الرئيسية / احدث التدوينات / تحِنُ لذاتها الأشياء

تحِنُ لذاتها الأشياء

دعاء1

“تحن لذاتها الأشياء*

تغربنا فصرنا زمرة الغرباء

نتوق لانشطار الذات عسى ستعيدنا الأشلاء

رحيل ما يفرقنا ليجمعنا زمان ما

تحن لذاتها الأشياء.”

محمد فقدة

     تأخذ العزلة (عـ)ينها من اسمي وتمنحني (زلة) ذاكرة مُتخمة بلحظات الوحدة المؤنسة. تلك التي تعقب ملاقاة جمع من الأصدقاء. أخلع فيها ما تبقى من ضحكات الأمسية، وأعلّقها على مشجب بظهر الباب ينؤ بحمل ذكرى رحيلك في المظلة المطوية، ففكرة أن أفتحها تحفّز حاسة المطر، وغرفتي بجدرانها المتشققة لا يناسبها غير الجفاف. أُخرج جحيم دانتي من تحت الوسادة، وأقرأ قليلاً علّيّ أجد سلوى ما رفقة فرجيل، لكن الألم يطن برأس الغرفة، فأضعه جانباً، وأطفئ المصباح متمددة في صمتي حتى يأخذني النعاس. وصمتي هنا ليس إلا انعكاساً لروح الفينومينولوجيا التي تبحث في خبرة الوعي الصافي عن ذاته، دون حاجة لما هو خارجها من خبرات مكتسبة لاحقاً في حياة المرء. فإذا سمحت لنفسي بتعقب رؤية هوسرل هذه في سبيل تزكية اللا فعل، حينها نلجأ إليه كشكل من أشكال الصمت المتعددة، فإن أول ما يتبادر إليّ هو مقولة هنري ميلر التي رافقتني منذ 2015، وكانت خير موجّه خفي لي حين يعترضني شيء من قلق الحياة المعاصرة، فيقول: “الإسترخاء لهو أول ما على الراقص تعلُّمَه، وأول ما على المريض تعلمه، كذلك عند مقابلة المحلل النفسي (أعتقد أنه يتحدث عن التحليل النفسي، لأنه إن كان يقصد الطبيب لأسماه طبيباً، كما أن الإسترخاء هو حقاً من خصاص جلسات المحللين النفسيين). والإسترخاء هو أول ما على المرء تعلمه بغيّة العيش. وهو مرهق لأنه يعني التسليم والتسليم المطلق.”1 هوسرل الذي يرى أنه بالوعي نستطيع الوصول لحقيقة الأشياء دون الوقوع في دوامة الأحكام الجاهزة، والركون إلى المسلّمات، ودون حاجة للعالم الميتافيزيقي الذي يدّعي امتلاك أصل الأشياء. والعزلة حسب هوسرل هنا هي العزلة عن الذات والأشياء، حين يكون المرء رفقة الآخرين، وتحت تأثير اللغة والمنطق والمجتمع، والتي بدورها تقبع خارج وعي الذات المباشر.

     في مجلدها الأول (حياة العقل: التفكير) تذكر حنة آرندت في مقدمة بحثها جملة عن الوحدة المؤنسة: “سأنهي بحثي حول الحياة الفعلية بجملة غريبة نسبها شيشرون لكاتون، المتعوّد على ترديد “بأن الإنسان لا يكون أكثر نشاطاً إلا عندما لا يقوم بشيء، وأنه ليس أقل عزلة إلا في الوحدة”. وإن افترضنا أن كاتون على حق، فإن الأسئلة تتسارع في الذهن: ماذا “نفعل” عندما لا نقوم إلا بعملية التفكير؟ وأين نكون عندما نجد أنفسنا رفقة ذاتنا، بينما يكون الآخرون عادة وعلى الدوام رفقة آدميين؟”2 سأحاول بدوري هنا أن أترك لكم حرية الإجابة، وأقدم بالأحرى ما يترتب في رأيي عن تقمص حالة اللا فعل، بغية القبض على قبس من توق الذوات للعودة إلى وعيها الصافي.

     كنتيجة أولى على ما يترتب من حالة اللا فعل، نلاحظ أن الأشياء ترسخ في الذاكرة بصورة أعمق كما لو أننا اكتسبنا قدرة خارجية لفعل ذلك، بينما لم تكن هي غريبة في الأساس، وإنما تقبع في خفايا الوعي. فلا تزال دعاء المراهقة تنقل لي مشهد الراعي النحيل وسط خرافه، ممسكاً بقصبة نايه، ونافخاً فيها لحنه الجميل المتسرّب لأذني، بينما أجلس في فتور ما بعد السفر على أريكة المنزل، ونحن في قمة إحدى جبال إيران الشمالية. يظل وصف أمي لهذا الحدث من نافذة الصالون راسخاً فيني، رغم تعمّدي تغييب المنظر عن عينيّ حينها.

     تتضح هذه الفكرة أكثر في كتاب البريطاني ألدوس هكسلي بمقاله الأدبي تحت عنوان (تأملات حول إل جريكو)، يتحدث فيه عن ترف الجهل، حيث نراه يقر بنهايته أن “النقد المتصور هو نوع من فن التجاهل.”3 فيصبح الخيال هنا فعّال لدرجة الخوض في النقد، رغم عدم تعمد تحفيز العقل. يصبح النقد حينها أقرب إلى الاتجاه ناحية اليسار، إلى اللاوعي، العالم الأقرب للطبيعة بعيداً عن سجن المنطق، وبالتالي يختلف هذا النقد في مشهد واقعي جمالي أو نص أدبي نقرؤه دون البحث عن شروحات له في كونه نوع من الاستسلام الحر و تقبل هذه الحالة.

    في حادثة مشابهة قريبة منذ سنة، وأنا مأخوذة برقصة فراشة حول عود ذرة يقف وحيداً في الحقل، نبهني رفيقي لفكرة اقتناص اللحظة، وحين أضاء الفلاش المشهد بصوته الخشن طارت الفراشة من فورها خارج العدسة. واليوم حين أعود لتلك الصورة فإني لا أرى شيئاً عدا تلك الفراشة في الحقل! فها هو الخيال ينحت الذكرى أكثر حين لا يكون مؤطراً.

    نجد كذلك في رواية (إلى المنارة) للبريطانية فرجينيا وولف وصفاً لشخصية ليلي بريسكو، وهي غارقة في هذه الحالة: “وجدت نفسها ترسم تلك اللوحة، تمرر نظرها عليها، وتحل العقدة في خيالها. هناك تبدى لها عظيم الاختلاف بين هذا التخطيط البهيج، بعيداً عن اللوحة الزيتية، وبين أن تتناول فرشاة الرسم حقاً وتباشر بأول ضربة.”4 فبدل أن تُجهد ليلي ذاتها أكثر من طاقتها في كيفية إتقان لوحتها، جربت أخيراً بمنتصف الرواية أن تسترخي أولاً. أليس الأفضل أن نمتلك القدرة على الثقة بما نمتلكه كجزء من كينونتنا، وأعني هنا الثقة بالخيال، وفسح المجال له ليتجلى من خلالنا بدل السعي الغير منتهي لمحاولة الإمساك باللحظة، أو منطقة الأشياء وحلها بصور معقدة؟

    كنتيجة ثانية، فإن اللا فعل متمثلاً في الصمت، يكسبنا نوع من السلطة الخفية. حين تجرب أن تتخلى عن أناك رفقة الآخرين، وتترك ذاتك بعيداً في البيت ربما، أو في قلب حبيبة بعيدة، ينتاب الذي يحاورك استرخاء روحي، ويشرع في الحديث بسلاسة، بينما البعض الآخر قد ينزعج من سلطة الصمت التي بتّ تملكها دون إرادة مباشرة منك، فيبتعدون حتى ينتفي لديهم الشعور بأنهم مراقبون، أو مضطرون للبقاء والحديث لنفض توترهم.

    تشرح سونتاج في مقال لها بعنوان (جماليات الصمت) ما يميز رؤية المخرج بيرغمان للشخصية: “الطرق التي يثير بها الغموضُ القلقَ ويزعزع الروحانية، هي الفكرة الرئيسة لشخصية بيرغمان. تصبح الفكرة مدعومة بواسطة صفتين أساسيتين تدعو المرء لاكتسابها كردة فعل لصمت الممثلة المتعمد. باعتبار الأمر قرارها الشخصي، هو كما يبدو الطريقة التي اختارتها لتبدي أمنيتها للطهر الأخلاقي، ولكنها أيضاً، كسلوك، وسيلة للقوة، نوع من السادية، منصب تخيلي منيع للقوة يمكن من خلاله أن تتلاعب وتحير مرافقها، المكلَّف بحمل عبء الحديث.”5.1

    ثم تترك سونتاج السينما، ونتجه لشرح ذات الأمر في الكتابة، وخصوصاً في أدب كافكا وبيكيت: “حين يتحول “المعنى”، جزئياً أو كلياً إلى “استعمال” في حد ذاته فإنه يكون السر وراء أسلوب الحرفية المنتشر، وهو تطور سامي لعلم جماليات الصمت. التنوع في هذه الحرفية المتوارية يتمثل عند كتّاب مختلفين من مثل كافكا وبيكيت. يبدو سرد كافكا وبيكيت محيراً، لأنهما يبدوان كما لو يدعوان القارئ لنسب معنى رمزي ومجازي عالي له، ونبذها بذات الوقت. الحقيقة أن لغتهما عند تمحيصها لا تكشف أكثر مما تعني حقاً. قوة لغتهما تنبع بالتحديد من حقيقة أن المعنى عارٍ، وتأثير هذا العُري يبعث على القلق، مثل ذلك الذي ينتاب المرء حين لا تكون الأشياء المعتادة في أماكنها، أو تلعب دورها المألوف. بإمكان المرء أن يقلق تجاه حرفية غير متوقعة كما يقلق حيال أعمال السرياليين “المربكة” والمستوى الغير متوقع، وحالة المواد الموحدة في لوحات الطبيعة المتخيلة. أيا ما كان غامض هو بذات الوقت مريح جسدياً ومحفّز للقلق. إن الآلة المثالية لتحفيز مثل هذين الشعورين المتناقضين هي: لوحة بوش في متحف هولندي، والتي تظهر فيها أشجار بأذنين على جانبي جذوعهم، كما لو كانوا يستمعون إلى الغابة، بينما تتناثر عيون على أرضية الغابة. أمام عمل فني مكتمل بوعيه يشعر المرء بمزيج من القلق، الإنفصال، الشهوانية، وشعور بالإرتياح كالذي يجتاح المرء السليم جسدياً حين يلمح شخصاً معاقاً. يتحدث بيكيت بحب عن عمل فني يكون “موضوعة شاملة، مكتملة المادة مع أطراف ناقصة، بدلاً عن مادة جزئية. هناك إذن مسألة تدرج.”5.2

     كنتيجة ثالثة لاعتناق فضيلة اللا فعل في حياتنا، يتداعى الخيال في حرية، ويسمح لنا الصمت برؤية الأشياء بما هي عليه. تظهر هذه الفكرة أكثر ما يكون عند الفنانين والشعراء السرياليين الذين احتضنوا معنى الفينومينولوجيا، ومدى التقاطها للخبرة الحدسية في أنقى ما يكون. فكانوا أقدر على نقل عوالم الأحلام، اللاوعي، وما قبل اللغة إلى لوحاتهم وأعمالهم النحتية. تتحدث سوزان سونتاج ببداية مقالها عن الصمت متجلياً في الفن: ” تضع الخرافة الأحداث المستمدة من مفهوم ما بعد – نفسي للوعي، الكثير من التناقضات بداخل ممارسة الفن لبلوغ حالة مطلقة للوجود يصفها الصوفيون العظماء. وكما يجب للتصوف بأن ينزع إلى الفناء، غياب الإله في النظرية اللاهوتية، والتوق إلى سحابة الجهل ما وراء المعرفة، وللصمت ما وراء الكلام، كذلك لابد أن ينزع هكذا فن إلى نقيض – الفن، إقصاء “الموضوع” (“الذات،” “الصورة”)، استبدال الصدفة محل النية، والسعي إلى الصمت.”5.3

     أذكر يومها تحركت بنا الحافلة بخفة، رغم حملها الثقيل في طريق حارق إلى الشمالية، وامتدت أغصان الأشجار الرفيعة المنتشرة بعشوائية على الأطراف حاضنة للحافلة التي تقلنا لتضعها في إزاحة متقدمة حتى تقصر المسافة علينا. بينما تنتشر بيوت مكعبة تستمد طبيعتها الغرائبية من لوحات الإسباني سلفادور دالي. كان تكرارها بذلك الإيقاع يوحي بأن الزمن متوقف، وقد تخلى أخيراً عن تمثيلية سريانه المتتابع في خط مستقيم ومضجر. لكن يبدو أن حتى ذلك لم يمنع المسافة من أن تبالغ في استطالة، لا تنتهي رغم محاولات الأغصان المرهَقة.

     ثم تذهب سونتاج في مقالها إلى نقطة أبعد، متحدثة عن قوة النفي في الفن: “بإلتزامي للفكرة القائلة بأن قوة الفن ترتكز في قوة نفيها للشيء، فإن السلاح المطلق للفنان في حربه المتعارضة مع جمهوره هو أن يجاور الصمت أقرب فأقرب. يمكن كذلك للفجوة الحسية أو التصورية بين الفريقين وفراغ الحوار الغائب، أو الممزق أن يشكل الأساس لإثباتات زاهدة. يتحدث صامويل بيكيت عن: “حلمي عن فن غير ممتعض بشأن عوزه الملازم له، ويترفع عن تمثيلية الأخذ والعطاء.” ولكن ليس هنالك من إلغاء لأدنى إجراء، أدنى تبادل للهدايا، كما أنه لا وجود لزهد ذو موهبة ودقة لا ينتج عنه مكسب (بدلاً عن الخسارة) ضمن ما تملكه المتعة من أهلية.”5.4

     تفسّر هذه الفقرة رغبة المؤلف الأمريكي سالينجر في أواخر حياته بالانعزال بعيداً عن عالم النشر، حد إلتزامه بعدم نشر أي كلمة إضافية منذ اتخذ قراره هذا، وتفضيل ممارسة الكتابة لأجل متعتها، بدلاً عن ذلك في وقت كان النشر هو هدف الكاتب، وليس مجرد وسيلة لوصول الكلمة. وهو في صمته البوذي في أحضان الغرب يُقدّم لنا درساً يحتذى به في احترام مقام الكلمة المكتوبة.

    وهكذا حين لم يكن بمقدوري سماع صوتي الداخلي في عزلتي الأولى بمدينة كوانتان، كان صوت التشيلو العميق، والغليظ في لحنه يثبتني في الأرض حتى لا أنجرف بعيداً عن ذاتي. اكتفيت بتلك الآلة، فلم تكن غيرها من الآلات الموسيقية لتخاطبني بصورة مباشرة، بمداها الواسع الانتشار، والذي يتيح لك استماع أفضل كلما ابتعدت عنها، علمتني آلة التشيلو أن أكون على مسافة كافية من ما يرتبط بصوتي من غيمة الأفكار والمشاعر المتقلبة في ضبابيتها، حتى يتسنى لي سماع صوتي وحده، كما هو في هدوئه، فالغابات لم تكتسب معناها إلا من الصحراء.

    حقاً شكّلت العزلة بالنسبة لي حالة من الصمت. صمت للعقل وللحواس، حتى أصبحتُ كمرآة لسطح بحيرة ساكنة، تنعكس لي حقائق الأشياء ومعادن الناس. وهكذا أخرج من تأملاتي تلك، وأخلق شيئاً من اللا فعل، من هذه التلقائية التي تعلمتها من السكون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عنوان القصيدة في المستهل.

  1. “To relax is, of course, the first thing a dancer has to learn. It is also the first thing a patient has to learn when he confronts the analyst. It is the first thing any one has to learn in order to live. It is extremely difficult, because it means surrender, full surrender.” Henry Miller

https://www.brainpickings.org/2012/10/09/the-wisdom-of-the-heart-henry-miller/?fbclid=IwAR0Cwrg9bOBjcytI3OsWqOItcB7632xURHWw-NMVtVkxTxhiQ0ONHpW-Le0

  1. حياة العقل: التفكير، تأليف حنّه آرنت، ترجمة أ. نادرة السنوسي، ابن النديم للنشر و التوزيع، دار الروافد الثقافية- ناشرون، الطبعة الأولى 2016، ص 18- 19، ص

  2. Music at night And Other Essays, Aldous Huxley, Published by Chatto & Windus Ltd, London 1957, P. 68

“Imaginitive criticism is essentially an art of ignorance.”

النقد التخييلي هو في الأصل ضرب من فنون الجهل

  1. To the Lighthouse, Virginia Woolf, Harper Collins Publishers, London 2013, P. 145

“She found herself painting that picture, passing her eye over it, and untying the knot in imagination. But there was all the difference in the world between this planning airily away from the canvas, and actually taking her brush and making the first mark.” P. 145

ألفَت نفسها ترسم تلك الصورة ومررت عليها عينها حالَّة بذلك عقدة الخيال. (باقي ترجمتك جيدة)

  1. Collection Styles of Radical Will, Susan Sontag, Picador 2002, Pgs. 9, 16, 1 & 3

“The ways in which this opaqueness induces anxiety, spiritual vertigo, is the theme of

Bergman’s Persona. The theme is reinforced by the two principal attributions one is invited to

make of the actress’ deliberate silence. Considered as a decision relating to herself, it is apparently the way she has chosen to give form to the wish for ethical purity; but it is also, as

behavior, a means of power, a species of sadism, a virtually inviolable position of strength from which to manipulate and confound her nurse-companion, who is charged with the burden of talking.” P. 9

““Meaning” partially or totally converted into “use” is the secret behind the widespread

strategy of literalness, a major development of the aesthetics of silence. A variant on this:

hidden literality, exemplified by such different writers as Kafka and Beckett. The narratives of

Kafka and Beckett seem puzzling because they appear to invite the reader to ascribe high powered symbolic and allegorical meanings to them and, at the same time, repel such

ascriptions. The truth is that their language, when it is examined, discloses no more than what

it literally means. The power of their language derives precisely from the fact that the

meaning is so bare. The effect of such bareness is often a kind of anxiety — like the anxiety one feels when familiar things aren’t in their place or playing their accustomed role. One may be made as anxious by unexpected literalness as by the Surrealists’ “disturbing” objects and

unexpected scale and condition of objects conjoined in an imaginary landscape. Whatever is

wholly mysterious is at once both psychically relieving and anxiety provoking. (A perfect

machine for agitating this pair of contrary emotions: the Bosch drawing in a Dutch museum

that shows trees furnished with two ears at the sides of their trunks, as if they were listening to

the forest, while the forest floor is strewn with eyes.) Before a fully conscious work of art, one

feels something like the mixture of anxiety, detachment, parturiency, and relief a physically

sound person feels when he glimpses an amputee. Beckett speaks favorably of a work of art

which would be a “Total object, complete with missing parts, instead of partial object.

Question of degree.”  P. 16

“The newer myth, derived from a post-psychological conception of consciousness,

installs within the activity of art many of the paradoxes involved in attaining an absolute state

of being described by the great religious mystics. As the activity of the mystic must end in a

via negative, a theology of God’s absence, a craving for the cloud of unknowingness beyond

knowledge and for the silence beyond speech, so art must tend toward anti-art, the elimination

of the “subject” (the “object,” the “image”), the substitution of chance for intention, and the

pursuit of silence.” P. 1

“Committed to the idea that the power of art is located in its power to negate, the

ultimate weapon in the artist’s inconsistent war with his audience is to verge closer and closer

to silence. The sensory or conceptual gap between the artist and his audience, the space of the

missing or ruptured dialogue, can also constitute the grounds for an ascetic affirmation.

Samuel Beckett speaks of “my dream of an art unresentful of its insuperable indigence and

too proud for the farce of giving and receiving.” But there is no abolishing a minimal

transaction, a minimal exchange of gifts, just as there is no talented and rigorous asceticism

that doesn’t produce a gain (rather than a loss) in the capacity for pleasure.” P. 3

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان