الرئيسية / احدث التدوينات / حلاقة الرأس وغسيل المخ

حلاقة الرأس وغسيل المخ

طلال

     كراهية تسريحات الشعر، كراهية الملابس المعاصرة، كراهية الشعر والروايات والقصص القصيرة والفلسفة، والإحتفاء الزائد بالأدب العربي القديم، من الأدب الجاهلي حتى الأدب العباسي، كل هذا يدُل على كراهيةِ النظام لكل ما هو جديد وحديث، لأنها تُذكّره بقِدمِه، فالنظام يشعر بالرعبِ من رؤيتهِ للناس تتغير من حوله وهو لا يتغير، فرئيس النظام مُنذ 1989م وحتى الآن. ولعل سدنته بالقِدَمِ نفسه، لهذا فهم يشعرون بالغربة حينما يرون الشباب يحلقون رؤوسهم بتسريحاتٍ غير مألوفه، ويرون الفتيات يرتدين ملابس لم يألفوها أو سعوا سعياً حثيثاً ألا يرتدين مثلها.

     قصة التشبّه بالغربِ وتقليده مجرّد وهم وأكذوبة، لأننا معشر السودانين لا نصنع ملابسنا بأنفسنا بل نشتريها، نرتدي البناطيل والأقمصة و (التي شيرتيات)، أما المرأة السودانية فلم تجد زيّاً قومياً ترتديه حتى تخرج به، لأنها لم تكْ تخرج من البيت أصلاً، والثوب السوداني أجده جميلاً وجذّاباً ولكن كثير من السودانيات يرين أنه غير عمليّ، وكما قلت لكم هو زي بالنسبةِ لي يجعلُ المرأةَ أجمل. فنحنُ لا نُقلّد الغرب، أو نتشبه به، بل يبدو أنه ليس لنا خيار غير أن نرتدي ما ينتجه سوق الملابس، بطبيعة الحال لا ترتدي المرأة السودانية القميص والبنطال، ولهذا فقد بحثتْ في السوق لتجد ما يناسبها، أو ما يناسب مجتمعها المتدين المحافظ. وأظن أن قصة (العادات والتقاليد) مجرد هراء واكليشيه أجوف يكرره الإعلام السوداني المكبّل بالرقابة، فهو إعلام غير حر، لهذا يميل مذيعيه لتكرار عبارة (عاداتنا وتقاليدنا السمحة)، وما جعل النظام يشعر بالفزع هو أن العالم إنفتح على بعضه، بإنتشار الفضائيات والإنترنت، ولا يستطيع النظام أن يراقب، أو أن يحرم الناس من مشاهدةِ القنوات الفضائية والإنترنت.

    لكن لنسأل هذا السؤال: “كيف كانت عادات المجتمع السوداني في الستينات والسبعينات حتى إعلان قوانين سبتمبر وتطبيق الشريعة؟ وكيف كانت أخلاق المجتمع السوداني بعد الثورة على نميري وإقامة حكومة ديمقراطية حتى قيام الإنقلاب العسكري الذي جعل البشير رئيساً حتى الآن؟ كل فترة من هذه الفترات عادات المجتمع السوداني كانت مختلفة حسب ما سمعته من الكبار وما قرأته عن هذه الفترات. لهذا حينما يتحدث الناس الذين ولدوا في فترة حكومة الإنقاذ 1989-حتى الآن، عن (العادات والتقاليد السودانية) فهم يتحدثون عن الأخلاق والعادات التي نشأت في عهد الإنقاذ، والتي تدافع عنها آلة النظام الإعلامية المكونة من مذيعيين ورجال دين وخطباء مساجد يتلقون مرتبات شهرية من وزارة الأوقاف، ويدخل معهم على الخط السلفيين الجدد الذين يريدون أن يحصلوا على جزء من الكعكة، والكعكة هي الرصيد الجماهيري، والرصيد الجماهيري غالباً ما يؤدي الى شراكة مع الحكومة. فمثلاً قبل الإنقاذ لم تكن هناك مليشيات تقوم بحلاقة الشعر إجبارياً، آباءنا كانت لهم تسريحات شعر غريبة أيضاً، وأراهنكم لو ذهبت الإنقاذ وجآءت حكومة أُخرى أيّاً كانت هويتها علمانية أو دينية ستنشأ أخلاق وعادات سودانية أُخرى. فما كانت ترتديه وئام شوقي من لباس كان أمراً عادياً في فترة الستينات والسبعينات، والعلمانية التي تشمئز من ذكرها قلوب الذين ولدوا في فترة الإنقاذ كان السودانيون ينعمون بثمارها، حتى فعلها نميري وأعلن الشريعة، وبالطبع هو لم يفعل ذلك حُبّاً في الشريعة أو تقوى منه، بل فعلها ليكسب وُد الجماهير ويستعطف قلوبهم، بل حتى يقهر معارضيه بإسمها، قديماً كان النفوذ لآلِ المهدي ولآلِ السيد الميرغني والآن النفوذ لحميدتي والبشير، فكما تتغير أخلاق المجتمع تتغير موازين القوى.

     عندما وصف بعض الناس النساء الللآئي ظهرن في برنامج (شباب توك) وإحداهن حليقة الرأس قال: “إنهن لا يشبهن السودانيات في شيء.” فهو قد تعوّد أن يرى المذيعات يرتدين زيّاً مُعيّناً، وربما حتى لون بشرتهن واحد، حتى وئام شوقي حينما كانت تعمل في قناة سودانية 24 أُجبِرت على أن تنصاع للوائح ظهور المذيعة وهي أن ترتدي الحجاب، وأُجبر محمد فتحي أن يُغيّر تسريحة شعره، لكن اختار محمد فتحي ألّا يحلق شعره ويغادر القناة. المشكلة أن بعض الناس عندما يملاؤن العالم صخباً عن العادات والتقاليد السودانية لا يدركون أن السبب الأساسي لهذا الصخب هو النظام الذي حرمهم من رؤية فتاة مثل وئام كمذيعة، بل حرم فتيات مثل وئام بالتجول بحرية في شوارع بلدهِن.

     قانون النظام العام الذي يعتقل النساء، ومن مواده قانون الزي الفاضح كان له القدح المُعلّى في غسيل المخ الجماعي، فكل فتاة تُعتقل باسم هذا القانون تُشان سمعتها، لأن نفس هذه القُوّات تعتقل الزناة وشاربي الخمر وتقتحم بيوت الدعارة. لنتخيل أن نظام الإنقاذ لم يقم بوضع قانون النظام العام بكل مواده، لو أن هذا كان قد حدث، فإن أغلب الشباب الذين ينتقدون أزياء النساء بوصفها فاضحة لما إنتقد فتاة ترتدي بِنطال وقميصاً وكما أنها لا ترتدي الحجاب. الأمر كان سيكون عادياً، وربما ستعتبره مجرد خيار شخصي، فهناك فتيات يرتدينه وفتيات لا يفعلن، سيكون الأمر مقبولاً، اللهم إلا من الشباب الذين سينضمون لجماعات دينية تدعو للحجاب بالقوة أو بالموعظة الحسنة.

     أنا لا أدعوا للحجاب ولا أدعوا للسفور، أدعُ أن يكن للإنسان الخيار فيما يختار، فكما أسلفت لم يكن للمجتمع السوداني الخيار في قانون النظام العام، ولكن مع مرور الوقت تماهت الأغلبية معه بفضل آلة النظام الإعلامية، مثلما لم يختر الشعب السوداني إنشاء قوات الدعم السريع، والتي يقتطع لها النظام نصيب كبير من الموازنة العامة، لو ذهبت للتعليم أو الصحة لكان خيراً له ولنا، فمنذ بداية الإنقاذ لم يكن للشعب السوداني رأياً أو خياراً. فما يسميه بعض الناس تقاليداً وعادات سودانية وتعاليم دينية، هي شيء صنعته الإنقاذ وخلقت له المؤسسات لتجعله أمراً واقعاً.

     لغسيل المخ عدة طرق منها التكرار، تذهب إلى المسجد فتسمع خطاباً، تفتح الراديو فتسمع نفس الخطاب، تشاهد التلفاز وتسمع نفس الخطاب، وتقرأ الجريدة فتقرأ نفس الخطاب، الخطاب أعني به رسالة النظام، وهي نفسها في كل مرة فقط تتعددُ الوسائل، وبل أنا وأنت درسنا في النظام التعليمي الذي وضعه نظام الإنقاذ فتعرضنا لنفس الخطاب وتلقينا منه جرعة كبيرة. الطريقة الثانية لغسيل المخ هو القوة الجسدية، وفي هذه قام النظام بوضع قانون النظام العام، وفي هذا القانون العقوبات تتراوح بين السجن والجلد والغرامة المالية. وبهذه الطريقة ستجد أنك تبنّيت القيم التي يدعو لها النظام حتى تظن أنها قيمك وأنها ملكك، رغم أنه تم تلقينك لها منذ أول يوم في الروضة، وحينما كبرت قليلاً 18 عاما يحرص النظام أن تتبع مِلّته بالعقوبات التي تتراوح ما بين السجن والجلد والغرامة، وهي قوانين وضعية وإلا فما معنى الغرامات المالية؟ قد تظن بغرور أن قيمك الدينية كلها مستمدة من فهمك للدين الصحيح، ولكن أنا متأكد لو أنك لم تتعرض لرسالة نظام الإنقاذ منذ الصغر لكان فهمك للدين مختلفاً الآن.

     إنضم للدولة الإسلامية المشهورة “بداعش” من دولة تونس ألوف من الشباب، قدّرهم البعض بثلاثة ألف شاب تونسي، حتى أن القيادات العُليا للدولة الإسلامية الذين هم من أصول عراقية وسورية تخوفوا منهم لأنهم كانوا الأكثر عدداً من المهاجرين إليهم من بقاع العالم المختلفة، لماذا إنضم هذا العدد الهائل من الشباب التونسي إلى أكثر نظام إسلامي اُصولي في العالم، رغم أنهم من مجتمع علماني ديكتاتوري؟ السبب أنهم قبل الثورة كانوا يتعرضون لخطاب ديني سلفي متشدد، وبعد الثورة تعرضوا لخطاب سلفي جهادي، ولعل الثورة لم تُلبّي أشواقهم في إقامة دولة إسلامية لأن المجتمع ليس مُهيئاً لأفكارهم، لهذا كانت الدولة الإسلامية في العراق والشام الأمل والأمنية التي من أجل تحقيقها هانت نفوسهم وأرواحهم.

    رغم أننا شباب مسلم ترعرع ونشأ تحت مظلة دولة تتدعي أنها إسلامية إلاّ أن القليل القليل مِنّا إنضم للدولة الإسلامية، لا أحب أن أسميهم داعش لأن هذا اللفظ إرتبط بنسج خرافات وأكاذيب حولهم، لماذا لم ينضم الكثير منا إلى الدولة الإسلامية، والتي أؤكد لكم أن منهجها الديني يتوافق مع فهم أغلبية الشباب السوداني للدين، هم لا يُكفّرون العامة، يُطبقون الحدود الشرعية، حتى أنهم إختلفوا في وضع قانون المرور هل هو من الشريعة أم لا، رأى بعضهم أن قانون المرور ليس من الشريعة ولكنه ضروري ورأى آخرون منهم أنه لا داعي له أصلاً… إلخ. بالمناسبة جهاد النكاح اُكذوبة، هم يتزوجون كما يتزوج بقية المسلمين بعقد شرعي، أعني المرأة ليست شيئاً مُشاعاً ومُتداولاً بينهم.

     أكرر سؤالي لماذا أنضم للدولة الاسلامية الغربيون مِنّا، وأعني بالغربيين الشباب السودانين الذين عاشوا في الغرب، لأن أغلبية الشباب الذين نشأوا في السودان ودرسوا فيه حتى المرحلة الجامعية، تعلموا شيئاً مُهماً، مفاده أن الإسلاميين مجرد كذبة ولصوص، ولهذا كان من الطبيعي ألا ننساق لحلم الخلافة الإسلامية كما إنساق لها الشباب المسلمين الذين هاجروا إليها من كل أنحاء العالم، فنحن الشباب السوداني نُهاجر نحو أوروبا فقط أليس كذلك؟ ولعل السبب الآخر هو التشويه الإعلامي والحرب الإعلامية الضخمة التي شنها العالم العربي ضد (الدولة الإسلامية) فهي عادت كل العالم، لعلّهم ظنوا أن الله سينصرهم كما نصر نبيه على الأحزاب. ولعل السبب الثالث هي التكلفة المالية التي سيتكبدها المرء للوصول إليهم، إذ عليه أن يسافر إلى تركيا أولاً وبعدها يعبر الحدود بحافلة كبيرة حتى يقترب من حدود دولتهم.

     بعد كل هذا السرد الطويل، أختم هذا المقال بعبارة للفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل الذي قال: “أنا لن أموت من أجل معتقداتي أبداً، ماذا لو كنت مخطئاً.” وأنا أظنُ أنه من الجميل أن تستعد للموت من أجل مبادئك، لكن من السيء أن تقتل أحداً من أجلها، وكثير من الدعاة قالوا للشباب: “إذهبوا وجاهدوا، فإن مِتُّم فأنتم شهداء.” الجميل في الديمقراطية أن الصراع يكون بالكلام، وبالحجة والإقناع، لا بالقنابل والمتفجرات ومسدسات كاتم الصوت.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .