الرئيسية / احدث التدوينات / المسيح الأسمر

المسيح الأسمر

ايمن

    “هنالك نمل كثير يتسرّب من مؤخرة رأسي، أحس به كقطرات ماء تسيل على رقبتي، ويداي مثقوبتان بالمسامير.” يقول المسيح في اللوحة رأيت في الحلم الهارب من دم الخواجة، أنهار الذهب في فازوغلي يغسلها المطر، وتخرج من ذروة سنام التلال العروسات. فساتين المأتم تُلبس من جديد، والخواتم تقطع الأصابع.

    كانت النوبة فيما مضى تنتظر الله في قراها، بينما هو يرتحل مع البدو في خيامهم، يرتحل في سطوة الحكايات حيث يمتطون الهجين السريع لسلب المسافرين، وكنا طُعم قراقير صغيرة، وإصطادونا في الطريق من بولاق.

    خرج من نبع الواحة من بين العشب، وبرزت يده مبروءة من المسامير، مدها لنا لكي نطال الفجر، وتحركت الأشكال الناعمة البراقة، ولم أستطع، كنا عطاشى للسر، آثمين بسرقتنا دور العبادة.

    جاءت الزغاوة تبيع المواد الغذائية وتبيع القدر، جلس الرمالة ورسموا النقاط على غير عدد، الأقواس التي إنحنت أرباعاً، خرجت منها بطونها الأمهات، وعندما رأيت العتبة الداخلة عرفت أنني هالك .

    لذلك أكتب الآن: “هنالك نمل أبيض يتسرب من حقائبنا، أحس به كقطرات ماء تسيل على رقبتي، ويداي تحملان البرواز الخشبي. لازمت الخواجة كظله، أزحت العقارب عن قبعته، مسحت الدمامل من قدمه ونجوت عندما طاردتنا عساكر البوشناق المسلحة، سمعت حكاياته وهو يتلمس القلادة من جيبه. سكنت في ويلز حيث ينحدر التل، وتصعد على ظهره المدينة كأطفال صغار، راقبت الضباب يمسح الشروق والغروب، نوقظ سكسونيا من أيديها، فنحن ساعاتية. أقاطعه وكأني أفهم، ثم يواصل كأنه يخبرني بالمجد وبالمائدة المنسية، التي يشقها نهر الرب، من بين الموائد التي أنزلها الرب على تلامذة المسيح. حلمنا برؤية سرة النهر، حيث يغتذي من رحم فراديس غامضة، رحنا نتلمس العمود الفقري لطريقنا، بداية من دروب الواحات إلى دور النسطوريين المجهولة. منحنا مغاربة الصحراء الأموال لنعبر وديان النطرون، إفتقدنا فيها الماء العذب، وأُرهِقت أكبادنا بطعمه الآسِن.

    أخبرته عندما حلت مجاعة أم لحم على قومي: “لوكان الكيل بالكيل ما كان ماتوا بالحيل، وكنت أراهم عند جبل البركل، وأنا ساهر على موتهم، شاهد على توقف اللهاث في تلك اللحظة، تجصصها الأبدي في لوحة، عندما قايضونا أرض بأرض، ودم ببقط.”

    أخرجتني من الجبل امرأة ذات وجه نحيف، تماثل وجنتيها في الكبر وطول أنفها، ولم تلفظ كلمة، جرتني من ثيابي وجردتني من النظر إليها في عينيها المحاطتان بالكحل الحجري، إستلت أشعة الشمس وجعلتها ترقد على حجرها، وكان لونها أسمراً، وكنت جائعاً ألعق تماثيلاً ذهبية.

    كان للعجوز ظهر محني، أرتني خط الحياة في يدها، وقد مدتها ليرضع منها الأطفال، أمسكت يدها مثلهم وعشت. هاجمتنا أشباح عرب مقرات، وصوبتُ النار على – الهمباتي نعيم ولم يمت، فتح ذراعيه المليئة بالتمائم، وقال صوّب مجدداً، وقد فعلت ذلك وأسرف جسده في بلع الرصاص – يا يسوع، إلا أن العجوز ميريام أنقذتني، نسختني لأنني كنت مذعوراً، طمأنتني ممسكة بيدي النحيلة السوداء، عرفت فيما بعد أن النار التي أشعلها العبابدة في جسد الطريق كان تشتعل في أفاعي الصحراء. شممت رائحة الموتى التائهين من القرى الطينية، ورأيتها بين جسدي اللصين واقفة وابنها، رفع شجرته تركنا ومشى.

    استند إلى ذراعي الخواجة، ورسم الصليب، وقال هذا هو موتي، اشتد وهج النهار، ولم تعد كسف الظلال الساقطة لتغوص في بيوت الطين، حتى راحت الشمس تدور إلى الخلف، لتعود إلى لحظة دخولهم الجبل، حيث لوحة المسيح الأسمر يمسك بيده الصغيرة ميريام. هوى على بعد عدة خطوات وهو يزبد دماً، وارتطم بالأرض ارتطامة جافة، وتفتت وكأنه كتلة من طين، أخذ الحزن يأكلني فلم يعد جسدي خبزاً، ولا دمي خمراً، وكان تراب الصحراء يملأ فمي، ويكشط جدار حلقي، وعيناي تغوصان في ظلمة، وشعري القرقدي امتلأ بالتراب، وانفتح الباب جانحاً إلى الخارج، وهناك رفعت ميريام السمراء صوتها: “لا تخف يا يسوع، لا تخف يا إبني.”

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان