الرئيسية / احدث التدوينات / بيت الانداية

بيت الانداية

علاء الدين

بقلم: علاء الدين أحمد إبراهيم

    تيار الهواء المندفع من أحد الإتجاهات كان يُقسر القصب على إصدار أزيز أشبه بتأوهات العاهرة المتمرسة. قرص الشمس الذهبي يرسل سهام أشعة خجولة، بدأت لتوها تنساب إلى الداخل عبر مساحات صغيرة بين أعواد قصب “الراكوبة”، لترسم خطوطاً مذهّبة عريضة هشّة أشبه بقضبان السجون على جلبابه وجسده وعقله المعتق برائحة الخمر البلدي “المريسة”، والذي كان ذريعة لخيالات ضالة أن تراوده عن نفسها، وتتخذ من الأخير معقل ومقام.

    بدت على قسمات وجهه تعابير الوجوم والغضب، وازبدّ فمه الممتلئ بكلمات بذيئة لم يُوفّق بإلقائها على وجه حارس السجن في الخارج، والذي ظهر فجأة دون مقدمات، وبدأ يرمقه من بين القضبان المرسومة على جسده بنظرات مِلؤُها التهكم تارة، وتارة يلتقط له عدة صور فوتوجرافية بجواله الخلوي، بينما هو في وضع أقرب إلى العُري التام. لكن في الحقيقة الحارس كان بريئاً من كل ذلك، فكان يستمع عبر هاتفه لأغنية أجنبية لمغنٍ لا أذكر اسمه تحديداً، فما يهم هنا هو أنها نالت نصيب الأسد من إعجابه، مما هدأ ذلك من روعه قليلاً، وأنساه أمر النظرات الساخرة للحارس الضبابي بالخارج، وأمتص الحقد الذي كان يكنه تجاهه. فحوى الأغنية أن أحد البؤساء أرهق ذهنه طويلاً، وأدمن التساؤل إلى ما ستؤول إليه حياة البشر بعد الهلاك الأكبر، أو الموت بعبارة أخرى.

    ذات مرة، احتسى كميات مهولة من المريسة، حتى ثمل “وقف لمبة”، فلم يجد بداً من نومة هانئة، وفي منامه رأى حلماً غريباً، فما أن وضع رأسه المثقل بالأسئلة الفلسفية التي استعصت عليه على الوسادة حتى أحسّ بأنه تحوّل إلى صندوق خشبي صغير وسط غابة مسيجة كثيفة ومتنوعة تتخللها جبال وتلال رملية صغيرة*. بدأ يتسلق الأشجار والتلال الرملية بمرح مع أقرانه الصناديق بالغابة الكثة. يضاجع ما أشتهى من حسان الصناديق الخشبية، يقطف ما لذّ له من طيب الثمار، مع الزمن أخذت أي الصناديق الخشبية، تكبر وتكبر وتكبر، إلى أن بلغت أشدها في لحظة ما، وسيطرت على مقاليد كل الأمور تقريباً بالغابة، رغم حداثة سنها، وضآلة حجمها، ووداعتها، قياساً ببقية قاطني الدغل القدامى. عندما تقدم بها السن استطالت الصناديق وتحولت إلى توابيت كبيرة عملاقة وأختفت. استيقظ من نومه وأمارات الإستغراب من غرابة الحلم الذي لم يتمكن من تذكر باقي تفاصيله ظاهرة على وجهه دون أن يعير أدنى إهتمام لكلمات المومسة التي لمّحت له بعبارات تطعن في رجولته بدهاء ضمن عدم خسارته كذبون. رغم أنه لم يجد أحد يؤوِل له رؤياه. إلا أنه منذ ذلك الحين أصيب بفوبيا الصناديق الخشبية، وأدمن ارتياد بيوت صانعات المريسة وبائعات الجنس.

    قرص الشمس إحتل مكاناً مميزاً بمنتصف زرقة السماء كحب صادق بقلب محب مخلص، ومستمراً بلا هوادة في إرسال أشعته التي بدت الآن أكثر سخونة. ازدادت هواجسه وكبرت فقاعات الانتشاء بداخله تباعاً لازدياد قوة ووضوح القضبان المرسومة على جسده شبه العاري، “يا الله، لقد صارت القضبان حديدية!” قالها بصوت من يئس من أمرٍ ما.

   فعل كل ما يفعله الأغلبية غيره في السجون، بأن كتب شعر المنفى، الوطن، الحرية، الثورة، الخمر. سجنه كان مظلماً، ورائحته مقززة منفرة، يبدو أن أحدهم كان يتخذه مكاناً للتبول والتغوط، قبل أن يجيئوا به إليه، لكن عبق رائحة الخمر التي التصقت بأرجاء جدرانه تغوي بالمكوث أطول خلف قضبانه الشعاعية، كما أن في الضفة المناظرة من بقايا هلامية في الذاكرة المخمورة لليالي خميسية حمراء متمثلة في النساء اللائي ضاجعهن في لياليه الفاجرة، تدفعان لديه الرغبة في الخلاص والتحرر من تلك القضبان، التي لا يملك لمن أودعوه خلفها سوى السباب والشتائم.

    كان ذهنه ملتهباً بالتفكير في طريقة الانتقام المناسبة التي يستحقها جليسه “ببيت الإنداية” والذي كان ضمن من قضبوا عليه، وزجّوا به في سجنه الضوئي هذا، لكن تساؤلاتٍ ميتافيزيقة قديمة متعلقة بالإنسان ومصيره بعد موته قطعت حبل استرسال أفكاره الشيطانية تلك، قفزت إلى ذهنه كقرد مشاغب بعد عصور من الضياع والتيه بين عقول الفلاسفة والمفكرين العِظام، دون أن تحظى بأجوبة يقينية، وبلا أدنى مبالاة حاول أن يبتسم ساخراً منها، لكنه تفاجأ بعدم وجود أسنانه. ترك التساؤلات وشأنها، وبدت على محياه علامات القلق والانشغال بأمر أسنانه المفقودة.

    عندما فشل بإيجاد أجوبة مقنعة تريح ضميره، وتبدد قلقه بعد طول تفكير، عزّى فقدانه لأسنانه في آخر الأمر إلى أنه ربما فقدها ليلة البارحة، عندما داهموه واقتادوه إلى هذا المكان فور خروجه من بيت الإنداية. قوم ملثّمون بملافح لا تقل قذارة عن أجسادهم، ترجلوا من عربة لاند كروزر ذات دفع رباعي، يتحدثون بلغة وطريقة غريبة. حينما رأى رفيقه في ارتياد بيت الخمر ضمن الفريق، تحررت من بين أسنانه البيضاء المتباعدة ضحكة مجلجلة، ظلت تناضل طويلاً بجسارة عن الخلاص والتحرر. فتطوع أحدهم بتوجيه ضربة ملء قبضة يده “بُنية” على فمه الضاحك، ليفقده الرغبة في مواصلة الضحك. تبرع نفس الشخص الذي اغتال ضحكتهُ بملفحه ليعصبوا بها وجهه، بعد أن حلقوا شعره الكث، وضربوه سياطاً لا يعرف عددها، وأقتادوه بعدها إلى هذا السجن، عبر طرق طويلة وعرة وملتوية، لا تزال ذاكرته المعصوبة تحفظ تعرجاتها.

    عندما داهم النعاس الشمس، وغادرت إلى مضجعها وراء الأفق، لاحظ أن  باب الراكوبة بدأ في الظهور، إذ بدأ كمربعات صغيرة باهتة تفج القصب بريبة شديدة، وأخذت تكبر وتكبر وتكبر ببطء مبعدةً القصب، إلى أن بلغت أشدها، وتجمعت في نقطة واحدة، لتكوّن مربع واحد كبير، والذي بدأ بدوره هو الآخر يكبر، ويستطيل إلى أن إستوى باباً، أي إستوفى أغلب الشروط التي إستحق عليها مسماه “باب”.

    مع حلول المساء إنقشعت بالكامل آخر غيمة سكر كانت تظلل عقله. وإلى تلك اللحظة كان مصمماً على الإقلاع عن تعاطي الخمر تماماً، لقناعة تشكلت لديه أثناء تواجده نزيلاً بالسجن الضوئي، لكن دفقه بجوفه لآخر قطرات المريسة المتبقية بقاع القارورة الكبيرة، هدت عزمه، وأوقدت لديه نية باهتة بمعاودة الكرّة مجدداً، بأن يتجه إلى مكمن النشوة، ويملأها من جديد.

    إرتدى جلبابه (جلابيته)، وقام بالتقاط القصائد المغبرة الملقاة على الأرض، وجمعها في ديوان كبير، حمل فيما بعد اسم بيت الانداية. كما أنه لم ينسَ أن يغير سرواله الداخلي الذي تعطن برائحة البول والبراز، وتبلل من الأمام بمواد لزجة. تردد كثيراً قبل أن يؤثِر الذهاب لتعبئة القارورة وقضاء ليلة رومانسية ممتعة مع إحدى المومسات على البقاء بالغرفة المقززة الرائحة والمعتمة كيوم انتحار الضوء وميلاد الظلم والظلام. في الداخل ثمة وحوش* عملاقة شرهة تقترب منه وهي فاغرة أفواهها الكبيرة، كما لو أنها ترغب بالتهامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*التلال والجبال رمز للحياة الفاضلة، في مقابل الغابة التي ترمز للحياة الآثمة “الكتاب المقدس”.

*الوحوش رمز الخطايا التي تبعد الإنسان عن الحياة الفاضلة

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة