الرئيسية / احدث التدوينات / السكون.. ماوراء العقل

السكون.. ماوراء العقل

سارة

“..جلست في تلك الزاوية يلفني صمت أحس بثقله على أذني، تبدأ الأفكار بالتدافع داخل رأسي، أفكار لها صوت واحد أحياناً، وأصوات متعددة متقلبة بحسب حدتها أحياناً أخرى، تتجول هذه الأفكار في رأسي بحرية الأخذ والعطاء، قد تصل حد التضارب، حوارات جادة أعتقد أنني جزء منها، ورغم ثِقل الصمت حولي، ظل داخلي صاخباً بالأصوات..”

عندما نطلب الهدوء ننشده بعيداً عن ضوضاء الآخرين، وبعيداً عن زخم الحياة وسطوتها. عندما تطل علينا هذه الرغبة الملحة لعزلة حقيقية بحثاً عن لحظات من السكون، ربما لتقييم أنفسنا أو لإستعادة طاقة مهدرة في تحريك دائرة الحياة، نختار أبعد الأماكن وأكثرها هدوءً، هرباً من المقاطعات لنخلو بأنفسنا، فنصمت هناك ليبدأ حوار طويل مع الذات محمول بهواجس المستقبل وإسقاطات الماضي التي تجد في عزلتنا قدرة أكبر على إسماع صوتها. ثم نخرج من تلك العزلة مأخوذين بثقل الصمت مفتونين بحوار الذات. ذلك بالضبط ما يحدث في كل مرة أجلس فيها إلي نفسي أحدثني صمتاً عن أشياء كثيرة وأعاتبني على أكثر، أخرج من زاويتي أعدد مالي وماعلي وبدلاً عن ثقل الصمت ربما أخرج بثقل في قلبي. ولإحساس التقصير الذي تتركه مثل تلك الجلسات في داخلي، أشعر بأن “الأنا العليا” -إن جازت لي التسمية- ربما لها هدف أسمى، ربما ليست راضية عني، تلك الأنا الأفضل التي تكمن في داخلي، لاتجد طريقها إلي الخارج بسبب تقصيري، فتجدني أطيل البحث عن كيف لي أن أكون؟ وماذا يجب أن أفعل؟ فأغفل من أنا وما أنا عليه الآن، ماهو في الحقيقة تمثيل لوجودي القادر على إحداث الفرق لنفسي إن أنا أدركته.

لم أكن لأفلح في وضع هذا المشهد والتساؤل المعروض في الفقرة السابقة دون مساعدة كتاب “The Power Of Now by Eckhart Tolle” لم أكمل قراءة الكتاب بعد ولكن ما قرأت منه أعطاني إضاءة لإدراك أن ماكنت اعتقد أنه حوار مع ذاتي لم يكن كذلك، أنما هي لحظات إنعكاس لتصورات يحدثها عقلي بناء على تجاربي الحياتية، شئ من مخاوفي ورغباتي، تلك الأصوات لأفكار ربما في أغلب الأحيان تمثل عائق وستار يقف دوني وإختبار حقيقة العزلة. فلو انتبهنا لحالة بحثنا عن مكان ساكن نلجأ إليه جسدياً، لوجدنا أننا نفلح بذلك في خلق عزلة مادية بحته، وسكون جزئي ليس إلا، فحقيقة العزلة إنتقال إلي ماوراء العقل، إسكات لتلك الأصوات المتداخلة في رؤوسنا، لخلق سكينة وصمت داخليين يجعلاننا أكثر إستقراراً وإستشعاراً للحظتنا. يقول إيكارتولي ( الحضورهو مفتاح الحرية).

في إختبار المفاضلة بين سكون الخارج والداخل يحضرني مشهد داخل أحد إحتفالات المولد بميدان الخليفة، صخب وهرج شديدين، الألوان والزينة والأصوات، يصعب على أحدنا تخيل الروحانية ماثلة في مثل هذه الضوضاء، ولكن داخل هذا المشهد يهيم أحدهم يدور حول نفسه مغمضاً عينيه، يدور ويدور ويلتف الكثيرون حوله مندهشين لإتزانه رغم دورانه وهو عنهم بعيد، ربما هو عن صخب لحظتهم في صفاء لحظته، ربما هو أكثر إدراكاً لآنيته ممن هم حوله، ولو أنه سمح لما حوله بأختراق مابداخله لما أستطاع الإتزان. ويجعلني ذلك أكثر إستحضاراً لما قاله إيكارتولي عن الوعي الوجودي (.. عندما تتحرر من الزمن للحظة، تتحرك فيها نحو الآنية تستطيع حينها إدراك الأشياء دون تدخل العقل، ليصبح الوعي بالوجود جزء من إدراكك. في بُعد اللازمن يتجلى نوع مختلف من المعرفة..).

قد تكون لتجربة الحديث مع النفس شكل مختلف، عندما نختار ان نُحيد تلك الأصوات في داخلنا ونطلب منها الهدوء قد نستطيع حينها إدراك أن إمتلاك اللحظة والآن هو فعلاً قوة حقيقية. ربما لحظة الصمت التي التي كنت أنشدها ليست للتحدث مع ما سميته “الأنا العليا” هو في الحقيقة إحتياج لسماع صوت الأنا الحالية، صوت وجودي وإمتلاكي لما هو كائن بين يدي الآن، تجعل تلك الحوارات من الرضا صعب المنال، ولكن مع التكرار تظهر القدرة على تمييز تلك الأصوات إلى حد إسكاتها والعبور لما هو وراءها وهو غاية العزلة، لقاء الصفاء مع النفس لإستشعار الرضا الآن.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .