن كتاب: ديوان الأساطير، الكتاب الرابع – قاسم الشواف:

اللوح الأول/ العمود الأول

الذي رأى كل شيء، فلتحتفل به البلاد

عرف الأرض بكاملها، نفذ إلى قلب الأشياء

هو الذي في كل مكان، سبر ما هو خفي

فائقة حكمته، شمل بنظراته كل شيء

تأمل في الخفايا وكشف الأسرار

أتى بأخبار ما قبل الطوفان

عاد من أسفاره البعيدة، منهكاً فاقد القوى

نقش على لوح حجري جميع أخبار عنائه

هو الذي أمر بتشييد سور أوروك ذات الحظائر

وجدران الإي آنا البيت الطاهر، الكنز المقدس

إنه ملك فذ يفوق مشاهير الملوك

البطل وليد أوروك، إنه ثور نطاح

قائد لرفاقه، يسير في مقدمتهم

وهو سند لهم، عندما يسير في المؤخرة

انه سند صلب يحمي جنوده

إنه المد الهائج يجرف حتى الجدران الحجرية

هكذا كان ابن لوجال باندا، جلجامش الكامل القوة

رضيع البقرة السامية، رضيع نينسون البقرة المقدسة

هكذا كان جلجامش ذو الكمال والعظمة.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر