الرئيسية / احدث التدوينات / مستقبل الاشتراكية

مستقبل الاشتراكية

وجدي

بقلم: وجدي الأهدل

     تسببت مقولة كارل ماركس الشهيرة “الدين أفيون الشعوب” في حصول سوء تفاهم حاد بين الإشتراكيين والمتدينين، فأصبحا على طرفي نقيض. كما ساهمت الدعاية المغرضة التي بثتها الرأسمالية العالمية في تعميق العداء بين الإشتراكية والدين، لتخوفها الشديد من إتحادهما ضدها.
     لكن المراجعة الفكرية التي يقوم بها الباحثون بين الحين والآخر، تظهر حصول لبس، وتشويهات في المسألة الدينية، ربما إذا أزيلت، قد تؤدي إلى ردم الهوة بين الطرفين، وتحدث تقارباً ودياً بينهما. ومن هؤلاء الباحثين عالم الإجتماع البرازيلي “ميكائيل لووي” الذي وضّح أن كارل ماركس، عندما كتب تلك الفقرة السالفة الذكر، كان لا يزال تلميذاً لفيورباخ، ومن ثم فإن تحليله للدين كان ما قبل ماركسي، لا يتميز بأي إحالة طبقية. وأما إنجلز صاحب السمعة الواسعة كملحد وعدو لدود للدين، فإن كتاباته تشير إلى الطابع المزدوج للظاهرة الدينية: دورها في إضفاء الشرعية على النظام القائم، ولكن أيضاً تبعاً للظروف الاجتماعية، دورها الإنتقادي والإحتجاجي، بل والثوري. وأقدم إنجلز على خطوة فكرية مثيرة حينما شبه الاشتراكية الحديثة بالمسيحية البدائية.
      وطورت (روزا لوكسمبورج) نهجاً أكثر مرونة مع الدين، حيث قالت إن الاشتراكيين الجدد أكثر إخلاصاً للمبادئ المسيحية من رجال الدين المحافظين المعاصرين. وتتابع ظهور العديد من المفكرين الماركسيين الذين اعتبروا الماركسية متمشية مع شكل ما للدين. ويعتبر الفيلسوف الألماني (ارنست بلوخ) أبرز هؤلاء على الإطلاق، فقد غيّر الإطار النظري جذرياً، حيث كان يحلم بحدوث إتحاد حقيقي بين المسيحية والثورة.

      وتجدد التناول الماركسي للدين بكتابات (لوسيان جولدمان)، الذي إهتم برد الإعتبار إلى القيمة الأخلاقية والإنسانية للتراث الديني. وهكذا نلاحظ، أن الفكر الماركسي قد تطور وتحول باتجاه التقارب مع الدين، وظهرت تيارات تنادي بالنضال من أجل الاشتراكية باسم القيم الدينية والمفارقة، أن هذا التيار الأخير، ظهر على يد قساوسة إعتنقوا الإشتراكية، وظلوا في ذات الوقت محتفظين بإيمانهم، ومواقعهم الكنسية. ويلوح أن هذا التيار يحقق إنتشاراً واسعاً في دول أمريكا اللاتينية والفلبين، وعدواه تنتقل بسرعة من دولة لأخرى. وربما لو قيض لكارل ماركس أن يبعث حياً في زمننا هذا، لكان إستلقى على ظهره من شدة الضحك، لأن نظرياته إنقلبت رأساً على عقب، وأصابها تبدل لا يصدق، فأصبحت الكنائس ودور العبادة موطناً للإشتراكية، وقساوستها قادة العمل الثوري!

    تطلق الصحافة الغربية على كنائس أمريكا اللاتينية ذات التوجهات الإشتراكية مسمى (الكنيسة الحمراء)، وهي تشن حملات صحفية منظمة ضدها، بإيعاز من اليمين المسيحي والفاتيكان، لأن نضال هذه الكنائس ضد الظلم والفقر، سيقود في الأخير إلى إفتراقها عن كنائس أوروبا الكاثوليكية المحافظة، ما سيؤدي بكل تأكيد إلى ظهور مذهب جديد للمسيحية بصبغة إشتراكية.
     (آية الله روميرو) هذا اللقب الساخر، أطلقته صحافة الغرب على أحد أشهر قساوسة الكنيسة الحمراء في أمريكا اللاتينية. والمقصود به هو القس (أوسكار روميرو) أسقف كنيسة سان سلفادور، الذي رفع شعار الإستعانة بالله في محاربة الظلم والفقر على الأرض. وراح يقود حركة شعبية ضد تردي الأوضاع والقمع في البلاد، فحقق نجاحاً منقطع النظير، أثار مخاوف الدول الرأسمالية، وحفيظة الفاتيكان وأنصاره من اليمين المحافظ، وفي عام 1980 أغتيل أوسكار روميرو بالرصاص في إحتفال كبير. لكن مصرعه لم يحل دون إنتشار أفكاره، بل على العكس من ذلك، إزداد مؤيدوه، وتكاثر رجال الدين المتأثرين به، السائرين على خطاه، ما جعل (الكنيسة الحمراء) أمراً واقعاً، والوقود الحقيقي لمسيرة الإصلاح، وتحسين ظروف معيشة الناس في تلك البلدان. فهل ستشهد الأمصار الإسلامية شيئاً من هذا القبيل؟ تيار ديني بصيغة إشتراكية مثلاً؟ قد يبدو هذا التساؤل سابقاً لأوانه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة