الرئيسية / احدث التدوينات / إحنا بالفعل اتخدعنا ( 2 )

إحنا بالفعل اتخدعنا ( 2 )

محمد شطا

شعب متدين بطبعه

بقلم: محمد شطا

     عندما دخل الشيخ مندي، كبير إحدى قري مصر، إلى تلك الحارة الضيقة؛ ليحل مشكلة هناء، التي ذاع صيتها في أرجاء القرية، كان عم حسب الله يسب الأطفال الذين يلعبون أمام الجامع؛ لأنهم يزعجون المصلين، إيماناً منه أنه من أهم سبل الحفاظ على الدين هو سب الأطفال لتشويشهم على المصلين، متناسياً أنه كان يجب عليه أن يكون أحد هؤلاء المصلين. ولأن الشيخ مندي صاحب كلمة مسموعة بين أهالي القرية لأسباب عديدة، كإنفاقه على جميع منازلها، ومساعدته في تعليم جميع أبنائها، كان لزاماً عليهم أن يطلبوا تدخله لحل أزمة هناء، تلك الفتاة التي تعمل (رقّاصة)! على الرغم من أن جميع من في الحارة كانوا يتقبلون منها العطايا والصدقات، معللين ذلك بأنها فتاة طيبة، وذات قلب أبيض، ولكنهم لم يتذكروا حقيقة عملها المشين، إلا عندما أراد إبن عم صابر أن يتزوجها، لذلك طلبوا من الشيخ مندي باعتباره كبيرهم أن يوقف هذه المهزلة، ويحمي دينهم، ويطردها من القرية! القرية التي اكتشفوا فجأة أنه يجب أن يتم تطهيرها من كل نجس، فكما تعلمون: “نحن شعب متدين بطبعه.” وبالفعل نفذ مندي ما يريدون، وذلك حتى يزداد حبه في قلوبهم بالطبع، وكيف لا يحبونه، وهو رجل متدين بطبعه، فهو لا يترك أبداً الصلاة في المسجد، خاصة صلاة الفجر، كما أنه يفعل الخير في جميع صوره، كيف لا يحترمونه، وهو الشيخ مندي، أكبر تاجر سلاح محترم في المنطقة!

    لا أعلم ما الذي يجب أن يشعر به كل منا عندما يقرأ القصة التي ذكرتها بالأعلى، والتي تعتبر محاكاة للكثير من القصص المنتشرة في أرجاء مجتمعنا المصري، مع اختلاف الأبطال ونوع الذنوب بالطبع، ولكنني متأكد أن كثير منا سيعتبر أنه أمر طبيعي (فنحن، وكما تعلمون، شعب متدين بطبعه) ولكن السؤال الأهم، هل نحن حقا كذلك؟ أظن أن دليلنا الوحيد على ذلك هو فقط كثرة ترديدنا لهذه الجملة حتى صدقناها، ولكنه وفي واقع الأمر فنحن لا نمتلك أي دليل مادي نستطيع من خلاله إثبات صحة تلك المقولة، بل أعتقد أننا وللأسف نمتلك دلائل كثيرة تثبت خطأ تلك المقولة، مثل ارتفاع نسب التحرش في المجتمع، أو تواجدنا في صدارة دول العالم كرابع أكثر شعب يبحث عن المواد الجنسية في محركات البحث، أو أيضاً تصدرنا في قائمة الرشوة والفساد.

     دعونا نتحدث بصدق قليلاً، أظن أننا حقاً في مجتمعنا لا نقوم بأي عمل دون معرفة هل هو حرام أم حلال، ولكن، وحتى نكون منصفين للقضية، فالإجابة لا تمنعنا من استكمال ما بدأنا، بمعنى أدق (إحنا بنسأل الحاجة دي حرام ولا حلال عشان نبقى عارفين بس، فلو حلال يبقى قشطة، ولو حرام – للأسف – بيبقى برضه قشطة. كل اللي هيكون علينا ساعتها إننا ندور على مبررات مقنعة، وطبعاً ربنا غفور رحيم) في النهاية أظن أنه يجب أن ننتبه إلى أمر غاية في الخطورة، وهو أن إصرارنا على ترديد تلك الجملة، مع استمرارية كل تلك الدلائل، التي تثبت عدم صحتها، لا يفعل شيء، إلا أنه يضر بالدين، ويسيء إليه، وأعتقد أننا سنستطيع أن نتعايش بشكل أصدق وأفضل حينما نصبح أكثر صدقاً مع أنفسنا، ونعترف أننا لسنا كذلك، أننا لسنا شعب متدين بطبعه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة