الرئيسية / احدث التدوينات / عن الحياد الأخلاقي في الأدب

عن الحياد الأخلاقي في الأدب

رهام

إن كنت قارئاً للأدب القصصي فلابد أنك -ولو لمرة واحدة على الأقل – توقفتَ في منتصف قراءة قصة ما لتعلن تذمّرك من الكاتب، حين شعرتَ بصوت أحدى شخصياته تصمُّ أذنيك، أو عندما إمتدح بطله المتطرف أو الهمجيّ، أو حين لم يستنصر للصواب. وربما قمتَ بطي الورقة بإنفعال شديد لتدخل شبكة الأنترنت وتبحث عن قصة حياة الكاتب أو الظروف التي كتب فيها هذه القصة، وأن كنت تملك وقتاً لقراءة قصة أخرى من مؤلفاته، أو تملك بعضاً من الحظ مكنّك من الحصول على مقالاً يصف كل أعماله، فستجلس متوسطاً أصدقائك ذلك المساء، متشدّقاً بأرائِك عن هذا الكاتب غير المحايد، الذي يكتب ليبُثّ أفكاره الخاصه، وستعلن -مزهواً- إكتشافك لعقدته الخاصه التي دفعته للكتابة إبتداءً. مادمتَ تملك وقتاً، وشبكة إنترنت، وأصدقاء يستمعون لأحكامك في الأدب فلابأس في قول ماتريد، لكن هل هذا يضع الكاتب في خانة الكتّاب الأقل جودة ؟!. في هذا المقال سأقول رأيي -المتحيز تماماً -عن الحياد في الأدب .

أنا أفكر اذاً أنا أتحيّز :

أن جميع الصور التي تنشأ عن العالم في حياتنا اليومية من أوجه وزوايا قيميّه، فالأشياء والكائنات الحيه والناس، والأوضاع، والأفعال، والأفكار، والنظرات الى العالم – وكل مايخلّق الصبغة الوراثية للقصص، ما إن تصبح بمثابة موضع للمعرفة عندنا فأن تقييمنا لها أو وصفنا إياها يأخذ شكل الجيد، الردئ، الجميل  القبيح، النافع، الضار، ونحكم عليها بالأشياء ذات القيمة البالغة أو الثمينة، أو عديمة القيمة، هذه الخصائص والمميزات القيميّة التي نطلقها على الأشياء تصبح من الدوافع المحرّكه لسعينا وراء المعرفه، والبواعث المشاركة في تحديد هذا السعي، كما أنها تؤثر في حدة ملاحظتنا وقوّتنا. أجدُ نفسي الآن وكأنني على وشك التسليم بالرأي القائل إن كل معرفة إنسانية تقع بشكل ما تحت نفوذ التقييمات وتخضع لتأثيرها. استناداً على ذلك فإن الكاتب مثله مثل غيره من البشر خاضعاً – بالإضافة لمكونات شخصيته الخاصة به(وهي نظام قيميّ مصغر يصبغ المعرفة) – الى نظام فرضته قوى مختلفة ثقافية، سياسية، جغرافية، وغيرها، هذا النظام المتكامل شكّل طريقة تفكيره ورؤيته للعالم، وبالتالي تقييمه لهذا العالم، والتقييم هو إصدار حكم .

أين يقع الحياد ؟!:

بما أن كل معرفة ينتج عنها تقييم، وكل تقييم هو حكم، فكيف بإمكان أحداً أن يكون محايداً ؟!، هل تعني مفردة الحياد اللافعل؟، اذا كنت مخيّراً بين فريقين، ومال عقلكَ لأحدهما – لايعني ذلك بالضرورة نقصاً في المعرفة بالفريق الآخر ( ربما ليست نقصاً في المعرفة، لكنها إختلافاً في نوع/منظور المعرفه ) ، لكن الفريق المختار نجح في إختبار بنيتك القيميّه – لكن رغم ذلك لم تُظهر أي قول أو فعل يفضح هذا الميل، وآثرت الإحتفاظ بإختيارك لسبب ما، فهذا فعل، بل بمقياس القوى يبدو فعلاً أكبر وأشق عن التصريح بالميل لأن الأخير يبدو فعلاً عفوياً بينما الأول يتطلب دراسه متأنيه للمخاطر المستقبليه الناتجة عن الوقوف علانية مع أحد الفريقين. الأحكام القيمية تؤثر على المواقف التي يتخذها الأنسان، وتشكّل آلية بناء وصياغة قراراته، ولكنها في المستوى الأدنى – ماقبل الأفعال – فهي تحرّف بلا شك التفكير التأملي . طبعاً بإستثناء الحياد المزيّف، الصوري، الذي يعني إدّعاء الحياد في الظاهر، ومساندة أحد الطرفين تحت الطاولة، وايضاً بإستثناء الحياد الناتج عن جهل بأحد أو كِلا الموقفين، فإذا كان هناك حياد حقيقي فأنا حقاً لاأعرف ماهو أو كيف ينشأ .

شخصيات دُخَانيّة :

بالإبتعاد عن التعميمات والعودة الى كتابك المطويّ: أن كنت تطالب بأبطال محايدين، فسيكونون لامنتمين، باهتين، يصعب الأمساك بتلابيبهم، أو ملاحظة أثرهم، لايمكن إستنباط مواقفهم في الحياة، وبما أن القصص هي محاكاة للحياة ، ومعاهدة على الخداع بين الكاتب والقارئ، حيث يعرف القارئ تماماً بأنها مخترعة لكنه يريدها محكمه حد أن توهمه بأنها حقيقيه، ولايوجد في الحياة أشخاصاً ضبابيين الى هذا الحد، فبذلك سيخسر الكاتب مصداقية قصته .

بعيداً عن إختيار الأسلوب أو التقنيه في الكتابه، والصياغة اللغويه، وحبك الأحداث، وغير ذلك من التصرفات الواعية التي يقوم بها الكاتب أثناء فعل الكتابه، فأنني أرى أن في القصة جذراً لاواعي، شيئاً ما فرض نفسه على الكاتب دون علمه، سيُفاجأ به عند القراءة. هذا التمرّد عن العقل الواعي هو القلب النابض للقصص- والفنون جميعها – ، وإن حاول الكاتب تعديله وخنقه بيد العقل الواعي بغرض إدّعاء الحياد، سينتج جنيناً مشوّهاً .

القارئ القاضي :

حين نتهم كاتب ما بعدم الحياد، فهو يعني أنه ببساطة لم يقف الى جانب مانراه نحن صحيحاً، فلو فعل ذلك لن تُلفت إنتباهنا القضية الأخلاقية، وسيتحول تركيزنا الى جمال بناء الرواية أو أي شيء آخر، اذاً هذا الأتهام ليس الا صياغة أخرى لرفض الإختلاف، لأننا نملك أيضاً منظومتنا التقييميه الخاصة بنا التي تحدد الرديء من الجيد والمحايد من المتحيّز .

إن حاول الكاتب إرضاءك بتحييد شخوصه، فهذا تغريض للفن، وسنعود بذلك لعصور تسليع الفن، وكتابة الشعر للأُمراء والنُبلاء مقابل المال .

ختاماً : أنا لا أرى مانعاً أن يبُث الكاتب أفكاره الخاصة في القصه – وهو يفعل ذلك أصلاً بغض النظر عن موانعي – مادام يفعل ذلك بطريقة جميلة، فأنا أنتمي لمدرسة الفن لأجل الفن، و يكتسب الفن عندي قيمته من جماله بعيداً عن موضوعه، فكما قالت فرجينيا وولف ذات مرة : لن تكون المرآة جيده اذا مرّت أمامها حجافل تاريخية أو وقفت أمامها أمرأة جميلة، بل حين يُعاد صقلها وطلاءها لتعكس أدق التفاصيل .

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان