نبض

معاذ

بقلم: معاذ أحمد أبو القاسم

“إن القلب نفسه يدق في كل الصدور الإنسانية.”

                                                      جان جاك روسو

(1)

     دقات قلبه تزداد وتضخ دماً حاراً يفتك بأحاسيسه، يرتعش جسده بشدة، يشعر بالرغبة في الذهاب لمكانٍ بعينه، ولا يعرف السبب وراء ذلك، بل ما يثير إستغرابه أكثر هو نفوره الدائم من هذا المكان. كيف تبدل مزاجه بين عشية وضحاها؟! ربما قد أثَّرَ عليه حادث الحركة الذي تعرض له مؤخراً؛ هكذا علل السبب.

     خرج من بيته على مضض تلبية لتلك الأشواق الجارفة التي تولدت ليه، وتسلق كُبري توتي إلى الضفة الأخرى من النيل الأزرق حيث تقع الجزيرة. كان يزداد توتره كُلما إقترب من كُرسيين كانا مُلتصقين. يُقَبِّل الموج أرجلهم الصدِئة، وأراح جسده على أحد الكراسي من دون أن يستأذن من الشخص الجالس على المقعد الآخر – ولنُطلق عليه إسم أمين – إذا ما كان ينتظر قدوم أحدهم.

     تملكه الخوف من هذا التحول. فهو فتىً تجده دائماً يجلس لوحده بعيداً ينشد الهدوء، لكن أن يأتي هكذا ويُشارك بوقاحة شخص آخر الجلوس، فهذه سخرية وتفاهة منه. والأشد غرابة كانت السعادة الغامرة التي شعر بها قُرب هذا الشخص. شَعَر وكأن بينهم سنين من التآلف والحب، بل ويعرف كل تفصايل حياته: شَعَره الكثيف، القميص الذي ارتسم عليه قلبين كبيرين، العطر المميز الذي ينبعث منه. كلها أشياء بدت مألوفة لديه، وباعثة للشجون. كانت مُبعثرة في ذاكرته ولم تفلح جهوده في جمعها. لم يُبدي أي منهم رغبة في الحديث وظلا صامتين إلى أن إفترقا وذهب كلٌ منهما في حالِ سبيله.

(2)

     قطع تذكرة من شِباك السينما، وفي الداخل وجد نفسه جالساً لوحده، إنتظر لحظات وبدأ المشهد: ظهرت صورة مشوهة لشاب طويل ذو شَعَر كثيف، وفتاة استطاع بصعوبة أن يميز لونها الأسمر، كانا يسيران جنباً لجنب، وسط شارع ضيق تظلله أشجار لبخ كثيفة، وصوت ضحكاتهم يملأ صالة العرض. تغير المشهد سريعاً وظهرا جالسين تحت كُبري توتي، في ذات الموضع الذي جلس فيه بالأمس وكانت السماعات تبث صوت همسات خافتة تحمل الكثير من الغبطة واللذة. بطريقة ما كانت هذه الفتاة تُجسده، كانت إنعكاس لصورته، ولشخصه.

     وسرعان ما قام من مكانه مذعوراً عندما أدرك هذه الحقيقة، وظلَّ يجري بأقصى سرعته بعيداً عن صالة العرض، يُحاول جاهداً إنتزاع هذه الفِكرة من خياله. إلى أن أفاق مضطرباً من نومه، يسيطر عليه شبح الفتاة. واستولى عليه سؤال مُلح: هل هو أُنثى مُنتحلةً شكل رجل، أم هو رجل لكن بعواطف أُنثوية تجاه من هُم من بني جنسه. بدى قلِقاً وامتلأ جبينه بالعرق. لا بالتأكيد هو رجل كامل ككل الرجال، وما هذه إلا هواجس أنتجها فِكره المضطرب.

     وظلت تنهشه الوساوس إلى أن مالت الشمس عن كبدِ السماء. مال قلبه للُقيا حبيبه، وأطاعه بكلِ يأس حينما فشل في إيقاف جُرحه العميق. وسُرعان ما تحول الألم إلى نشوة طاغية حينما استكان قُرب أمين، ود لو يصرخ، أو يرقص، أو يحتضنه حتى يشعر بجسده يُلامس قلبه، لكن كيف السبيل، لن يُسامح نفسه إن فعل هذا، ولقد فكر جدياً في أن يشنق نفسه؛ فإما أن يكون رجلاً كاملاً أو أُنثى كاملة، لكن أن يكون في الوسط فهذا ما لا يستطيع قبوله.

     قطع شروده صوت رفيقه وهو يقول: “أوتدري شيئاً، لم أكن لأسمح لك بالجلوس في هذا المقعد مهما كان الثمن، فهو مُقدس عندي، وإني لآتي يومياً لأتلو صلواتي عليه. لكن هُناك شيئاً مميز بك ومُبْهَم جعلني أنشرح بمجرد أن لمحتك، بل وصرت مُقرباً لقلبي. لقد أحببتُ فتاة منذ مدة ليست بالبعيدة، وصِرنا مقربين لدرجة مُخيفة، وبدا لي واضحاً أن ليس لنا مكان هُنا في هذه الدنيا الفانية، إنما مكاننا في عالم آخر بعيداً عن حواجز الجسد والزمان. – صمت قليلاً ثم واصل – كنا سنتزوج قريباً لكن وقع حاجز سميك أحال دون ذلك؛ أخذها الموت بسبب حادث مروري في طريق مدني الخرطوم، والغريب يا صديقي أنها وقبل أن تُغادر دُنيانا كانت قد تبرعت بقلبها، لفتىً كان يُشاركها ذات المشفى.

     كان صديقنا قد دخل في دوامة أُخرى، فقد أخبروه قبل فترة أن فتاة ما قد تبرعت له بقلبها حينما علمت خبر موتها المحتم، ولولاها لكان هو أيضاً قد غادر. حينما لم يجد أمين أي ردة فعل من صديقه إلتفت إليه ليرى سبب هذا السكون الغريب، هنا اكتست دهشة ممزوجة برعب حقيقي وجهه؛ لقد بدى وجه صديقه شاحباً كأنما قد شاخ آلاف السنين، ثم بدأ يتفتح من جديد لكن بملامح جديدة، إنها ملامح حبيبته.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة