الرئيسية / احدث التدوينات / إني أتنفس حياة جديدة

إني أتنفس حياة جديدة

بو عاصم

بقلم: بو عاصم

     نكاية في النادل زرت ذات المقهى، تلصص على من في الكونتوار دون أن يتقدم عندي. للمقهى ثلاث ندال، رآني وأدار ظهره لي، حمزة أخذ سيجارة ومجها في انتظار أن يأتي نادل، أخبرته مسبقاً بالواقعة، ظللنا ننتظر، لا أدري كيف للنادل أن يتأخر اليوم. ملك الموت اليوم تأخر قليلاً، الموت تأخر، سنتنفس حياة أخرى، حياة البقاء بمالنا البخس، نتنفس هواء البحر البارد، يصلنا من بعيد، تحسستُ جيبي، الحافظة في مكانها، لم يصلها نشّال المدينة، النشالون يعرفون حالتي الاجتماعية، لا يقتربون مني، إن هم دسوا أيديهم في جيبي لن يجدو غير خاصتي نائماً بشكل مائل.

    النادل يقف على بعد ثلاث إلى أربع ياردات من المائدة، طلبت كأس شاي منعنع زيادة سكر، قلتها بصوت مرتفع حتى يسمعني، طلقت البراد نهائياً، النادل الذي رددت له “براديه” بالأمس لم يخرج منذ قعودي، ظل يتجول في الداخل كامرأة حامل، وصلني الشاي، تذكرت شايات بوكيدان على “ذسوندا”، خمس دراهم كافية لتنعم بلحظة من السعادة، الجالسون معي يشعرون بالتوتر، الامتحانات تجبر على تغيير مزاج المرء، أنا لا أشعر إلا بالحزقة  كما قال المراكشي مجيباً على سؤال صحافية تسأله عن شعوره، قالها وضحك، الفقراء لهم قدرة على الضحك في وجه البؤس، ضحكت أيضاً وأنا أتحدث مع أمي، ظلت تهاتفني يومياً هذا الأسبوع، لو كان أبي يملك هاتفاً لهاتفني أيضاً، حين تعلو شاشة هاتفي اسم “يما حنو” أنشرح، مذ خمس شهور تسألني إذا كنت أملك؛ نعم أملك يا أمي، ليس بوسعي أن أكون صادقاً مع أمي، أتعذب أنا ولا تتعذب أمي، يكفي أنها تعبت وتعذبت معي بالخصوص، تسعة أشهر كافية لأترك أمي تعيش بسلام، أنا بخير يا أمي وانتهت المكالمة.

    الهواء منعش، يبرد قليلاً كلما اقتربت الشمس من الغروب، برد الشاي، طالبة تشرب عصير “البانتشي”، في غفلة منها رشفت رشفة ارتويت بها، كاذبون هم الذين يقولون أن الشاي يزيل العطش، كأس شاي وقنينة ماء بست عشرة درهماً، زجاجة نبيذ بخمس عشرة درهماً، كلاهما يبوّلان، لكن الثاني له فوائد للصحة؛ هذا ما قرأته لسوسيولوجي يذكر فوائد البيرة والكوكاكولا، لكني مضطر أن أشرب حتى يسمح لي النادل بالجلوس.

    الامتحان على وشك أن يبدأ، لم يعد الامتحان يفزعني، اجتزت الكثير من الامتحانات في حياتي، أرسب وأنجح، حين أنجح أسعد وحين أرسب أسعد، ليست هناك قوة ضاغطة بشرية جعلتني أرسب إلا الجوع، أنا مسؤول عن رسوبي، البطون الجائعة لا تفكر، لا تقرأ، لا تحفظ، في وجدة جعت حتى أحسست ببطني قد اقتلع من مكانه، كان لدي إختبار في  البلاغة، اكتشفت وأنا جاحظ العينين أن هناك خطب في عجز بيت شعري، كتبت قافية خاطئة، رفعت أصبعي أنبه، أستاذ علوم اللغة استهزأ بي ولعنني في سره وأمرني أن أحشر رأسي في الورقة لأحرر الإجابات، حين فعلت ضحك عليّ الزملاء، وقتها دخل الأستاذ أصقال ونبهنا إلى وجود خطأ في بيت شعري، نسي ياء لمحمد، والصحيح محمدي، طأطأ الأستاذ رأسه وأهمل وجودي، الأستاذ الجزائري الذي درسني الأدب المقارن سألني بعد ربع ساعة عن اسمي ورقمي المعلوماتي، قال لي لا تجتز امتحاني لو شئت، سأعطيك نقطة عن ملاحظتك الدقيقة.

    منذ صغري كنت ملاحظاً، قلتها لحمزة؛ كنت ألاحظ لكني لا أتحدث، لم أكن ثرثاراً، لم أكن أؤذي أحداً، لكني كنت ألاحظ، لقد كانت ميولاتي سوسيولوجية منذ كنت صغيراً، كنت أحلل البشر، كانت كل أنثى أراها ظاهرة وكل فتى أراه ظاهرة، لم أجهر بتحليلاتي؛ لكني كنت محللاً بارعاً، لقد كنت نفسي ظاهرة اجتماعية، كنت أسأل الله أن أصبح شخصاً معروفاً، لكني كنت أعوذه من الغرور، لقد كنت جد خائف، كبرت لم أصر معروفاً كما أردت ولست مغروراً كما أردت؛ لقد كنت قاب قوسين أن أصبح معروفاً ومغروراً، قوة عليا أخبرتني أني سأتحول إلى رفات ولن يبق مني إلا اسم، خشيت أن يتفل عليّ الناس حين أموت، بقيت هادئاً وبسيطاً، على الأقل سيتفل عليّ القليل، أنا أعلم لماذا سيتفلون، لأني اخترت أن أكون طيباً.

    مشيت أنا وحمزة الذي غاب عنه علي، صار أقرب إلى أخي مني، العلاقات الاجتماعية الثنائية تنجح أكثر من أن تشكل فريقاً، كن أنت وآخر، اختره بعناية، سلمت له أخي وسلمت نفسي لمن أشاء، لذلك علاقتي مع أخي قوية ومع كافة إخوتي، لا أحد يعلو على الآخر، لا يجب أن نمارس سلطة هذا أكبر من هذا، علي سيصل بعد ساعات، بدا حمزة منشرحاً، حين ترى حمزة ترى علي، حين لا ترى أحداً مع الآخر فاعلم أن أحدهما قد سافر، أنا لم أسافر منذ مدة، حمزة قال لي أن الكتّاب يكذبون وهذا مباح، أن تقول أنك أفطرت بخبز يابس وأنت أفطرت ببيض مسلوق وخبز طازج فهذا جائز، كذبت أيضاً في نصوص سابقة، وربما كذبت أيضاً في هذا النص، وحدهم شخوص النص سيقولون الحقيقة، حمزة كاتب أيضاً، يمارس فعل الكتابة، على رصيف الوادي.

    قرب ملاعب القرب رأينا رجلاً يرفع صوته على زوجته التي تجر عربة فيها طفل صغير وبين يديها رضيع آخر، انتفضت المرأة قائلة: “نشوفو هاد لخرا فين غايوصل.” حين سيصلون إلى المنزل سيضاجعها ويتصالحان، كدنا نتعارك أنا وحمزة حين أخبرته أني سأكتب عن الموقف، سأنقله كما هو، حمزة أيضاً فكّر في أن يكتب، لكني سأسبقه، إذا كانت ستقول لك زوجتك في الشارع “لخرا” فلا تتزوج، إذا كان سيلوي يديك ويرفع عليك صوته فلا تتزوجيه، ليس الزواج لحظات عابرة على السرير، الزواج امتحان عسير في الحياة، المتفوقون هم الذين يفكرون ألف مرة قبل أن ينفذوا.

    عدت إلى الشقة، غسلت ملابسي الداخلية، تمددت على الأرض، قرأت شيئاً من علم النفس، منذ مدة وأنا أفكر، كيف باستطاعتي أن أؤثر في المجتمع كفرد؟ هل سيبقى المجتمع وحده يتأثر في الفرد؟ وما معنى أن تكون كاتباً؟ يعني شيئاً واحداً، أن تبقى وفياً لتواضعك، إذا كانت مجرد حروف ستجعل مني شخصاً مغروراً فسأحرق كل النصوص، وسأبدأ بهذا النص.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة