الرئيسية / احدث التدوينات / الضبع والقاضي

الضبع والقاضي

رجب

    بسرعةٍ، أعدَّتْ انشراح كوب القهوة الصباحي لحضرة المستشار الذي تعمل في بيته خادمةً مخلصةً، ويأتمنها أهل البيت على كل صغيرة وكبيرة. سبعة أعوام ليس بالشيء القليل، ولذا فإن لها مكانةً كبيرة في نفوسهم، ولا يُرد لها رجاء ولا دعوة لها تُرفض. خادمة مثل انشراح تستحق أن تُعامل كأنها سيدةٌ موقرة. أعدَّت كوب القهوة سريعاً، ثم خرجتْ إلى الشارع، ومن الشارع اتخذت مسارها إلى موعدها يوم السبت مع سوق السمك.

    – إذهبي من هنا يا امرأة، فلا يبدو أن سعر الجمبري يليق بحالك البئيس!

    هكذا كلَّمها أحد الباعة، فقالتْ:

    – يا هذا، عيبٌ لا يليق بك أن تكون أحمقاً.

    – لا تتكلمي ولا تثرثري، اذهبي من هنا فوراً، فهذا الجمبري للأغنياء فقط. (وبعد ضحكة رقيعة تفرقعتْ عن فم بائع السمك) هناك على ناصية الشارع ستجدين عربة الفول!

    حاولتْ انشراح أن تصرف النظر عن حماقته، إلا أنه أصرَّ على التطاول عليها، فإذا بها تنتقم منه بأن طلبتْ من البائع المجاور له أن يزن لها خمسة وعشرون كيلو من الجمبري، وعلى الفور دفعتْ ثمنه: ستة آلاف جنيه! ولما اشتد غيظ البائع النابع عن احساسه بسوء التقدير والخسارة الفادحة، وجَّه لها أقذع الشتائم بما اشتملتْ عليه ألسنة البشر. وأدرك البائع المغفل بصنعة منطقية: ليستْ كل خسارة فادحة تعتبر حرية، ولا كل حرية تكون خسارة فادحة. لم يردعه أنها التزمت الأدب، وإنما لازم لسانه هو سوء الأدب.

   – أنصحك بالتزام حدودك، وإلا ستندم.

    – الزمن أنقلب تماماً، وأصبحتْ النساء تهدد الرجال!

    – إخرس أيها القبيح.

    يا لغضب السماء! لقد رفع البائع سلة القاذورات التي بها أحشاء السمك، ودفعها بقوةٍ ثم صبَّها كلها بوجه المرأة، وأهانها أشد الإهانة. تشنَّجتْ أطراف شفتيها وهي كظيمة، وبدتْ على عينها شرارات الغضب والويل، وشدَّتْ عن رأسها حجابها، وقبل أن تذهب مغاضبة، قال مهددةً:

    – سوف ترى ما يمكن أن تصنعه معكم الخادمة.

    – إرحلي من هنا أيتها العاهرة! اللعنة عليك وعلى أمثالك.

    ولم يبد أي أحدٌ من عمال السوق اعتراضاً، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يهذب سلوك الضبع! الكل هنا يخاف الضبع، وترتعد أطرافهم خوفاً في كل مرة تعاد فيها ذكرياته السوداء وتاريخه الإجرامي وجنونه الذي لا يعرف أحد حدوده. لا أحد يعلم ماذا وراء جنون الضبع بائع السمك، فالضبع مسألة ميتافيزيقية عصية عن الفهم والإدراك. فلما أن قذف الضبع سلة القاذورات في وجهها وأهانها، وقف غير مكترث، كأنه لم يرتكب أي جرم للتو، وإنما راح يحك قضيبة من أعلى ملابسة، في إشارة فجة لكل من يجرؤ على الكلام. فهو القرد الكبير في السوق.

    يقال: إن في قسم شرطة الجيزة، رجلاً شديد الطموح، تلهث كل حواسه إلى نوال منصب رئيس المباحث، ويقدّم ذاك الرجل كل خدماته للسادة الكبار، لكي يصلُ إلى أبراج السطوة والسلطة. ويقال أيضاً: إياك أن تكون ذبابة تعكر مزاجه، فلسوف يدعسك كأنك لم تكن. ويقال: إن سيادة المستشار صاحب الكلمة والأمر والنهي عن المعروف والمنكر، قد غضب جداً وثارتْ فيه غريزةً بربرية تشتهي الانتقام لخادمته، وتعويضها بأي شكلٍ حتى تعود صحتها النفسية إلى ما كانت عليه.

   – يا انشراح، الآن آمركِ أن تبتسمي فوراً، إياكِ أن تحزني أبداً.

    طمئنها المستشار بأن حقها سيعود بأسرع وقتٍ، فقالت انشراح:

    – وجودي معكم، يا سيادة المستشار، هو الجائزة الكبرى والسعادة الأبدية.

    وبعدالة سحرية، بالعدالة السوداء، خرجتْ من القسم قوة من الرجال: خمسة وأربعون رجلاً يقال لهم: أمين شرطة، وأربعة ضُباط. وعلى رأس كل هؤلاء خرج القائد الطامح لرئاسة المباحث، وعن جواره في السيارة جلستْ انشراح لكي تدله على الرجل الذي أهانها.

    فور وصولهم للسوق، أخرج رجال الشرطة كل أسلحتهم البدائية الخفيفة جداً لتأديب البلطجية في هذا السوق. دبت في السوق حالة من الفزع والهلع، فإن رجال الشرطة يحطمون الشمسيات التي تحرس رؤوس الباعة من حرارة الشمس، ويتخذ رجال الشرطة من عصيان الشماسي شوم يضربون به الباعة ويؤدبون به البلطجية. أشارتْ انشراح بإصبعها إلى حيث يقف الضبع، وفوراً هجم عليه حضرة الطامح وضربه بظهر سلاحه فوق رأسه، فوقع الضبع أرضاً مصروعاً، ولم يكتف حضرة الطامح بذلك وإنما أخذ يهين الضبع بأن يجعله كما ولدته أمه. يا للعار الذي لطَّخ شخصية الضبع!

    خلال خمسة عشر دقيقة، أتم رجال الشرطة عملهم، وانتقموا لكرامة خادمة معالي السيد المستشار، الذي بدوره كافأ الطامح بأن صيَّره رئيساً للمباحث. وبعد رحيل رجال الشرطة، جُعل السوق كأنه ساحة حرب فيها العشرات من المصابون ظلماً، لا لشيء إلا لأن السيئة تعم في بلاد فقيرة من أي منطق. ومن بين أطلال الخراب، وقف رجلين من المساكين والدماء تُغرق وجوههم، فقال أحدهما للآخر:

    – برغم أنني قد أُصبت ظلماً ودون ذنب، إلا أنني أعتبر دمي فداءً. فالإهانة والمذلة التي ذاقها الضبع تستحق مني أن أدفع ثمنها آلام شهر بالكامل لا ساعة واحدة. يا صديقي، لا تحزن، فعذاب تلك الساعة قد رحمنا، ومن اليوم لن يكون هناك ضبعٌ يرعب أهل السوق.

    فوقف الآخر المطحون، معلناً في غضب وبتحدي:

    – من اليوم لا ضبع إلا أنا.

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر