الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : لأنه قرأ الحبر!

بريد القراء : لأنه قرأ الحبر!

حبر سري

بقلم : نوف عائض

خرج من المصعد فاستقبلته رائحة مزعجة في الردهة الصغيرة بين شقته وشقة جارته الجديدة.. أسرع نحو باب شقته وهو يستعيد يوم الاربعاء الفائت..عندما أغلق هذا الباب وغادر على عجل.. فتح الباب وأسرع يتفقّد المطبخ ثم بقيّة الغرف فلم يجد سببًا لأن تخرج تلك الرائحة من شقته..

خرج من المصعد ليجد أن الرائحة التي أفسدت الهواء تزداد تراكمًا كالمصائب لكنه يعجز عن إيجاد مصدرها بعد أن قضى أيامًا ثلاثة في بعثرة شقته وتنظيفها.. فتح الباب ودخل ليجد أن الرائحة تسللت رغمًا عنه لتنتشر خفيفة في سماء بيته.. وقف قرب باب الشقة وأعلن لنفسه أن الآوان فات ليخجل من طرق باب شقة جارته ويطلب منها أن تتفقد شقتها..ثم أكمل لنفسه بأن هذه الفرصة ستجعله يتعرّف على هذه الساكنة الجديدة التي لم يرها إلا مرتين..عندما جاءت أول مرة تحمل بعض الحقائب .. ومرّة وهي تخرج من المصعد قرب المغرب عائدة إلى شقتها وعلى ذراعها يستريح طفل جميل دامع العين…

اقترابه من باب شقة الجارة أصابه بالدوار وأيقن أن الرائحة العفنة تخرج من هذا المكان..طرق الباب قليلًا..ثم أعاد الكرّة لكنه أخذ يضرب الباب أشدّ من السابق..

خرج من المصعد ومعه حارس العمارة وصاحبها الذي يسكن في الطابق الأول..كان الحارس يؤكد أن المرأة لم تخرج من العمارة مذ جاءت إلا أربع مرّات.. كانت خلالهما إما تذهب إلى السوق أو تعود من المشفى.. أما صاحب العمارة فقد أقسم أنها سيدة فاضلة انقطعت بها السبل، وأن صلة القربى البعيدة دفعته ليسكنها هنا حتى تجد عملًا تعول نفسها وابنها..

طرقت الباب أكفّ ثلاث لكنه مازال صامتا وكأنه مؤصد على أموات.. لكن الأنوف الثلاث اتفقت أن الرائحة التي تشبه رائحة ثلاجة اللحوم التي امتلأت باللحم لكنها لم توصل بالكهرباء وشمس الصيف تلهب ظهرها تفوح من الشقة دون ذرة شك..

التقطت الشرطة عدةّ صور لجثة امرأة منكوشة الشعر تنام على بطانية التفت بإحكام على جسد طفل صغيّر ينام للأبد..وأمام بقايا الانسان طبق طعام فاسد توغّل فيه الدود وأخذ طريقه نحو الجسد الساكن دون همس..

خرج من الشقة كاللص ليدخل شقته، أغلق بابه بالمفتاح ووقف خلف الباب ليخرج من جيبه دفترًا صغيرًا كان يستقر قرب باب شقة الجارة من الداخل، رآه فأخفاه بحذائه ثم ترك منديله يقع من يده ليلتقطه مع الدفتر الصغير ويفر بصيده.. .حملق في الصفحة ليقرأ الكلمة التي وقعت عينه عليها لأول مرة فأثارت فضوله..”كان هنا..يتمدد في كل مكان..لذلك سأقتله..” قرأ الخط الأسود العريض بصوت عالٍ وقد خفق قلبه..ثم قلب الصفحة فقرأ..” سامحني بنيّ..بل أشكرني.. إذ تموت معي الآن فأنت تحيا هناك للأبد.. هناك أفضل.. أما هنا فلا مكان لنا..ثقب الإبرة هذا تكالبت عليه الأقدام..وأنا اخترت أن تنزلق رجلي لأقع..سامحني لكن ستعلو معي إذا وقعتُ أنا..سامحني..”

“بنّي، بحثتُ طويلا عن رفّ عالٍ يليق بك.. كل الأرفف سحقها الإعصار، وكل أطواق النجاة مزقتها الريح الغاضبة..سامحني بنيّ الحبيب.. المعول الذي أهشم به صخور الطريق ارتد عليّ..ولأنّي أخاف أن ينقضّ عليك ذات حزن سآخذك معي..لنرحل معًا..وليبقى الطريق هانئا سعيدًا..نحن أيضًا سنكون هناك بخير..عندما تخمد كل الأصوات للأبد..”

“المرض أبى أن يغادرك، لقد أحبّك أكثر منيّ..أيّ بنيّ..وأنا أيضا مريضة ..أمرضني الوجود..أفكّر أن نخون المرض..أن نهرب منهما لنرتمي في أحضان الموت..لكن، أتودّ الموت؟ أخاف أن تؤلمك الحياة أكثر..دعنا نفّر إلى الموت..لن نندم بنيّ..صدقني..سيحبك الموت أكثر من المرض..”

“سأخبرك بنيّ بأفضل طرق الرحيل.. أعدك أن نذهب دون دموع..سنرحل كالسراب الذي طواه ليل الصحراء الطويل.. أفكّر أن نشرب السمّ.. لكنّي لم أجد السمّ الذي تظنه أنت عصيرًا محلّى.. ترى..كيف أجعلك ترحل وعيونك تضحك؟!!سامحني بنيّ..لا ذنب لك.. أنا التي لم تعتد تحتمل..”

خرج من شقته بعد أن أغلق الدفتر دون أن يكمل بقية الصفحات..نظر نحو باب الشقة المجاورة..فرأى الباب مغلقًا.. شدّ على الدفتر في كفه..ثم عاد راجعًا وكلمات الدفتر تجثم على قلبه..

خرج الحارس من المصعد مع صاحب العمارة ليقفا قرب باب شقة في الطابق الثالث..قال الحارس وهو يطرق الباب وعينه على وجه صاحب العمارة: “لاأعرف ماأصابه لكنه قال لي قبل أسبوع أنه يشم رائحة الموت.. لاأدرى..ربما أطار عقله انتحار تلك المرأة..ألا تذكره ليلة عرفنا انتحارها؟! لقد نزل من شقته يجري كمجنون وهو يقسم لنا أنه مطارَد..ولولا أننا أوقفناه لربما قتل نفسه دون علمه.. ” 

هزّ صاحب العمارة رأسه وأكّد : “أتذكره..لكنّي لم أفهمه.. ” ثم سأل متعجبا:” ألم يقل لنا أنه اختار الانزلاق لأنه قرأ الحبر؟! ترى أي حبر يقصد؟!”

 رد الحارس:” لاأعرف..لكنيّ  أظنه _كما قلت_فقد عقله! ..” 

بدأ صاحب العمارة يطرق الباب مع الحارس.. وقفا يطرقان الباب والرائحة تحوم حول الجسد وهي تهمس لهما أن الوقت لم يحن بعد ليلتقطها أنفيهما..لكنها تتمدد متجهة نحو الباب..عابرة بجسدها الأثيري دفترًا صغيرا ألتصقت به أحرف خط أسود عريض تشكل كلمة كأنها تقول: “في العدم يكون الوجود..”

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة