الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كيف حكمت إمبراطورية الإنكا وازدهرت وسقطت دون الكتابة؟

ترجمات خاصة: كيف حكمت إمبراطورية الإنكا وازدهرت وسقطت دون الكتابة؟

idea_sized-emperador_atahualpa_1500-1533_-_ahg

(الصورة لسابا إنكا)

لقراءة الموضوع الأصلي إضغط ( هنا )

بين العقد الرابع من القرن الخامس عشر الميلادي ووصول الإسبان سنة 1532 احتل شعب الإنكا وحكم إمبراطورية تمتد لمساحة 4 آلاف كيلومتر على طول قمم جبال الإنديز من كيتو عاصمة ما يُسمى الآن الإكوادور وحتى سنتياغو في تشيلي. وهي الأرض التي كان يعرفها غُزاتها باسم (Tahuantinsuyu) أي أرض الأجزاء الأربعة والتي تضم بين جنباتها حوالي 11 مليون نسمة من 80 عرق مختلف لكل منهم لهجته، آلهته وتقاليده، ولم يشكل شعب الإنكا -النخبة الحاكمة-أكثر من 1 بالمئة من هذا العدد.

كان كل جانب من جوانب الحياة في أرض الأجزاء الأربع من العمل، الزواج، السلع الضرورية، طريقة اللبس كانت خاضعة لقوانين للتنظيم، و أعُيد توطين حوالي 30% من سكان الإمبراطورية قسرًا إما للعمل على مشاريع اقتصادية للدولة أو لتفرقة معاقل المقاومة. وبالرغم من كل التحديات الموجودة على أرضٍ بهذا الاتساع فقد شُيدت أيضًا شبكة هائلة من الطرق والجسور لضمان تحصيل الضرائب بانتظام من المخازن الواسعة المشيدة على مسافات متباعدة على طول الطرق السريعة الرئيسية. هذه الموارد تُوزع لاحقًا حسب ما تمليه الاحتياجات العسكرية أو الدينية أو السياسية.

ويُشير كل هذا إلى أن سابا إنكا -الإمبراطور-حكم تلك الأرض بحرص وربح، بل وإنه فعل كل هذا دون أن يكتب أي حرف فالإنكا لم يبتكروا أية حروف أبدًا. هل تُركوا ليعملوا على نجاح مصيرهم؟ فلربما استمرت شؤون الدولة على منوالها لعقود وربما حتى لقرون، لكن سوء حظهم كان بأن وجدوا أنفسهم في مواجهة الأكثر تفوقًا حربيًا بل والأدهى بمواجهة ثقافة مُشبعة بالقراءة والكتابة. ونتيجة لذلك لم تدمر إمبراطورتيهم وحدها لكن ثقافتهم ودينهم اندثر وانطمس أيضًا.

عوضًا عن الكتابة كانت أداة الإنكا البيروقراطية الأساسية هي الكيبو (khipu) والتي تتألف من عددٍ من السلاسل أو الخيوط المصنوعة إما من القطن أو الصوف يتخللها عُقد مرتبة بانتظام ومتدلية من خيط أكبر أو من لوح خشب، كما يمكن أن تضم الخيوط المعقودة خيوطًا فرعية أخرى. وكانت أساسات الممارسة المحاسبية للكيبو هي النظام العشري وذاك بربط العُقد بين حلقة وتسع حلقات أخرى لتساوي الأرقام الفردية، ومن ثم إضافة المزيد من التفصيلات لتحديد العشرات والمئات والألوف. وبتنويع طول وعرض ولون وعدد الخيوط المعقودة والعُقد ذات الألوان والأشكال المختلفة للتفريق بين المقصود بها، وبذلك حول الإنكا الكيبو إلى جهاز متفوق لتدوين و مراقبة وحفظ البيانات.

كانت الاستخدامات الأساسية التي ابتكرت الكيبو لأجلها هي: أولًا تدوين الولادات والوفيات وتنقلات الناس، وهكذا سيكون بين أيديهم سجل إحصاء سنوي يُمكن بناءً عليه تقييم إعادة توزيع العمالة المحلية والعسكر والثروات. كما استخدمت أيضًا لحساب السلع الأساسية وخصوصًا الضريبة التي تدفعها الأقاليم المُحتلة كالدفع بالذرة وحيوانات اللاما والملابس (لم يكن هناك أي عملة مصكوكة) فالذرة مثلًا يمكن أن يُرمز لها بالخيط الأصفر واللاما بالأبيض وهكذا. ذُهل الأسبان الأوائل على التركات بمدى دقة حسابات الكيبو فحسب ما كتب بيدرو دي سيزا دي ليون في أواخر العقد الرابع من القرن الخامس عشر: “كانت الحسابات دقيقةً جدًا حتى أن زوجًا من الصنادل ما كان ليضيع”.

كان تعلم ما أسماه علماء الأنثروبولوجيا “ثقافة الكيبو” إجباريًا على عددٍ محددٍ من النشأ البيروقراطي (khipukamayuqs) من كل إقليم؛ لهذا كانوا يُرسلون إلى كوسكو ويتعلمون أيضًا لهجة الإنكا المُسمى الكيكو (Quechua) وكذلك يدرسون دين الإنكا. كمعظم الحكام الإمبراطورين غزا الإنكا باسم أيدولوجيتهم: عبادة آلهتهم الأساسية الشمس وابنه على الأرض سابا إنكا. وكانت عبادة الشمس قسرية في أنحاء الإمبراطورية، وكان يُخصص جزءٌ ضخم من الموارد لإقامة دورة سنوية من الاحتفالات الدينية والطقوس وإعالة الكهنة الذين أصبحوا عاملين في معابد الإمبراطورية المنتشرة في أنحاء المعمورة. بالرغم من ذلك قبل الإنكا وتسامحوا أيضًا مع وجود الآلهة المحلية والتي لو نُظر إليها بعين الاعتبار وبفاعليتها لربما اتحدت مع آلهتهم في هيكلها.

يصعب معرفة كيف كان للكتابة الأبجدية أن تجدي أكثر في إدارة الإنكا لمعابدهم: فهذه لم تكن إمبراطورية محكومة بالقوة والسيطرة ولكنها كانت عصابة تُدفع لها الضرائب وأقاليم مخلصة سياسيًا. ففي ميادين حكومية أخرى كالقانون مثلًا كانت الكتابة بلا أدنى شك ستحدث فرقًا سيتسبب على الأرجح بتطوير أبجديات القانون المكتوبة بل وحتى في كتابة “الدستور”. ولكن ونظرُا لعدم تطور الكتابة أبدًا ظل الحكم الإمبراطوري ضعيفًا في إضفاء الجانب المؤسسي عليه، مما أدى إلى تركيز السلطة والمنصب أي أنه حين عزل سابا إنكا فلن يظل الكثير للاعتماد عليه. 

لذا حين أسر فرانشيكسو بيزارّو و 200 تقريبًا من رجاله الفاتحين سابا إنكا أتاهوالبا في كاخاماركا في السادس عشر من نوفمبر من سنة 1532 بقي مركز الحكم بلا رئاسة و في حالة من الفوضى. وكان الاضطراب الذي لحق أسر سابا هو البوتقة التي ساهمت في صهر وتشكيل العالم الجديد لإمبراطورية اسبانيا.

سبق أسر أتاهواليا حادثة تحمل بين طياتها معنى وأهمية في نشأة الإمبراطوريات الأوروبية على الصعيد العالمي. كان أول أسباني وصله بعد دخوله الساحة العامة الكبرى في كاخاماركا هو الراهب الدومينيكي فيسينت دي فالفيردي يحمل بإحدى يديه صليبًا وبالأخرى كتاب الصلوات. متحدثًا بالاستعانة بمترجم أعلن أن مجيئه كان ليشرح لـ أتاهواليا متطلبات الدين الكاثوليكي والتي يضمها الكتب الذي يحمل بيده، ليطلب أتاهواليا منه الكتاب وحين أمسكه لم يقدر في بادئ الأمر على فتحه، وحين استطاع ذلك أخيرًا بدا أكثر اندهاشًا من الخط المكتوب لا مما قاله. بعد تصفحه لفترة ألقى به بعنف على الأرض وكان هذا التصرف الكافر السبب الذي دفع بيزارّو لإصدار أمر الهجوم على الإنكا.

بعد ثماني شهور من الأسر أدين أتاهواليا بالخيانة وحكم عليه بالإعدام. كانت الخيارات المتاحة أمامها هي إما اعتناق المسيحية ليُشنق أو عدم اعتناقها ليُحرق (كهرطوقي)؛ونظرًا لأن النار ستدمر جسده قبل اعتناقها. وبحلول ظلام ليلة السادس والعشرين من يوليو من سنة 1533 اُقتيد إلى ساحة كاخاماركا مربوطًا بوتد ليُشنق وآخر كلمات يسمعها هي إرشادات الراهب فالفيردي وفقًا للعقيدة الكاثوليكية. كان أتاهواليا يرغب بأن يحتفظ بجسده لتُحنطه وتبجله سلالته.

وأيًا يكن المعنى الذي اعتقد أن “تحوله” سيتضمنه فمن الواضح أنه ليس التوحيد الأساسي في العقيدة الكاثوليكية. فدبن الإنكا الذي كان في مجمله روحانيًا، ويقر بعددٍ من الآلهة من الأجرام السماوية (الشمس والقمر والأرض) إلى التضاريس الجغرافية (الجبال والأنهار والينابيع) فالأسلاف الذي عُظم بقايا رفاتهم الجسدي لدرجة حيرت الأوروبيين، والذين بالرغم من كون معظمهم لم يبذل ذاك الجهد الذي يُذكر لفهم هذا النوع من الممارسات استخف بها لكونها وثنية، من أعمال السحرة أو أنها ببساطة ممارسات طفولية.

كمعظم الديانات السماوية تتطلب الكاثوليكية التزامًا تامًا بعبادة إله واحد وإنكار ورفض كل الآلهة الأخرى، والديانات المُستقاة من الكتب المقدسة كالإنجيل أو القرآن هي ديانات تقادمية -حرفيًا-وهي أقل تساهلًا من الديانات الشفهية، فالديانات الأخرى المنافسة تتضمن فرصة وتهديدًا أيضًا. يدعو المبشرون والدعاة إلى التحول والهداية ولكن يرافقهم مفتشون ومحققون حين تصبح الصورة أكثر حدة ودقة ويصبح هناك شروط للانضمام من عدمه مرسومة بدقة. وتكتسب “الحقيقة” معنى مختلفًا ليست شيئًا يُسعى له ويُبحث عنه ولكنه شيء يُتلقى: إله واحد، عقيدة واحدة، كتاب واحد (أنا هو الطريق والحق والحياة، لا أحد يبلغ الأب إلا بي). ولا يعني “الإصلاح” للأديان المُستقاة من الكتب التكيف ولكنه الالتجاء بالأساسيات والرجوع إليها، بـ “كلمة الرب” الثابتة كما يفسرها الكهنوت. بمواجهة هذه الثوابت مدعومة بالقوة القسرية، الانفتاح الأكثر اتساعًا كلها طغت ببساطة على الديانات الشفهية لأفريقيا أو للأميركتين.

لم يكن هذا مسألة دين وحسب “فقانون الاستحقاق” الأشمل الممنوح للشهادة الخطية للوافدين المتعلمين فنماذج ملكية الأرض والإرث العرفية على سبيل المثال أُلغيت وبطلت بالكتابة. وبالرغم من استعمار الأوروبيين للمجتمعات ذات الثقافة المكتوبة كالصين والهند والشرق الأوسط فإنها بذلت جهدًا لمقاومة الهيمنة الثقافية الأوروبية أكثر من تلك المجتمعات ذات الثقافة المحكية. إن الجهود المضنية المبذولة في السنوات الأخيرة لاستعادة وتنمية التراث القومي للأميركتين والمنطقة الأسترالية الآسيوية ولأفريقيا هي شهادة بحد ذاتها على مدى طمس الأوروبيين لهذه الثقافات وقمعها أو الاستهزاء بها، فانعدام التراث المكتوب هو متسبب جزئي بما حدث.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .