الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: الخلاص في الأدب: قراءة من وحي رواية حدّ المُوسى

قراءات: الخلاص في الأدب: قراءة من وحي رواية حدّ المُوسى

عبير

    “بين واقعية الفكرة ورمزية المعنى تكمن قيمة الرحلة”

 

    الأدب مرآة الواقع، أحيانًا تعكس صورته الحقيقية، وأحيانًا أخرى تُجمّله وتُحسّنه، وقد تُظهر حلولًا لمشاكله وأزماته التي يعجز الإنسان عن مواجهتها في رحلة الحياة.

مفهوم الرحلة واستمرارها:

    الرحلة كلفظة، مشتقة من الإرتحال، وهي تعني الإنتقال من مكان لآخر؛ لتحقيق هدف معين، ماديًا كان أو معنويًا.

    والرحلة متصلة بتاريخ الإنسان منذ أقدم العصور، وعبر الثقافات المختلفة. لا تخلو حضارة تقريبًا من حكاية ما عن الرحلة، بين الأساطير الموروثة إشارات وأخبار عن الرحلة، تشابك هذا مع المعتقدات الدينية التي تركت لنا طرف خيط أوله رحلة وآخره رحلة، ربما أشهر تلك الحكايات حكاية الطوفان، ورحلة السفينة (فُلْك نوح) والتي ذكرتها الأسطورة كما توارد إلينا من أخبار، وكما قصّها الدين علينا.

    وهناك رحلة سنوحي أو “سا نهيت”، والذي يعني إبن شجرة الجميز، وتعتبر من أشهر حكايات الأدب المصري القديم. تحكي عن رحلة سنوحي الذي فرّ خارج البلاد بعد أن إستمع إلى ما إعتقد أنه مؤامرة على الملك أمنمحات الأول، وخشي أن يبلغه بما سمِع ويصيبه الضرر، جَبُنْ وهرب إلى مملكة رتنو العليا وسط بلاد الشام، وهناك أصبح طبيبًا للحاكم، بعد أن برع في تطبيبه وساعده على الشفاء. ومع تطور أحداث القصة، يعود سنوحي إلى مصر التي كان يفتقدها رغم نجاحه كطبيب وتكوينه لأسرة، ورغم ما نال من حظوة لدى حاكم المملكة.

    وربما رحلة هيبا في رواية “عزازيل” تشبه في بعض تفاصيلها رحلة سنوحي، حيث أن هيبا الراهب ترك بلاده مصر وإرتحل مُتخليًا عن عقيدته المسيحية، ولو معنويًا في قرارة نفسه، نتيجة لتجربته السيئة في الصعيد موطنه، وبعد أن شاهد ما فعله أهل الأسكندرية بالعالمة هيباتيا بحجة أنها وثنية. لقد فرّ هاربًا وإرتحل بعيدًا لبلاد الشام في رحلة خلاص حتى هدأت نفسه قليلاً، وعمّد نفسه من جديد، وعاد لحظيرة الكنيسة، وأصبح طبيبًا بارعًا ذاع صيته ونال شهرته لقاء مساعدته للمرضى، وراهبًا محبوبًا يساعد الجميع، ولم ينجح تمامًا في رحلته تلك، ووقع في الخطيئة بسبب ضعفه الإنساني الذي تغلب عليه.

    وربما أعمق الرحلات تأثيرًا على النفس الإنسانية هي رحلة السعي أو The Quest وهي مستوحاة من فكرة البحث عن الكأس المقدسة The Holy Grail كأحد رموز العقيدة المسيحية، والتي استوحاها الأدباء في ملاحم أدبية عديدة؛ ربما أشهرها على الإطلاق ملحمة (سيد الخواتم) للأديب الإنجليزي (جي أر. أر. تولكين) والتي خاض أبطالها غمار رحلتهم لتدمير الخاتم رمز الشر في الملحمة.

    رحلة السعي تقوم على فكرة خروج فرد أو مجموعة معًا للبحث عن شيء، أو التخلص من شيء، وما بين بداية الرحلة وإلى نهايتها يحدث خلالها تغييرات عدّة يمرّ بها الفرد أو المجموعة التي تقوم بالرحلة في مسار دائري يبدأ من لحظة الاستعداد والشروع في الرحلة، مرورًا بما يلاقيه القائمين بها من أحداث وما يصادفون من مواقف، وإنتهاءً بالعودة إلى ديارهم من جديد.

    هنا المَحَكّ، فهم لا يعودون أبدًا كما كانوا قبل القيام بها، إن الرحلة، لم تكن رحلة سعي فقط، أو بحث عن شيء مفقود فقط، ولا حتّى تدمير شيء والقضاء عليه؛ إنها رحلة سعي نحو النفس، وبحث عنها، بالمجمل قد تكون رحلة خلاص.

    من الأمثلة السابقة يتضح لنا أن الدور كان تبادليًا بين الأسطورة والدين، في الإقتباس وتوظيف فكرة ما من خلال ما تركته/ تركه الأسطورة/ الدين من موروث يُعْنى برمزية الرحلة. أما الأدب فله نصيب الأسد من علاقة ارتبطت بالرحلة ليقوم بتصنيف نوع من الأدب على أنه أدب رحلات. هذا النوع من الأدب يحكي فيه الكاتب عن رحلته/ رحلاته إلى مكان/ أماكن، يصف الأماكن والأشخاص، جغرافية المكان، تضاريسه، مكوناته الثقافية والإجتماعية، موسيقاه، فنونه، معماره، جزء من تاريخه، طباع قاطنيه وعاداتهم، أكلاتهم، وأزيائهم، وغرائبهم، وفي النهاية إنطباعاته الشخصية عن كل ما شاهد وسمع وإختبر.

     يمنح أدب الرحلات القارئ الكثير من المعلومات، ويضعه محلّ الكاتب، ليشعر أنه هو نفسه من قام بالرحلة، وكلما كانت درجة إجادة الكاتب لما يكتب عنه وينقل صورته، كلما زاد استمتاع القارئ واستفادت. لكن هناك تجربة أخرى يتناولها الأدب، ويتناول من خلالها رمزية الرحلة، ربما تشبه قليلاً رحلة السعي، لكنها من بدايتها حتى نهايتها رحلة خلاص. رحلة مع النفس ولأجلها، رحلة البحث عن الذات. قد يقوم بها الإنسان هربًا من تجربة فاشلة، أيًا كانت التجربة، أو هربًا من أوضاع لا يستطيع التأقلم معها، أو رغبة في كسر الملل والرتابة، أو رغبة في التجديد، وغير هذا من أسباب.

     ربما رواية طعام صلاة حب Eat pray love من الروايات الحديثة التي تناولت مفهوم الرحلة هكذا، ونجاح الرواية وبساطتها في نقل الفكرة هو ما ساهم في تحويلها لفيلم سينمائي بنفس العنوان قامت ببطولته جوليا روبرتس، وهي مأخوذة عن مذكرات حقيقية من واقع حياة (إليزابيث جلبرت) الكاتبة التي قامت بالرحلة، امرأة تبحث عن كُلّ شيء، لتلتقي نفسها في النهاية.

     هناك رواية أخرى ربما هي واحدة من أعمق الروايات التي قرأتها والتي أعرفها عن رحلة الخلاص، هي رواية (حدّ المُوسى) للروائي البريطاني (سومرست موم). تحكى الرواية عن التغيرات العميقة التي ألمّت بشاب أمريكي رقيق الحاشية، شارك في الحرب العالمية الأولى، والتي يعتبرها البعض أقذر حروب التاريخ، حيث الأطراف المبتورة والخنادق والغازات المميتة. فقد هذا الشاب رفاقه في تلك الحرب، وشاهد مصرع الناس أمامه دون سببٍ واضح.

     حينما عاد إلى أمريكا بعد إنتهاء المعارك، كان هناك شيئًا جوهريًا قد تغيّر فيه للأبد، وبرغم حبه الصادق لفتاته الجميلة، فإنه صارحها بأنه عاجز عن الزواج بها والإنخراط في الحياة الطبيعية، قبل أن يجد ردوداً مقنعة على الأسئلة الكبرى في الحياة. وبدأت رحلته، حيث هجر حياته الطبيعية المترفة، إلى أغوار الهند والصين، وإلى مصر وأوروبا، خالي الوفاض من متاع الحياة، لا يملك إلا قميصه وأحلامه، باحثاً عن فراشة مراوغة إسمها (الحكمة) علّها تُفسّر له لماذا يتقاتل البشر دون توقف؟

    عنوان الرواية يُلخصها “حَدّ المُوسى” الشفرة الحادة والمؤلمة، الحد الفاصل بين الخطأ والصواب. بطل القصة الباحث عن الحقيقة، حائراً يبحث عن المعرفة، من أجل ذلك طاف الدنيا من شرقها لغربها، كان عليه أن يسير على “حَدّ المُوسى” حتى يصل إلى الحكمة المنشودة، عازفاً عن كل ما يتقاتل البشر من أجله، زاهداً في المال والمتعة والحب بمعناه الخاص، محاولاً أن يأسو جراح البشر الذين يصادفهم فى طريقه ويساعدهم، دون أن يقبل بأن تستحوذ عليه حبيبته، دون أن يقبل أن تستحوذ عليه الحياة.

    في واقع الأمر أن حياة سومرست موم تركت بصماتها الواضحة على مؤلفاته وأعماله الأدبية، فقد إستوحى بعض موضوعات قصصه من حياته الخاصة، كما في (حدّ المُوسى)، هو نفسه كان حائرًا يبحث عن شيء ضائع، حائراً بين دراسة القانون والطب، وبين الكتابة، فقد عشق القانون الذي ورثه عن أبيه، ولكنه كان يعاني من تأتأة جعلته يقف عاجزاً أمام تحقيق رغبته، فقد كان الكلام بالنسبة له عبئًا ثقيلاً. أما الطبّ فكان أشبه بعمل تقليدي فُرِضَ عليه، رغم أنه أجاده، إلا أنه لم يجد نفسه إلا في الأدب. وفي اللحظة المصيرية تفرغ للأدب، لمّا وجد نفسه من خلاله، وبقي هناك بعالم الأدب. ربما كان هو خلاصه المنشود. موم قال واصفًا نفسه: “إنني أشبه ما أكون بمسافر حزم حقائبه بإنتظار السفينة التي ستبحر به، إنه لا يعرف بالضبط متى سترحل سفينته، ولكنه على استعداد للرحيل.” هكذا كان سومرست موم ينظر للحياة بعد بلوغه الثمانين، والتي كان يراها معركة مع الأيام كان يقول:”إنني لا أحاول عقد صداقات جديدة مع الناس لأنني سأفترق عنهم قريبًا، وللسبب نفسه أحاول أن أنسى أصدقائي القدامى حتى يكون الفراق سهلاً”. لكنه لم ينس صديقه (تشرشل)، وبكى كثيرًا بعد وفاته، وظلّ ذاكرًا له ما بقي من الحياة، أما موم نفسه لم ينسه أحداً ممن قرأ له وأحب رواياته، من تعلّق به أو عرفه، أو حتى كرهه ونقم عليه، جميعهم اشتركوا في توديعه، فهناك بعض البشر لا ننسهم أبدًا .ربما، لأن ما جمعنا بهم رحلة، رحلة سعي، أو خلاص، لا نعود بعدها كما كنا قبل القيام بها.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .