الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: الوردة السوداء

بريد القراء: الوردة السوداء

زينب

بقلم: زينب الفاضل محمد

    كانت ليلة من ليالي الخريف التي تتلبد فيها السماء بالغيوم، وكانت رائحة الطين تبعث البهجة على النفس، بالتأكيد لم تكن أفضل ليلة في تاريخ البلدة، لكن الجميع كانوا سعداء، ومعظمهم كانوا يرقصون كما لو كانت آخر رقصاتهم على الأرض.

    كنت أنا أجلس على مقعد بعيد قليلاً عن دائرة الرقص التي تعج بشباب وشابات، وحتى عجائز من الجنسين، يحركون اقدامهم واكتافهم بصورة مبهجة. ويضحكون بمرح. بينما البقية متحلّقين حول طاولات مليئة بالطعام الجيد والمشروبات الباردة.

    كان إحتفالهم بموسم المطر بهيجاً، والجو يُحرض على السعادة. كنت سأكون سعيداً لولا الذي حدث في صباح اليوم. آه كان سيكون صباحاً زاهياً، لو أنني إكتفيت بنزهتي وسجارتي الصباحية ولم اتفقد صندوق البريد، وأجد تلك الرسالة الورقية التي وأنا أرى وردة سوداء مرفقة معها أصابني الذهول، وسرت قشعريرة في جسدي، ثم انتصب شعر راسي وأطرافي، وشعرت بإعياء ورغبة عارمة في دخول الحمام. لكني استجمعت قواي ورجعت من فوري إلى غرفتي حتى أنني لم أكمل سيجارتي، ونسيتها على سطح صندوق البريد، ثم جلست على السرير وأزلت اللاصق من على الظرف، وأغلقت مشغل الموسيقى. الآن أنا أفكّر كم كنت سأكون سعيداً لو أنني لم أفتحها، وألقيتها في مكب النفايات بدلاً عن ذلك، لكني فعلت، والآن أنا أمام هذه المأساة في سطور ماذا عليّ أن أفعل؟

    تُعيدني إلى الحفل فتاة فارعة القوام، ترفع كأسها لي مبتهجة. أحاول الابتسام في الحقيقة. كنت سأسعد بالموسيقى ومراقصتها لو أن ذاكرتي اللعينة أعتقتني، ولم تُعدني لتلك الرسالة التي مقدمتها “مرحباً أيها الغريب، لقد علمنا كل شيء، هل تظننا أغبياء؟!”. لم أستطع إكمال القراءة، كيف علموا بالأمر؟ لقد كانت وحيدة، حتى إنني لم أعرف أنها تملك أحد لتخبره بأمرنا، فهي ليس لها أقارب، أو حتى أصدقاء. كُنت أحبها، لا ليس مجرد حب، كُنت أقدّسها، وأقسم لكم كنا سنكون بخير لو أنها لا تعض شفتها السُفلى بتلك الطريقة المُغرية، وتشاركني رقص الباتشاتا، كما لو أنها ولدت بين ذراعي، كانت تطهو لي، وتجعلني أضحك كطفل صغير. كنا سنكون بخير لو لم تكن تحب النظر لعينيي بتلك الطريقة التي تجعلني أرغب إما بتقبيلها أو البكاء.

    أزرع الغرفة ذهاباً وإياب، وأنا أمسح على شعري، وأفكر. هل عليّ مواصلة قراءتها أم عليّ تمزيقها ورميها داخل المدفأة ومشاهدتها تحترق، ثم أستعد للذهاب إلى الحفل. لكن تستوقفني الجملة التالية: “الخطأ لم يكن منك وحدك، نحن أيضاً اخطأنا، لكنك غبي، لذلك اكتشفنا أمرك، هل تعلم لماذا أنت غبي؟” أشعر بالغباء فعلاً، لو أنني لم أقع في حبها لكنت أفرغت رصاص مسدسي في رأسها مجرد رؤيتي لها. لكن كيف علموا بأمري؟ لقد تأكدت من إخفاء الجثة جيداً، فقد قمت أولاً بسلخها، ثم تقطيعها لمئات الأجزاء، ثم تأكدت أن أطعمها لكلب الجيران الذي عشت آخر عشر سنوات من حياتي متجنباً أن نكون أنا وهو لوحدنا في فناء البناية. ورغم خوفي إذ أقسم لكم أن أطرافي وحنايا قلبي كانت ترتجف، وأنا أقرب منه لحمها حتى أكمل أكلها لآخر عظمة، لكن لم أتراجع. كان من الممكن أن تظل حية، لو أنها لم تصر على الذهاب معي تلك الليلة، حتى أنها كانت ستنجو لو لم تكن مقدسة، لو لم أشعر وهي بقربي أنني أستطيع أن أحب أحداً آخر غير نفسي، وأريه الجانب المظلم مني.

    تقترب فتاة الحفل حاملة كأس آخر بيدها، كُنت سأشربه وأدعوها للجلوس، لو أن تلك تُغادر مخيلتي، ولو أني لا أستذكر كل لحظة أني شربت كأسي الأولى معها، وأنا تحت تأثير سحر عينيها الناعستين، ثم وبغير علمي وقعت في الحب. أبعدت كأس الفتاة عن وجهي، وأنا أقبّل يدها: “صدقيني، أنا لا أصلح لهذا.” تغادرني وهي تكيلني السباب واللعنات، بينما أفكّر، اللعنة، كُنت سأنجو لو أنني ذات فورة عاطفية لم أهدها وردة مشابهة للوردة التي أتتني مع دعوة هذا الحفل. أواصل مشاهدة الجميع يرقصون ويهزّون أكتافهم بمرح، ويأكلون حتى يتصبب العرق من جباههم، وتمتلئ أياديهم بالدهن، ثم أنظر للدماء في يدي، وأتذكر الفقرة الأخيرة من الرسالة: “أنت غبي لأنك أرفقت الوردة السوداء مع رسالة الدعوة التي وصلتك بالخطأ، وهذا يدل على أنك لم تدفع ثمن التذكرة، ولم تكن مدعواً أيها الكائن الطفيلي، لكننا نسامحك، يمكنك الحضور.”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة