الرئيسية / احدث التدوينات / الوعي الشعبي بتراثنا: كثيفاً من الحلم وكثيراً من الأمل

الوعي الشعبي بتراثنا: كثيفاً من الحلم وكثيراً من الأمل

هيثم

     إن المؤانسة مع خبير تراث عالمي، وخبير معتمد للتدريب في مجال التراث من اليونسكو، كالدكتور اسماعيل علي الفحيل، يضيف لك أبعاداً نقاشية ومعرفية حول أهمية معرفة وتعريف التراث بكل اتجاهاته، فهو يعرف كيف يتم تصنيف التراث بشكل علمي، وكيف يمكن أن يشكل محوراً للتنمية، يعمل على صناعة الوعي بالتراث، ويرفض تصنيفه بأنه مجرد أدوات تاريخية، رقص، غناء، فكرة ترفيهية، ويرى معادلة ناجحة من تفعيل التراث كأداة للتنمية الحقيقية، عبر قيادة المعارف التقليدية في ذلك، فالمعارف التقليدية لتربية الماشية في دار حمر، هي ركيزة تراثية لكنها فعل تنموي، لو تم التفاعل معه بشكل علمي، لتحققت قيمة تنمية أعلى في تلك المناطق وغيرها من مناطق السودان، هنا ينظر للتراث كقيمة تنمية محلية، فالطب التقليدي قيمة تراثية، وتربية الأبل كذلك، لكن ذلك لا يتم التعامل معه كقيمة كاملة، من حيث كونها تراث، والصناعات التقليدية يمكن أن تحقق نهضة اقتصادية، لو تم التعامل معها كصناعة تراثية وثقافية، مثلها مثل أي صناعة، علماً بأن الصناعات الثقافية هي الآن في العالم الأعلى دخلاً، وتحقق نهضة اقتصادية لا مثيل لها، ولنا في بلادنا قيم تراثية حقيقية يمكن أن تشكل علامة فارقة في مجال الصناعات التراثية الثقافية، ولذلك فرؤيته تحقيق ذلك في وطننا هذا، بالاستفادة من كل قيمة تراثية وتحويلها لصناعة ثقافية وسياحية، ولا ننسى أن الألعاب التراثية الخاصة بالطفل في بلادنا هي نفسها تراث وقيمتها مختلفة كثيراً.

     في مؤانستي معه أخبرني بخطواته التدريبية التراثية في كل الوطن العربي، ويقيني أن بلادنا أكثر ما تحتاج لذلك، وعلى ذلك عمل على انشاء بيت التراث في الخرطوم، ليشكل خطوة في مسيرة يقصدها بتطوير الوعي والمهارات المعرفية الخاصة بالتراث في بلادنا، والمركز يعمل على قيادة رؤية علمية تدريبية للعاملين في المجال، ولصناعة جيل يضع التراث كقيمة علمية واقتصادية لبلادنا، ولقد انجز بيت التراث موسوعة عن الطعام في السودان، وهي قيمة تعريفية وسياحية واقتصادية، اضافة لمعارض وملتقيات وفي الرؤية، كتب للأطفال في مجال الحكايات التراثية كاطار تراثي مختلف عالمياً، ويرى في مسيرة بيت التراث فتح آفاق تعاون مع كل الجهات ذات الصلة لتحقيق حلمنا بتأطير تراثنا بشكل علمي، فنحن هنا نصنع هُوية سودانية تربط بين قيمة تأريخية، ومستقبل قادم، فالتراث لم يعد كما ينظر له مجرد تأريخ يحكى فقط، بل أصبح تشكيل هُوية، ومستقبل في آن واحد، لو تم التعرف عليه بشكل منهجي، ونعمل بشكل مؤسسي على ترتيب العقل السوداني العامل في مجال التراث، وصولاً لقوة ثقافية وتراثية، ونحن مؤهلين لفعل ذلك، ولعل الإشارات الرسمية تقود لذلك، فتكوين مجلس ترقية اللغات القومية وورش العمل التي تقام بين بيت التراث، والمؤسسات الرسمية في بلادنا ضِف لذلك مكتب اليونسكو بالخرطوم واللجنة الوطنية الخاصة بها، كل إطار التعاون يمضي في تحقيق وعي رسمي، وتأطير مفاهيم رسمية وشعبية ومهنية، للتعامل مع التراث وفق التطور العالمي.

     لعل جزء كبير من رؤية بيت التراث تحاول رسم مسيرة علمية لتراثنا أولاً، ثم صناعة أجيال مهنية تعرف كيف يتم ذلك، وكيف يمكن جعل التراث قيمة اقتصادية رفيعة للبلد، وكثيراً ما تكون خطواتنا ناقصة في هذا المجال لأنها تدخل علينا من باب التعامل بلا منهجية وعلم وأبحاث ليتم الفعل الإيجابي الكامل، وإذا لم نصل قناعة راسخة بأهمية التراث اقتصادياً لن نستطيع صناعة رؤية مكتملة تضع مساراتها على حركة رؤية الدولة الرسمية الرؤية التفاعل الشعبي، لأن التعامل مع التراث يرتكز على مسارين، رسمي وشعبي، وبالضرورة صياغة منهج تعريفي وتدريبي للاتجاهين، وهذا ما نعمل عليه هنا في بيت التراث، وعملنا عليه عبر شراكات داخلية، ومع خبراتنا ورؤيتنا المتكاملة نستطيع وضع منهج علمي رصين يكون هو المسودة التي يرتكز عليها كل عمل خاص بالتراث في بلادنا، من ناحية علمية ومنهجية ورسمية وشعبية، وحتى تسويقي وترويجية. ومن خلال الورشة التي قام بها بيت التراث في اكتوبر الماضي، والمرتكزة على صناعة منهجية علمية حول التراث، وانتسب لها عالمين في مجال التراث عبر مؤسسات رسمية، تؤكد رؤية تهدف للقول أن العمل الرسمي هنا سيكون قائداً بدوره يصنع الوعي الشعبي المطلوب للتعامل مع التراث، لأن القيمة المرتبطة بالتراث توجد اكثر في المستوى الشعبي وتحقيق معدلات تنمية وتطوير يجب ان يضع الوعي الشعبي خطوه أولى ثم بعد ذلك تأت بقية الخطوات التي يصبح بها الوعي بالتراث فريضة وطنية، ولعل ضرورة ذلك وأهمية ذلك هي المحرك لهذا الصرح بيت التراث بالخرطوم والقائمين عليه، ومقصد بيت التراث أن ينادي بأهمية العمل الجامع في مجال التراث، المؤسسات التعليمية كلها والمنظمات الوطنية والشبابية وكل سوداني يفترض فيه العمل في مجال المحافظة على التراث وتطويره والاستفادة منه كقيمة مادية وجمالية.

    في بلادنا ضعف حقيقي في الوعي بالتراث وأهميته، كإتجاه مؤثر في الهُوية والتنمية، وكل حكوماتنا الوطنية لم تستطع صياغة منهج كامل حول ذلك، وكان من الضرورة فعل ذلك ليتم قيادة الشعب بكلياته في رسم مسارات الوعي الشعبي، وأشياء كثيرة غفلنا عنها، ترتبط بتراثنا القومي، وكل ما وجدنا ضوء يضع التراث في المكانة الحقيقية له، ينطلق بنا الفرح في مدى الحلم الذي يحيط بنا، فالحسرات تملأ كل عقل وقلب سوداني وسودانية، عندما يتم الاكتشاف بأن التراث في العالم أصبح مكوناً اقتصادياً كاملاً، له مساهمة عظيمة في الدخل القومي، والصناعات المرتبطة به هي نفسها مثل النفط. فغياب النظرة العملية في التعامل مع التراث القومي لبلادنا، صنع فينا بعض التراجعات التي بدورها أضعفت مؤشرات كانت كفيلة بأن نكون اليوم في مقام بديع بتراثنا من حيث الارتباط به كقيمة قومية وكقيمة مادية.

    إن تساؤلاتنا ما زالت تبحث عن وعي من الدولة في شان وطني مهم مثل وضع رؤية علمية للتعامل مع التراث، ثم قيادة رؤى وأفكار منطلقة من خبراء وعلماء وأصحاب خبرات عالمية لوضع منهج تعليمي متكامل يكون الهدف منه صناعة الوعي الشعبي بالتراث.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن