الرئيسية / احدث التدوينات / أمبوليزم*: إقتلع البحار دفته والبحارة نائمون

أمبوليزم*: إقتلع البحار دفته والبحارة نائمون

محمد حامد

“الأحمق فقط هو من يختبَر عُمق الماء بِكِلتا قدميه” – (*1)

أمبوليزم (*2)

الدفة (*3) في إتجاه المغيبِ…

عين اللهاة تزلق الدم والماء…

فطر الأرض ينبت فوق صفيح اللعابِ رمادُ وركام وبضعة أحطاب بتربة ثلجية (*4)

البرد يحاصر ركن العراء…

ثلاثية الخس والشمع والدهن تقلبت تشقلبت وتدافعت لأعلى اللهاة

الجلطة والقشعريرة والهواء…

تلوكهما نعجات شاردة

حد الدم

حين يبلغ عين اللهاة هباء…

فاصل الموت لما يتخنثر ما بجوف الحلق

جلطة دموية وشلل بالخفاء…

-1-

الورقِ

أو تنكمش الورقة؟

الورقة تحفظ أسرار المسارج ليلاً وظلالاً وغناءاً وبهاء

تمتزج بصيف الأنواء

فقط حين لا تحدث إلا حبراً…

أو ينتعل الكلام بنطال الورقة؟

حتماً لايمتص الإنفعال إلا الصمت

وكذا حمض الورقة

فهو يضغط الكلمات يلصقها على رحم السطر

فتنكمش الورقة…

     لا أضع تركيبة سحرية على الورق، ولا أمنح نفسي حق الغناء، لا أصنع عجينة من الصلصة كمحتوى يضاف إلى العرق فيمتزجان معاً لربط الشهوة، لا أخلط الخفيف بالثقيلِ ولا أسكب هلام السائل في طاسة من الفخار، أكح على الورق مقدار ما ينكح قلمي من حبره الذكوري، أكتبه أصيغه ثم أمضغه مضغاً احركه على صدغيّ، ألصقه مرة أخرى على ورقة أخرى فارغة، لا أرسم لها ضوءاً سنامياً ولا أشعل لها لفافة من الجلد، أتركها تمارس النضال بشق الأنفاس، فيأتينيّ ميلاد الكتابة بعسر وألم وكفاح، وذاك هو الضخ على السطور، وتلك هي شجاجة السعال على الورق دونما غرق، أخاف البحر والبحارة وصرير الدفة، وحين ألف عقاب ورقتيّ أفقد مهارتيّ، لكننيّ أفضل من يقيس الكحة في روث الورق، ويفحص عاطفة الحبر.

-2-

الإناء

وعاء يشع من السرائرِ

يغافل الحيز المغلق من السبيلِ

بإمتنان الفضولِ

فيتسع محتواه…

    دفعتْ بالإناء ليقع، الصلصة الفاقعة اللون كأنها مسجونة وحبيسة بقبو تحت الأرض، الإناء يئن من تفريغ ما به، محتوياته الحبيسة تسايلت كفقاقيع ممتنة ليّ، الحرية قناعة مغلفة بالفضولِ، إطلاق السبيلِ لم يكن محض صدفة ولا جراء توارد، مكونات السائل بالإناء كانت تتعالى منذ الساعة الخامسة بالفجر، كأن بها بعض هلاويس باغتتها قيد ليلة ما، يديّ لا ترتجف ولا شك لديّ في تماسك خاصية الفرد بإصابعها، شيء ما يحوم ما تحت السائل بفوران وغلظة، حين اشتد هياج محتوياته، نشأ عراك همجي وتكاد تسمع إنفصام جدار الإناء على باطنه، فتحول الخليط إلى عجينة من الصلصة.

-3-

اللون

لا يرتكب اللون مخالفة

إلا حين يمتزج بالماء

     أغسل وجهي بما يضغط الجلد بالماء، أمرر أصابعي فوق دبغ اللون وخليطه، أكشف قطاعاً تحتياً متماثلا بين برانشيما (*5) اللحاء وقشرتيّ، أدع الساعة تقف لما بعد العاشرة، تحيل لونيّ إلى غامق ومثار، أرقبها لا تتمرمغ في غضب والدقائق ساكنة تحيض الوقت، وثواني الزمن الضيقة في لهاثها تعافر كثور هائج، مشاغل الوقت لها هفواتها الرابضة بالمواقف، أرفع منشفتي لوجهي لعلي أتمكن من تجفيف اللون المدبوغ على وجهي، عساف النخلات طاغي على ما يأتيه من المهلكات، والسعف ملقي على الرمل والجريد النخلي مخلوعة عنه الحماية وتلك نهاية مخيفة.

تهتز شعرات الرأس حين تمدحك، حظوة لها طفرة، اللون هو حيز من الوجه لا يلمسه الصوت العالي من الماء، خشونة يغطيها المحلب وبثار الخشب الدقيق، كدر الصوف على الرداء لا يعيق بعض المسائل، ما يخفف بعض الكدر هو تكالب الإعاقة، اللون كالرفسات الواهنة، خفوت تثقيل بالماء ثم التظليل فتنشأ الرهبة من نباح الكلب، الحكة مابين اللونينِ، كالصفير والنقنقة المملة.

-4-

بحث

المربوع من الدم (قبل أن يسيل)…

يجف بحول الله حين يتجلط

ساطور البحث هو ما يحث على التخنثر بغتة ذات دماء

قد يطول البحث حين يخترق الدم صلب الخلايا ويصيبها بالسرِ

وقد ينتقص الدم من مكوناته فيجف (بعد أن سالت شرايينه)

فأكف عن البحث…

الحقيبة هنا؟

من حركها؟

   تعثرتْ، استعدت توازنيّ، مددت يديّ اتحسس جوعيّ، عطشيّ بلوايّ ورمق قلبيّ

    كان الليل معتماً ومتلفحاً عصاً السواد تقوده الحكمة القائلة (أسود كأنه الظل يرقع فتحات ردائه بلا جدوى فلا يصين ثقباً إلا ويفتح ليلة اخرى أشد سواداً)

وداء الخطف يصيب طوب الحائط

وأنا هناك في جوف نقيض القابضة القدرية

بلا غطاء ولا رداء

أفتعل ثقباً في الحائط

أتحرش بطين الحائط

أبحث عن حقيبتيّ في ليل المخمورين بالخطفِ

ولا أجدها

أحك شعرات جلديّ ذاتها بالحائط

ولا أجدها…

-5-

زقاق

دائما كان يخشى الأزقة

به رهاب الأماكن الضيقة والمغلقة (*6)

سياط العتمة ووحوش الظلام تتحرك في باحة فراشه

لم يتوقف عن الإرتجاف إلا حين تعرت الشمس عن ليلها

     لعاب ذعره يتدفق حين تحاصره كلاب الشماطة وتحيطه كإلتفافة أفعى عاصرة، في زقاق من الجدوة الدائرة، تضغط عليه من حوله ضلالات نباحاتها، أصوات محادثات بوليس الخيالة (السواري) تتعالي على مسامعه من على البعيد، خوفه مبرر تجاهها فهو منذ طفولته، كان محصوراً في حوش فسيح من الصمت والوجوه المألوفة، الزقاق يشق ظلام الليلِ، لا يوجد ما يهز عرش صفائه المجيد، يحرك أقدامه بحذر تام ومحفوف بإنجداب حواسه فلا يصدر عنه هزاع ولا نميمة، تراه محموما بدغاشة فضحاء قوسية لا تذم كم أنفه ولا تمنعه عن التشمشم، فإن إستغاثكْ فلن تجد له وليا مرشدا غيركْ، وإن ترككْ فدعه ولا تهلك روحكْ خلفه، النبأ الآن أنه مريض بالرجفة والذبول، يجتر شأن الليل دونما قصد في قيلولة مخيفة، بداية الزقاق تمثل الدخول لباطن المهزلة في قصته وتلك لها نهاية وحيدة مخيفة.

-6-

القيامة

الزرقة ان الزفة هي كل قيامة مستدمية للعشب

لايطرق باب الزفة إلا بهاء معرفة المجهول والإيمان بإستوائه

كل فرحة محتملة هي قيامة قادمة

-7-

فراشة

على الطبق

حطت فراشة

جناح رفيف وغشاء مطاطي ومسيرة حائرة

بها من فهداء الظل شكوى

ومن عبثية الريح تساؤل

أعلى من الطبق

وأقل من إرتفاع الحقل

رفرفت بقوة

فإنكسر الطبق

السرخس المتيبسِ حين أكتشفته

كان نامياً فوق جناح فراشة الحقل

بقايا بودرة من نثار الإنسان النرجسِ

حلقك مليء بالوعيد

صدرك يزأر بالطلاسم وأسماء البعيد

كن حلة باهية وعطر

فراشة حقلية

كن حلاً وسطياً يكثر ويتزايد مابين الصنعة والصانع

كن بوحاً فوحاً عبقاً سماوياً وسناءات قمحية

كن شهداً يشع من العينينِ

كن فرحاً كثيفاً تداهمكْ رائحته من على بعد أكتافْ من المعصمينِ

كن شخصاً ماقابلتني رائحته من قبل حتى في المربد المحروق بمسحوق الصندل

كن كالعنادل طاؤوساً عصفوراً وقمراً يخرج بزينته بعد المساء

بلا إستحياء

كن كالفراشات الحقلية

يتهادل لونها كالأزهار محاطة بالعبيرِ

كالحريرِ

كأنها بالليل حقل حياتيّ وبنهار الدنيا مهجعيّ

-8-

صوت

الصوت هو إنتفاخ الغائبين عن الوعي

صوت الباطن في نغمة صادقة

وهو ما يفرتق صلابة الأشياء

في رمق العمرِ

     كلماتي لها لاتعني سوى الرقيق من التقاربِ… الصوت الاصفر يزحف بي فوق غيوم الغيب الصفراء، يضعني فوق جبل من كآبة النسيج المخنوق بالضائق من طوب الماء، أنا لا أعي حجم كلماتي إلا لما تحت الكائن البدري، لا أتخيل أن هنالك صوتا لا يصاب بالذعر في باطن كتفه، الرمق الأخير من العمر، لا يخرج إلا حين تقترب الآهة من مخاض الغمة، فتبدأ اللهاة بالصراع والاختناق، ويتفتفت الحلق المزكوم بالصياح بلا انتفاع.

-9-

ذاكرة

هل يمكن فك إشتباك اللهيبِ؟

حريق الصف الأول من الباب وألف ذاكرة

إشتعال الرجاء

نزع إلتصاق المسمار عن الخشبِ!

كأن بودرة السنط تغطي أماكن الذاكرة

فلا هوية ترتقي لمقام القطار

فخ ذاكرة

ولا مزلاج زلق يتشعلق في فتنة النار

فيسكب مغلاته ليطهر بها الذاكرة!

-10-

غيبوبة

ببلاهة حين سمعتها دخلت في غيبوبة

الشخير هو مقدار خروج الروح أثناء غيبوبة الجسد.

    التقليد هو الضجيج تثيره سنانات بيان الأشياء الفارغة، كومة من بقاء المحاكاة فوق محيطكْ، كومة أخرى تنتاب اليابسة ورفاعة الأشياء المزيفة، لا غبار إلا غياب حقيقة أنكل الاشياء لها شدو الهزيع وقعيع الضجيجِ، وأنا امضغ في لون المقلد من المظلل من الظل.

-11-

القطار

صافرته على الملأ تنطلق

إيذاناً بشق الليلِ

الممر المكشوف بين حافة الشارع، الكساء الذي يغطي فوهة الصدغ تشقق، حين مر القطار فوق الممر تمدد إلى البحر.

-12-

البوق

الأصبع يضغط على الحلق

فيشهق البوقِ

مطمور بالنبق، فاقع على فخذ الشجرة الخشنة، أحك هراش جلديّ بلحاء الصفيرِ، وحين علا نفير البوقِ من فوق الشجرة، خرج ما ينفع إلا بمقدار الغرق.

-13-

ضياع

في وسط الطريقِ، فقدتَ الإشارات، كان الضوء مشتعلا والحريقِ.

-14-

رفسات

لا ترفس

فالثور الهائج

مصاب بجلطة ثائرة

فإن ركلكْ

إنتقلت إليك الجلطة بالرفسة

-15-

ساعة

الساعة تذعن طائعة لعقارب السرعة، يصيبها الهلاك حين تخلع عنها ثوانيها كيما تردعنيّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتبت ذات مجالسة (إلى د. محمد نور ميرغني – د. شمس عثمان الصادق)

(*1) مثل أفريقي قديم An old African proverb

امبوليزم(*2): أو الإنْصِمَام – (أسم/ مصطلح) من Embolism شائع الإستخدام طبياً، وهو ما يعرف بإنسداد مجرى الدم (عادة الشريان)، بمادة خارجية Foreign substances او دخيلة على الجسم، أو حدوث تخنثر للدم بداخل شريان، أو حدوث جلطة دموية Blood clots وهو الأمر الذي يتسبب في إعاقة سريان وتدفق الدم. المواد الدخيلة يمكن أن تكون على شاكلة فعاقات الهواء Air bubbles أو سائل الجنين – أو amniotic fluid – أو كريات دهنية او كتل صغيرة من البكتريا clumps of Bacteria، وبعض الأجسام الكيميائية كالتلك والأدوية (عادة التي تستخدم بشكل غير قانوني).

دفته(*3): من الدفة (دَفّة) – Steering Wheel للسفينة أو المركب – أو أحياناً the Rudder – أداة يستخدمها البحارة لقيادة وتوجيه السفن على الماء.

تربة ثلجية (*4): في صناعة Dental من المنتجات الطبيعية وتستخدم في عملية إزالة طبقة التكلس القوية بالأسنان. يمكن استعاملها يومياً لإزالة الألوان الداكنة عن اللثة.

برانشيميا (*5): وهي ما يعرف في علم النبات Botany – بمسمى parenchyma – وهي واحدة من انواع الخلايا الثلاثة الرئيسية بالنبات – تتكون من جدار ثنائي رفيع وتقوم بتنفيذ عملية التمثيل الضوئي –photosynthesis –والتنفس الخلاي Cellular respiration وتمتلك المقدرة على حفظ الغذاء للنبات ولها عدة أشكال.

رهاب الأماكن المغلقة*6: أو ما يعرف Indoor Phobia او المصطلح العلمي Claustrophobia وهو يصف الخوف الذي يصيب المرء حين يجد نفسه محتجزاً في مكان ضيقاً ومنعزل. سايكولوجياً يعتبر من تداعيات الإفراط في القلق الزائد والخوف من الإختناق.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان