الرئيسية / احدث التدوينات / كتاب المورد للصف الخامس الابتدائي: مورد أم مهلك!

كتاب المورد للصف الخامس الابتدائي: مورد أم مهلك!

بشير

بقلم: بشير أبوسن

     لنتفقْ بادئ ذي بدء، على أنه عندما يصل إلى سدة الحكم نظام له أيدولوجيا ما تحدد موقفه من العالم حواليه، وفقاً لنظرتها للإنسان، فإنه – و هذا مما لا شك فيه – سيسعى إلى إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع، عن طريق إعادة صياغة قيمه ومفاهيمه، وفقاً لما تمليه توجهات الأيدولوجيا المتبناة. وإعادة الصياغة الإجتماعية هذه لا تهدف – مهما أُدعيَ غير ذلك – إلا لإطالة عمرها أطول وقت ممكن في كرسي الحكم، والأيدولوجيا من حيث أنها أيدلوجيا تنبني أساساً على هذه الرغبة، وإن تطلب الأمر هدم المجتمع المراد إعادة صياغته وتشكيله هدماً كلياً، ونحن نعني هنا الهدم بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. ولنتفق ثانياً على أن التعليم بكل أدواته ووسائله أحد تلك السبل، والأكثر مقدرةً على إعادة صياغة وتشكيل المجتمع التي تستخدمها الأيدولوجيا جاهدةً لإنتاج أجيال، نقول هنا إنتاج لما بات لهذه الكلمة من دلالات صناعية مادية، خانعة لما تمليه عليها الأيدولوجيا الحاكمة، ويعلم الجميع أن الأيدولوجيا تقوم أساساً على منع، ومن ثمّ قتل التفكير الشخصي الخلاق، والتواق دائماً للخروج من كل الأقفاص المعدَّة مسبقا للتحكم فيه. ولنتفق ثالثاً على أنّ النظام الحاكم الآن في السودان، ومنذ منتصف عام  1989، نظام أيدولوجي بكل دلالات الكلمة، ولأنه كذلك فمتوقَّعة منه رغبته في إحداث ذلك التغيير الجذري في المجتمع، وإن تشوه ذلك المجتمع تماماً، ولم يعد مجتمعاً حتى، ومتوقّع أيضاً سعيه للتحكم في كل سكنات وحركات المجتمع، ولذلك فإن التعليم ما كان له أن ينجو من قبضته، وهو الأكثر مقدرة على حشد الناس وتعبئتهم لتلبية شعاراته وأهوائه، ليبدو (أي النظام) وكأنه مرتكز على قاعدة متينة من طموحات وآمال الشعوب.

    إن أحد أهم الأغراض من التعليم الحديث ( ولننسى الأيدولوجيا الآن) لا شك سيكون خلق جيل قادر (نستخدم هنا كلمة خلق بديلاً لكلمة إنتاج) على المشاركة بفعالية في تحول المجتمعات التي يعيش فيها وترقيتها دائماً؛ مشدداً على القيم والمواقف والمسالك التي تعلمه (أي الجيل) العيش المشترك في عالم بات أكثر تنوعاً وتعدداً، رابطاً كل ما يتلقونه من معارف بحقوق الإنسان، قاضياً على العنف الثقافي، والهيمنة الثقافية المؤسَّسة، خاصة في البلدان متعددة الأديان والأعراق واللغات. (في عام 1960 إعتمدت اليونسكو إتفاقية بشأن مكافحة التمييز في التعليم، وفي عام 1997 أصدرت أيضاً مجموعة من المواد التعليمية بعنوان التسامح عتبة السلام).

     إن المدرسة (وفقط بالمعنى الذي بات لها اليوم) كيان حديث، يودي وظيفة بالغة الأهمية في كيان آخر هو الدولة الحديثة، (ولأننا لا يمكننا أن نعد السودان دولةً، بل دولةً حديثة، فسنطلق عليه هذه الصفة مجازاً ليس إلا) ففيها سيتم – إضافةً إلى أمور أخرى – وبصورة مكثفة، تكوين الهوية الوطنية (ويلاحظ هنا ربطنا للهوية بمفهوم الوطن)، التي تتكفل فيما بعد بضمان الحفاظ على كل مكتسبات الأمة، والعمل جاهدةً من أجل إرساء وتأصيل القيم الحديثة، خاصةً ثقافة السلام. (نقول حديثة لأنها فرضت نفسها بقوة في هذا العصر، مما بات إغفالها يعني عزلة تامة عن العصر، وحبساً إختيارياً في مستنقعات التخلف عن ركب الحضارة). تجي أهمية المدرسة الإبتدائية أو الأساسية من كونها المرحلة الأولى لتلقي أصول القراءة والكتابة، في عملية تراكمية بنائية، من شأنها التأثير مستقبلاً على التلاميذ؛ ففيها تتكون شخصيتهم، حيث من خلالها يتبنون – أو على الأقل يتصورون – علاقتهم مع المجتمع من حولهم: المحلي والعالمي.

    المورد هو الكتاب المخصص لدروس اللغة العربية للصف الخامس الإبتدائي، ويقع في 241 صفحة، والذي بين يدينا الآن هي الطبعة الثانية المنقحة ( عام 2005) المُعد – كما تقول الصفحة الأولى منه – بلجنة مكلفة من المركز القومي للمناهج والبحث التربوي، ومُراجع من قبل دكاترة وأساتذة وتربويين. صحيح أنّ المؤلفين لهذا الكتاب كانوا آملين في أن يجد التلاميذ فيه “ما يعينهم على تنمية مهاراتهم اللغوية” ومتخذين من النصوص “محوراً تدور حوله كل الأنشطة اللغوية التي تنمو بها مهارات التلاميذ اللغوية”؛ لكن لا يمكن أبداً إغفال تلك الرسائل المراد توصيلها عن طريق المواضيع المختارة دروساً، فمن خلال تصفح الكتاب، والإطلاع على محتوياته، وبإعفاء الباحث حتى من قراءة ما بين السطور، فإنه يمكن ملاحظة ذلك الأثر الذي تريد سياسة التعليم أن تضعه على أذهان الأجيال الحالية واللاحقة وخيالاتهم؛ خاصةً إذا علمنا أن المحتويات لم ينلها تطوير يذكر لعقود من الزمان. ويمكن إدراج جميع تلك الملاحظات تحت نقطتين أساسيتين:

1/ النزعة الحربية التعبوية:

     إحدى الأسس العامة لتأليف كتب المرحلة الثانية (كما ورد بالصفحة أ)التي ينتمي لها هذا الكتاب هي “التكامل في المحتوى بين محور اللغة العربية والمحاور الأخرى: الدين، الرياضيات، الإنسان والكون.” لكن بدا جلياً أن محور الدين ذاك – المراد التكامل معه، من خلال إختيار موضوعات ذات صلة به، وخاصةً السيرة النبوية، يتم على ضوئها تلقي التلاميذ لدروس اللغة العربية – قد تعرض لعملية إحضار وتغييب واضحة، وبدون حذر يمكننا أن نضيف ومقصودة. فما تمّ إحضاره من الدين (نتحدث هنا عن الدين كما قصده مؤلفو الكتاب) كان الشق التدافعي (الصراعي)، أو بكلمة أخرى التاريخي منه، الذي تم إسقاط لحظته التاريخية عن قصد، وتمريره على كل الأزمان، مسقَطة بدورها اللحظة التاريخية الحاضرة عند تلقي التلاميذ هذا الشق منه. وما تم تغييبه كان الدين بشقه الروحي الإنساني المايل للتعمير والسلام و “كلكم لآدم.” على أن هذا التغييب والإحضار يجد معناه عندما نعلم أن الدين تم إتخاذه كأيدولوجيا: “تغتصب السلطة باسمه، ويقتل الناس باسمه، ويخضع الآخرون به، ولذلك كان لابد من ضمان الأجيال القادمة كجنود له، أي الدين المؤدلج الرسمي الحاكم، عندها يزول العجب من كون صفحات الكتاب كانت في حالة طوارئ متواصلة.

     لقد أُختزل الدين – والدين المعني هو الإسلام وفقط الإسلام – بصورة شبه تامة إلى محض معارك وعبارات محرفة بصورة سيكون الفكاك منها صعباً، كالفكاك من قبضة الأيدولوجيا ذاتها. ولنضرب أمثلةً من الكتاب على ما نقول: “في (ص 22) كان الموضوع المختار هو  (الصراع بين المسلمين واليهود) هكذا؛ ومن العنوان فقط، يمكننا أن نشتمّ رائحة الأيدولوجيا، فهي تريد حسم هذا الموضوع مبكراً جدا و من الصف الخامس ! يمكننا أن نقول بدايةً أن موضوعاً كهذا أثقل من أن يتلقاه أطفال صغار ما زالوا في مرحلة تعليمهم المبني والمعرب من الأسماء، تتراوح أعمارهم بين التاسعة والحادية عشر، أضف لذلك أن كتب التعليم ليست مكاناً مناسباً ليتعرفوا فيه على ذلك (الصراع) أو لأي موضوع مشابه. فموضوع بهذا الثقل مكانه الندوات السياسية، وقاعات البحث المختصة، وأروقة الوزارات الفارهة. والدرس مليء بما لا يمكن غض الطرف عنه من إيحاءات، فلئن كنا وضعنا كلمة الصراع بين مزدوجين فلأننا نعلم جميعاً أن تلك العلاقة بين اليهود والمسلمين لم تكن صراعاً دائما طوال التاريخ، وإن وصلت الآن إلى أوج التطرف من الطرفين فإن هذا يعود إلى أسباب ليس كتاب المورد (للصف الخامس الإبتدائي وللغة العربية) محلها المناسب.
      إن العنوان فقط يشير إلى ما نقصده: “فالعلاقة صراع، والطرفان:  “المسلمون واليهود، والكلمات الثلاثة وردت بألف ولام التعريف، مما يعني إستمرارية هذا الصراع، وإحتوائه لجميع المسلمين وجميع اليهود، مما يعني، وبكلمة أخرى: “كل مسلم ويهودي متصارعان بضرورة إنتمائهما للإسلام واليهودية بشكل متقابل. رغم أن نص الدرس كان العلاقة بين الرسول (ص) في طور إنشائه مجتمعه الجديد في المدينة، وبين يهود يثرب المتمثلين ببطونهم الثلاث: “بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.” فليس اليهود هم فقط من قاوموا الرسول ولم يعاملهم الرسول المعاملة تلك فقط لأنهم يهود. وهكذا، وكما وجدنا أسئلة الدرس في عقب الموضوع، تتحول مفردةُ “المسلمين” إلى مفردة “العرب”: (كيف عامل اليهودُ العربَ في فلسطين؟) (هل تذكر إعتداءات اليهود على العرب؟) وعندما يجاوب الطلاب هذين السؤالين يكونون عندها قد تبنوا أحد شعارات الأيدولوجيا الحاكمة وبصورة لا شعورية. لنمنع أنفسنا عن الإسترسال هنا فهذا مكان غير مناسب لذلك!

    في صفحتين متقابلتين (ص 38،37) ما سنراه وما سنقرأه سيكون أحد أبرز ما دعوناه بالنزعة التعبوية الحربية بكل معنى للكلمتين، ودوماً بناءً على الضرب على وتر الدين. الدرس الثامن (تعبير)، وتظهر في منتصف الصفحة لوحة متخيلة لأحد (أبطال المسلمين) حاملاً سيفاً، وممتطياً حصاناً، ويقول الكتاب أن غرض التعبير هو في تاريخ الإسلام قصص كثيرة لبطولة المسلمين وشجعاتهم، أكتب قصة منها، هذا إذاً ما سيُجهد الطلابُ خزينتَهم اللغوية – التي ما كانت ستكون زاخرة على كل حال – في التعبير عنه، فتأمل! في الصفحة المقابلة (ص 38) صورتان أحداهما دبابة (وما أثقل هذه الكلمة لو تدرون)، والأخرى لجندي مدجج بالسلاح وعتاد الحرب. ألا يمكننا أن نقول، ومن ورائنا علماء النفس، لماذا تسمحون لأطفالنا بأن يروا مثل هذه الأشياء؟ وأين؟ في كتاب مدرسي! كان الدرس هذه المرة – وهو الدرس التاسع من دروس الكتاب – قصيدة (صرخة لاجئ) ومجدداً العنوان يقول، ومن تلقائه الكثير، فما الفائدة من أن يحفظ أطفال قصيدةً رديئة كهذه مليئة بمفردات من مثل ( مشرداً، مقيداً، أزحف، متمرداً، ثورة كبرى، نازح، متشرداً، أزلزل الدنيا… إلخ؟) ومكتوبةً بموسيقى – إن عددناها موسيقى – كأهازيج الجنود في المعارك. فلكي تكون هذه القصيدة تعبر عن شخصية الطالب الصغير هذا فعليه أن يكون لاجئاً ومتشرداً، راغباً في زلزلة الدنيا، وإن كان هو كذلك فلماذا يضيع وقته الثمين في حجرات الدراسة؟ والتعليل دوماً موجود، وجاهز: فالأيدولوجيا بنزعتها الدائمة لغسل الدماغ وحشوه مجدداً تريد ذلك، ومَن هذا الذي يناقش الأيدولوجيا، بمعنى آخر مَن ذا يناقش أوامر الله!

    في مطلع الدرس التاسع عشر (وقعة الحديبية) ص103 تقول العبارة الأولى منه: لقد تابعتم – أيها التلاميذ – خطوات تأسيس الدولة الإسلامية، وما تعرضت له من أخطار وحروب من قِبل أعدائها من المشركين واليهود. ولربما بدَت هنا جليَّةً بعضُ الأمور، فبمنطوق العبارة فإن التلاميذ إذاً داخلون في سلسلة من الدروس التي يراد منها معرفة خطوات تأسيس الدولة الإسلامية. وعلى الأقل أما كان بالإمكان تأجيل هذا الموضوع إلى المرحلة الثانوية مثلاً! و بالفعل، ففي كتاب التاريخ للصف الأول الثانوي هناك يُدرس تاريخ الدولة الإسلامية، نقول إن هذا الدرس كان أحد ملامح نزعة التعبئة والعسْكرة المؤدلجة التي يراد منها تعييش التلميذ في جو من المعارك والإتفاقيات العسكرية، وتنميط الأعداء في (مشركين) و(يهود)، وإلا فإنه كان لأي موضوع آخر أن يُتخَذ درساً لمعرفة كيف تُرسم الألف طويلةً (ا) في آخر الفعل الماضي الثلاثي إذا كان أصلُها واواً، أو كيف تُرسم (ى) إذا كان أصلها ياء. ويمكننا أن نقول الشيء ذاته عن الدرس الحادي والعشرين والثاني والعشرين. وكذلك الدرسُ التاسع والعشرون المعنْوَن بـ (الفتح الأعظم)، ففي هذا الدرس تقول إحدى العبارات: (خرج رسول الله في عشرة آلاف مجاهد)، هكذا، وبجرة قلم، تتحول صفة الصحابة إلى مجاهدين فقط وتعرفون لماذا، فلماذا؟

     نطالع في ص 185 موضوعاً جديداً، وغير جديد في الآن ذاته، معنوناً بـ (نساء خالدات)، وبغض النظر عن النماذج المختارة، تبقى رائحة الآيدولوجيا، ونزعة العسكرة تملأ الصفحات. فالنساء المختارات لم يأتي خلودهن من كونهن أمهات صالحات، أو مكافحات من أجل التعليم، ولأنه أُعتمد على المخيال الديني فقد رجع إلى تاريخ الإسلام، وبالضبط إلى لحظات تأسيسه الأولى، لا إلى عهده الذهبي (عهد حضارته). فهن خالدات، ولكن لأنهن مجاهدات، وأظهرن بأساً شديداً في القتال، ولذلك فهن يصلحن دوما قدوةً ومثالاً لفتيات القرن الحادي والعشرين، عصر العلم والتكنولوجيا!
      لا نقول أنهن غير خالدات، أو نسعى للتقليل من شأنهن، ولكن نرى أنه يمكن أن تُعكس صورة أخرى وجديدة للخلود. على الأقل سيفهم الصغار أن الخلود لا يأتي بالسيف فقط، بل أيضاً بمشاركة الجماعة في التعمير ورفعة المجتمع، بل وبضرب أمثلة عصرية وقريبة من عيون التلاميذ. كان هذا الدرس ليمر كأي موضوع مؤدلج آخر في الكتاب، ولكن الرغبة في تعبئة التلاميذ كانت مضاعفة هنا، ففي أسئلة الدرس نجد قنابل موقوتة مثلاً: يقول السؤال الخامس والسادس والسابع على التوالي:

    – كيف أستقبلت الخنساء خبر إستشهاد أبنائها الأربعة؟

    – كيف تستقبل السودانيات خبر إستشهاد أبنائهن؟

    – أذكر بعض المُجاهِدات السودانيات.

     أترى هل تستحق منا هذه الإسئلة تعليقاً، وإن إستحقت فماذا نقول؟! ونحن نرى يد الأيدولوجيا تقبض بشدة على الأجوبة، ولن يجد التلميذ بداً من أن ينضم لها – لا شعورياً – إن أراد الإجابة.
ونكفي بعرض الأمثلة من الكتاب.

      هكذا إذاً تحولُ سياسةُ التعليم الإسلامَ إلى نازيّةٍ أخرى أو ماركسية أخرى، وحولت كتابَ التعليم إلى أحد كتب المغازي الكثيرة، ومن بعده حُوِّل النبيُّ (ص) المبعوث متمماً لمكارم الأخلاق إلى قائد روماني دموي يقاتل ويعقد الإتفاقيات ويفتح المدن، وكأن سيرته خلت من المواقف الإنسانية الرفيعة التي كان يمكن إستلهامها لتعزيز ثقافة السلام والتعمير وبناء المجتمعات ونهضة الإنسان، فنحن لا نماري في فعالية الدين في بث هذه المعاني، ولا يُفهمَنّ قولنا هذا على أنه مُـعادٍ للتعليم الديني، وإن كانت لنا رؤية خاصة ليس هنا محلّ إبدائها.

2/ إنتاج جيل غير سودانويّ:

     إضافةً إلى تعليم اللاعنف والتعايش وتقبل الآخرين وغرس ثقافة النقاش والحوار – وقد كنا عرضنا بعضاً من فشل كتاب المورد في تعليم ذلك – فعلى التعليم الحديث أن يسعى جاهداً، وبكل أدواته ووسائله، إلى عكس صورة مشرقة عن البلاد (=بلاد التلاميذ)، من أجل خلق فرد لاطائفيّ، ولا عنصريّ. فالوطن، وفقط الوطن، كيان يستوعب – ونتمنى أن نبعد عن التطرف هنا – الدينَ والطائفة والعرق واللون. فتعليم الوطنيّة لا يتم عن طريق تكثيف صور الموت من أجل الوطن، بل بتكثيف قيم العيش من أجله، وتعزيز الرغبة في صلاحه وتقدمه وتطويره مادياً ومعرفياً، فمن خلال تكثيف ما يظهر جماله، وكل دوافع الإنتماء إليه، في صفحات الكتاب: تراثه، إنسانه، تاريخه، أدبه، دوره الحضاري، عندها سينشأ جيل واعٍ  بضرورة التفاهم والحرية والكرامة، مشحوناً بمجده وأساطيره وأهازيجه ورقصاته، ليتجاوز ويهزم الخوف والذل والتخلف.

    المقصود بالسودانويّ – والسودانوية مفهوم نسحبه من حقله الأدبيّ الذي وُلد فيه إلى مقالنا هذا – هو ذلك الفرد الذي يعمل بشتى السبل من أجل بلاده (ونعني هنا السودان بالطبع) متخذاً منها غايةً يسعى لتطويرها وتعميرها وترقيها في مدارج الحضارة، من خلال إستلهام ثقافاتها المتنوعة وتراثها الرفيع الضارب بجذوره في التاريخ البعيد، وبإستيعاب قيم العصر الجديد، وهضم التراث الإنساني العالمي، مُرسياً لقيم العدالة والمواطَنة وحقوق الإنسان وحرياته وكل ما يؤدي لذلك. إذاً فعلى السودانوية أن تُغرس غرساً في أذهان الصغار من خلال مناهج التعليم.

     ولنعُد الآن إلى المورد، هل سينجح يا تُرى في خلق هذا الجيل السودانويّ – أو على الأقل الوطنيّ -المنشود، الواعي بخصوصية بلاده وتميزها بين الأمم؟  بإستثناء القليل القليل فإن كل مواضيع الكتاب المتخذة دروساً نجدها تشد التلاميذ إلى إنتماء وحيد: الإنتماء فقط للأيدولوجيا الحاكمة، وبتعبير آخر سبقَنا إليه خبيرٌ تربوي موقر، فإنّ كل المنهج السوداني للتعليم لا يقول إلا: “إنضموا للحزب الحاكم.” ويمكننا أن نلاحظ أولاً أن كلّ القصائد المختارة جميعها (وهي 13 قصيدة) ليس من بينها قصيدة واحدة لشاعر سوداني. فتأمل! وبالتالي فليس فيها ذكر للسودان من أي ناحية من نواحيه. بل إنه حتى القصائد التي حملت معانيَ وطنية كـ (أرض أجدادي، الوطن، بلادي) فقد ورد فيها ذكر الوطن بصورة فضفاضة، غير مخصص بمكان معين، فكأنها أوطان رمزية في مخيلة شعراء القصائد. فمثلاً الشاعر اللبناني فؤاد البعلبكي كان يتحدث بالضرورة عن بلده لبنان في قصيدته أرض أجدادي، وكذلك محمود عبد الحي كان يقصد بلاده لا بلادنا السودان، ونلاحظ على قصيدة هذا الأخير نزعة التجييش والعسكرة، وليس فيها حتى إنعاكساً لقيمة الوطن في تصور الإنسان له. بمعنى آخر فإنّ تلك القصائد مجتمعةً لن تسهم في تشكيل صورة للسودان في مخيلة متلقيها التلاميذ فهي تشدهم دوماً إلى شعارات الآيديلوجيا عابرة البلدان تلك. ويؤسفنا أن نقول – و قد كنا تلاميذ يوما ما – أن منهج التعليم السوداني يبدي مقاطعةً معلنة مع الأدب السوداني. هذا عن القصائد والحال ذاته مع النصوص الأخرى، فبإستثناء ثلاثة مواضيع هن السابع عشر والسادس والعشرون والثالث والثلاثون فليس هناك وجود لمعنى – إن لم يكن لكلمة – السودان في كل دروس الكتاب الـ 45 درساً. وسنرى أن الدروس الثلاثة تلك – ومنها ما يناقض سياسة التعليم ذاتها – ستظل هامشية جداً، وبلا تأثير يذكر على مخيلة التلميذ الصغير.

رجاء لا خاتمة:

    إننا نريد تعليماً يبني ولا يدمر، يخلق مجتمعا سليماً بقيمٍ إنسانيّة رفيعة تليق بالإنسان من حيث هو إنسان، يعزز الثقة بالنفس وبالآخرين، نريد تعليماً يقدر مكتسبات الأجداد من معارف وعلوم، واضعاً نصب عينيه الوقتَ الراهنَ وضروراته ومستجداته وطرق عيشه المتنوعة والمعقدة، راسماً صورةً مشرقة عن المستقبل في أذهان التلاميذ، مستلهماً الماضي المشترك بأمجاده ومآسيه.
    ولكن ما يتلقاه التلاميذ – بصورة مباشرة وأخرى غير مباشرة – لا يفعل ذلك بل يقوم بالعكس من ذلك، إنه ينتج جيلاً مغذَّياً بصور الحروب والنزوح، جيلاً غير منتمٍ لبلاده، منتمٍ لحيث تشده أيدولوجيا السلطة، وهي التي لا تعرف إنتماءاً إلا لنفسها. لقد أخذنا الموردَ كتاب اللغة العربية للصف الخامس – و بإستعارة لغة الهندسة هنا – شريحةً لمادة التعليم السوداني، وأثبت لنا أنه لم يكن كتاب تعليم – (وإن كان يتخذ من كلمة المورد الشاعرية إسماً له) – بقدر كونه كتاب تعبئة يغسل ويحشو دماغ التلاميذ وينمطهم تماماً، ويعدهم من أجل تبني الشعارات المطروحة من أعلى. إنه – وبدون أن نخشى تطرفاً من جهتنا – يسدّ الأفق تماماً أمام أيّ محاولة لرؤية العالم بصورة مغايرة، مما يعني سد الأبواب جميعها أمام الخلق والإبتكار والإبداع (= الغاية الأولى من مناهج التعليم الحديث). إنّ ما يواجه مسيرةَ التعليم في السودان – وإضافةً إلى أشياء أخرى – هو تطاول يد الأيدولوجيا الحاكمة عليه بمختلف أشكالها، مذ رأى النور، فعلى مر تاريخنا الحديث تعرض أكثر من مرةٍ للأدلجة والتحيّز. فبدون أن ينجو التعليم ويستقل بدوائره أولاً لن نكون قادرين على العيش – ومن ثَم الحياة – في هذا العالم المتسارع الإيقاع كما ينبغي على الإنسان بألف ولام التعريف أن يكون. فالتعصب والآحادية والإعتداء وكل ما شاكله من أمور تظل مجرد نزعات فردية في المجتمع، ولكنها من خلال التعليم تتحول إلى ثقافة، بل إلى ثقافة مجتمعية يصعب التغلب عليها فيما بعد، والذي يُغرس في العاشرةِ من العمر لن يمحى بالجودية وبأمي وأمك، وسيُدفع ثمنه – وها نحن ندفعه – غالياً، دماراً وإقتتالاً وجهلاً وتفككاً، مما يعني إرتدادنا نحنُ أبناء القرن الواحد والعشرين إلى قرون وسطى جديدة كما يُقال، بينما العالم من حولنا يخطو خطوته العظيمة منتقلاً من عصر الأيدولوجيا الدوغمائي إلى عصر الأبستمولوجيا المنفتح أي عصر المعرفة وفقط المعرفة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة