الرئيسية / احدث التدوينات / تشابك العلاقات بين الرموز الدينية والإرث الحضاري للبشر: هل الهلال رمز إسلامي خالص؟

تشابك العلاقات بين الرموز الدينية والإرث الحضاري للبشر: هل الهلال رمز إسلامي خالص؟

عبير

     منذ بزوغ الحضارات القديمة، ومنذ بدأ الإنسان في المشاهدة والاستنتاج، وممارسة التعبير عمّا يراه، وعمّا يشعر به، سواء بالرسم، أو بالكتابة بعد اختراع الحروف، آثر البشر إحاطة أنفسهم دائماً بالرموز، وما زالوا حتى الآن يحافظون على هذه الرغبة، سواء كنا نقرأ أو نسير تقع أبصارنا على رموز ولو كنا لا نعيرها أي انتباه. فلكل حضارة من حضارات العالم ثقافتها ورموزها التي تستخدمها في شتى مجالاتها اليومية، كالدينية والثقافية والاجتماعية. ولا تبعد الثقافة العربية عن ذلك، فالعرب لديهم رموزهم التي يستعملونها، ويعنون بها شيئاً مّا، فهم استخدموا أسماء الحيوانات مثلاً، للدلالة على رمز معيّن، فالغراب والبوم يرمز عندهم إلى الشؤم، والحمامة ترمز إلى الخير، والحيّة لها عدة رموز منها الخصوبة. أو النصر على الأعداء، والأسد يرمز عندهم إلى القوة، وأنثى الكلب ترمز إلى الفساد.

    الرموز إذًا أمر متوارث منذ أن بدأ الإنسان في المراقبة للتعلم والاستنتاج، ومع كل حضارة بادئة نشأت الرموز وفقاً لمعطيات تفاعل أبناء هذه الحضارة مع ما حولهم من مفردات الكون. فعالمنا عالم تحكمه الرموز.

    أراد ديكارت إقامة انفصال جذري مطلق بين الروح والجسد، وساهمت الديكارتية بقوة في تطور المحاكمة المنطقية والذهنية العلمية، ولا مجال لإهمال ذلك، حتى ولو أمكن الكتابة بأنه تم التوصل إلى غاية المعرفة في حدود المحاكمة الديكارتية، ويبدو اليوم أنه يمكن إيجاد مكان إلى جانب المعرفة العقلية لمعرفة حسية، فقد تلاءمت الرمزية مع مقتضيات الطبيعة البشرية، التي هي بأمس الحاجة لأساس حسي كي تسمو بنفسها صوب الآفاق العليا، وقد ارتبطت هذه الرمزية في اللغة والكاشفة بشكل محكم ودائم بالفن، وغالباً ما مارس الفنانون عبقريتهم في تنفيذ الأعمال الرئيسية التي أوحى لها مضمونها الرمزي مرتبطون بالتقاليد، أو حتى بالكهنة، سواءاً تعلق ذلك بديانات وثنية وضعية، أم بالديانات الإبراهيمية كالديانة المسيحية.

     من الصعب تعريف الرمز، وفي هذا الشأن قال مارلو، الأديب والكاتب المسرحي الإنجليزي: “الرمز يُعبّر عمّا لا يمكن التعبير عنه إلا به.” وفي القرون الوسطى عرفه البعض على أنه: “علامة تعطي طريقاً للمعرفة”. في كتابه الرموز في الفن والأديان والحياة، تتتبع فيليب سيرنج تاريخ الرموز في الحضارات المختلفة، والتي ارتبط فيها الرمز ارتباطًا مباشرًا بتأويل الإنسان لكل ما يواجه في الحياة، فأصبح لكل نبات أو حيوان أو رقم أو شكل هندسي رمزيته الخاصة، ومعناه الذي يدلل عليه، وتتشارك الحضارات على تنوعها واختلاف أصولها في بعض الأشياء، وتختلف في أخرى.

الرموز في الديانة المسيحية:

     من الملاحظ أن الرموز في الديانة المسيحية مرتبطة بالحضارات السابقة للمسيحية، مثل المصرية القديمة والإغريقية والرومانية. واللواتي انتقل تأثيرهن على اليهودية بشكل ما، مثل كرمة العنب التي استخدمت للدلالة على شعب الله في نصوص العهد القديم، وفي الفن الإغريقي استخدمت الكرمة للتعبير عن باخوس إله الخمر، كما أن هذه الزخرفة للعنب هي قديمة قدم التاريخ وتعود إلى عهود موغلة في القدم، إلا أن هذه الرمزية مسحت بطابع ديني في العهد المسيحي.

نماذج لبعض الرموز التي أعيد توظيفها في الديانة المسيحية:

1/ الرمان: حيث كان الرمان من الصين إلى البحر المتوسط كان علامة الخصب، ويرمز للذرية كثيرة العدد بالرمانة، وفي العهد الروماني كانت رمز أناهيدا ربة الخصوبة. أما في الفن الأيقوني المسيحي فإن الرمانة هي رمز الإحسان الذي ينتشر كبذور الثمرة عندما تتفتح.

2/ زهرة اللوتس: وهي نوع من أنواع الزنابق، وهو يرمز لمصر وللطهارة وللولادة المتصاعدة والوجود، وكثيراً ما استخدمت هذه الزنبقة كإطار زخرفي للمشاهد الفسيفسائية بتكرار متناوب.

3/ الشجرة: رمزية الشجرة في كافة العصور، ومنذ أربعة آلاف سنة على أنها رمز الحياة، والشجرة في الحضارات المتطورة رمز العالم، ولكنها بالنسبة إلى الشعور الديني القديم هي العالم، كما وتشكل شجرة الحياة جزءاً من تزين الكنائس.

4/ الأسد: وله رمزية غنية، فهو يجسد حسب الأحوال القوة، الشجاعة، الشمس، الخلود، الزمن. ويجسد الحيوية والسلطة الحامية، وفي الكثير من بلاد الشرق ومنذ عصور يشتهر الأسد بأن له دور واق وحام، وكانت السلطة السحرية لهذه الأسود تمنع من دخول قوى الشر، سواء كانت بشرية أم إلهية، إلى المعبد أو القصر. ويمكن له في التقليد المسيحي إضافة إلى ذلك مدلولات متعارفة من الشيطان والمسيح.

5/ الأرنب: وهو رمز لعدم الدقة، ورمز الجبن والنذالة، رمز السحرة، وحسب خرافة من القرون الوسطى أن الساحرات كن يتحولن لأرانب برية.

6/ الحمل: الحيوان الذي غالباً ما كان يضحى به للآلهة البابلية، ومنذ الألف الثالثة مثلت الأضحية في النقش على جواهر، وتنتشر عند كافة الشعوب السامية فكرة الأضحية البديلة، التي حلت مكان الأضاحي البشرية، والغاية من هذه التضحية هي محاولة لتهدئة الغضب الإلهي.

7/ الثور: وهو رمز قرباني، في العهد المسيحي، والبقرة المقدسة موضوع شائع في العهد الهندي، وأكثر ما مثل في الفن المصري، البقرة المقدسة أيضاً فهي الربة هاتور الحامية الفرعونية، وذُكر الرمز في العديد من المواقع في الكتاب المقدس.

8/ الأيل: تمثيلات الأيل عديدة جداً في الفن المسيحي، وأقلها كان في القرون الأولى، وهي ترمز للروح المسيحية مرتوية من نبع الحياة.

9/ الأفعى: قضية الحياة والموت والبحث عن الخلود التي لازمت النفس البشرية بشكل دائم، وعولجت بشيء من الفلسفة والسحر الشاعري في اسطورة جلجامش، حيث ارتبطت برمزية الثعبان، والقصيدة هي عمل بابلي، ترجع نصوصها المعرفة إلى النصف الأول من الألف الثانية قبل المسيح، ذات أصل سومري قديم جداً.

10/ الديك: في الفن المسيحي كان الديك يصور بالقرب من قديس؛ هو القديس بطرس، الذي حصل انكاره للمسيح ثلاث مرات قبل صياح الديك.

11/ الحمامة: الحمامة رمز السلام، منذ مشهد سفينة نوح، حيث كانت الحمامة الممسكة بمنقارها غصن الزيتون رسول للسلام، وقد تبنى الفن المسيحي في كل أشكاله الحمامة كصورة للقديس التي تتعلق بتمثيل الثالوث المقدس والبشارة، وتعميد السيد المسيح.

12/ الطاووس: الطاؤوس، وبخاصة الطاؤوس الذكر؛ هو رمز للخيلاء يرافق الطاؤوس أحياناً ديونيس باخوس، ونادراً ما يرافق فينوس، وغالباً ما يرافق هيرا، ويدل الطاؤوس المصاحب لامرأة سواء على فسيفساء وأعمال فنية أخرى على زوجة ملك الآلهة، وبصورة عامة تكون في كمال عظمتها، مدركة لوضعها السامي، وممتلئة زهواً. الطاؤوس أجمل الريش في العالم المجنح أصبح رمزاً للخيلاء، وقد عبرت رمزية الطاؤوس من المسيحية إلى الإسلام بسبب مدلوله على الخلود والبعث، كان الحيوان الوحيد المرسوم على بعض الأثار الدينية مثل طاؤوسي أبواب جامع صفاقس بتونس.

13/ السمك: يمثل السمك في التصوير الفسيفسائي المسيحي، العصر الذي كان فيه المسيحيون الأوائل مكرهين على الاختباء داخل الأقبية والسراديب لممارسة طقوسهم الدينية، بعيداً عن أعين الحراس، والسمكة هي رمز ديني مسيحي.

هل الهلال رمز إسلامي خالص؟

     منذ عامين أو ثلاثة سأل الدكتور يوسف زيدان في واحد من سلسلة أسئلته الأسبوعية، والتي تلاقت مع أفكاره التي كان يحث متابعيه عليها من مراجعة كل ما يخص حيواتنا وموروثاتنا، والعلاقات المتشابكة التي تجمع البشر مهما اختلفت عقائدهم أو أصولهم، كان سؤاله عن حقيقة رمز الهلال في الإسلام، لماذا يوضع على قمة مآذن المساجد، ولماذا تكون هيئته تلك مختلفة عن شكله في السماء؟ والهلال وسم مشهور، يأتي هلالاً يمينًا أو يساراً أو علويًّا أو سفليًّا، لأن الهلال بدوره يملك تاريخاً بعيداً وقديماً في ذاكرة البشرية، المصريون القدماء رأوا فيه رمزا للعافية والازدهار، (ارتميس) إلهة القمر اليونانية، ومثيلتها (ديانا) الرومانية، كان شعارهما الهلال، ومع الإلهة ديانا كان الهلال يظهر على جبهتها وحاجبيها، كما هو رمز للخصوبة في حضارة كالحضارة البابيلة القديمة، ويرتبط بعشتار التي كان رمزها أيضًا الأفعى، ويرتبط بخصوبة الأنثى ودورتها البيولوجية، نظراً لارتباطها بالأشهر القمرية.

    وفي عام 339 قبل الميلاد تحول الهلال إلى رمز مقدس لدى أهالي بيزنطة (إسطنبول اليوم)، عندما حاول فيليب المقدوني والد الاسكندر غزو بلادهم ليلاً في الظلام، عبر حفر نفق تحت بوابتها ليلاً ومفاجأة أهلها وهم نيام، ولكن الهلال خذلهم، إذ أطل وكشف عنهم، فقام أهل بيزنطة بحصارهم، ومنعوهم من تنفيذ خطتهم، وللاحتفال بنجاتهم فقد جعل البيزنطيون من ديانا إلهتهم ومن الهلال رمزهم، وفي العام 330 م قرر الإمبراطور قسطنطين جعل بيزنطة عاصمة لحكمه، وأطلق عليها اسم القسطنطينية، وكرسها للسيدة مريم العذراء، وكان شعارها باعتبارها ملكة الجنة.

    كما أن الهلال موجود على بعض العملات الفارسية القديمة. وفي الأساطير الرومانية نجد أن الهلال هو رمز للتعبير عن قرني الثور هوما الذي عبده الرومان، وتقول عنه الأسطورة لما قتل (اهرمن) الثور (افك – دات) نبت من الأرض من النطفة التي خرجت من إله الثور خمسة وخمسون نوعاً من الحبوب، واثنا عشر نوعاً من النباتات الشافية، والنور والجمال، اللذان كانا في نطفة الثور مودعين في القمر. ومن هذه النطفة التي طهرها (نور القمر) وسواها ظهرت الحياة، فحصل زوجان، ذكر وأنثى، ثم جمع الأنواع منها مائتان وثمانون نوع على وجه الأرض، والهلال هنا رمز لقرن الثور الذي يجر القمر، قرناه ذهب ورجلاه فضة، وهو من نور.

    كما أن الهلال من الوسوم العربية المعروفة منذ القدم حتى العصر الحالي. وقد اتخذ الهلال في العصر الحاضر شعاراً للدول التي تدين بالإسلام، فبعض الدول الإسلامية تضع على أعلامها صورة الهلال، كجزر القمر، وتونس، والجزائر، وتركيا، وموريتانيا، والباكستان، ويرمز الهلال في ثقافة العرب إلى النصر، ويطلق الهلال على الحيّة، “اللات” رمز الموت، الأمر الذي قد يعني أن الهلال يرمز إلى الانتصار على العدو وهلاكه. مع مراعاة الاختلاف في رمزية الهلال عند العرب في الجاهلية والإسلام وأصبح الهلال من الرموز الشائعة، وعلى نطاق واسع بين المسلمين، والذي أمسى شعاراً ألصق عبرالتاريخ بالمسلمين، يعلو قباب ومآذن المساجد، وشعاراً لدولهم ومؤسساتهم. سنجد أن الهلال صار رمزاً للإسلام، وموازياً للنجمة السداسية لليهود، والصليب للنصارى، هذا بالرغم من عدم مشروعية إتخاذ الرموز الدينية في الإسلام.

    بالرجوع إلى المصادر التاريخية، سوف نجد أن أول وجود للهلال بين المسلمين، كان منقوشاً على العملات الفارسية، حيث كانت العملات الرسمية الشائعة في الجاهلية والصدر الأول للإسلام هي العملة الفارسية الفضية، والعملة البيزنطية الذهبية. حيث لم يكن للعرب والمسلمين عملة خاصة بهم، وبذلك فرضت النظم الاقتصادية والأوضاع السائدة على المسلمين عملات تحتوي على رموز تخالف عقيدتهم. حيث لم يكن الاقتصاد الإسلامي الوليد يسمح بالتحرر من تبعية العملات الوثنية. حتى تم سك أول عملة إسلامية.

    نعود لوضعية الهلال في الإسلام، كيف أصبح رمزاً فوق الأقبية والمآذن؟ ولماذ يوضع بوضعيات مختلفة مع اتجاه القبلة أو عكسها أو مفتوحًا في اتجاه السماء؟

    تشير موسوعة (جينيس) إلى أن السلطان المسلم عثمان الأول هو أول من قرر اتخاذ الهلال رمزاً لحكمه، بعد أن شاهد في الحلم كما تقول الحكاية هلالاً يمتد من مشرق الأرض إلى مغربها، وهكذا بدأ في العام 1299 فتوحاته لتحقيق الحلم أو الرؤيا، وفي عهد السلطان أورقان “1326 – 1360 م” بدأ الهلال يظهر فوق رايات الجنود العثمانيين، ثم فوق القباب والمآذن، وفي عهد محمد الفاتح وبعد أن نجح في فتح القسطنطينية عام 1453 تحول الهلال إلى رمز مزدوج لدى الإمبراطورية العثمانية، كما لدى البيزنطيين، كما أضيفت إليه النجمة دلالة على الاستقلال والسيادة.

     وكأن الامبراطورية العثمانية الناشئة قررت أن ترسي قواعد ممتدة لإمبراطوريتها المترامية الأطراف، وأن تقرن هذا بالإسلام، وكأنها هي الممثل الوحيد والأوحد عن الإسلام. بالطبع فاتهم في غمرة تأسيسهم لهذا الأمر وضعية الهلال كرمز وثني في حضارات مختلفة. حضارات كانت الرموز فيها ذات شأن وقيمة للتعبير عن قواعد حضارتهم، أياً كان ما يمثله الرمز، وما يرمز إليه. هنا أرى أن المتوارث اقترن اقتراناً كاملاً بالدين، وارتبط فيما بينهما ارتباطاً وثيقاً. ولم ينفصل الدين عن الموروث، أياً كان الموروث. والمفترض أن يوضع الهلال في اتجاه القبلة ليرشد المصلين خارج المسجد لاتجاهها، لكن الأمر لا يتم بهذه الطريقة، فيوضع الهلال في كلا الاتجاهين يمينا أو يسارًا، وأحيانا مفتوحاً في اتجاه السماء. وبالطبع فإن شكل الهلال يختلف عن شكله في السماء، لأنه مستوحى من الرموز المتوارثة، وأقرب إليها شكلاً، وليس لاقترانه بالأهلة وتوقيتات الشهور الإسلامية.

     إذا كانت العملة البيزنطية منقوشاً عليها الصليب، فإن الهلال كان منقوشاً على العملة الفارسية، والتي كان محفوراً على كلا وجهيها الشكل الهلالي، وفي داخله النجمة الخماسية، هذا بخلاف أن أحد وجهيها عليه صورة مذبح النيران المقدسة عند المجوس، وعلى الوجه الآخر صورة أحد ملوكهم على رأسه تاج يعلوه الشعار المجوسي فارافاهار Faravahar  أو فيروهار Ferohar شعار الديانة الزرادشتية الذي يعتقد أنه يمثل Fravashi الروح الحارسة. ويعزو البعض السبب في تسرب الفنون الوثنية إلى المسلمين، أن جزيرة العرب لم تتمتع بالرفاهية المعمارية والمظاهر الحضارية على مدى العصور السابقة على الإسلام، فحياتهم كانت بدائية مقارنة بالحضارة الفارسية والرومانية في زمانهم. وإنما الحرفيين كانوا من المقيمين في أرض الجزيرة، فصياغة الحلي الذهبية على سبيل المثال استأثر بها يهود الجزيرة، فقد كان العرب يترفعون عن العمل في الحرف اليدوية، بينما كانوا يعظمون من شأن العمل في التجارة.

    لما دخل أهل الجزيرة في الإسلام، وانشغل المسلمون الجدد بالفتوحات لنشر الدين الجديد، اعتمدوا على الحرفيين والصناع الداخلين في الإسلام من الأمم والبلاد التي يفتحونها، حيث فتحت عليهم الدنيا، وبدأ يظهر فن العمارة مع وفرة الغنائم وكثرة الانتصارات. وحيث كان غير العرب من الداخلين الجدد في الدين أصحاب حرف وصناعات، ولم يتلقوا بعد كل تعاليم الدين الإسلامي، فكان من البديهي أن تظهر على أيديهم مزيج من التصاميم الفنية البديعة، التي تحمل سمة ثقافاتهم الدخيلة على ثقافة العرب، وبالتالي فمن الوارد أن بعضاً من إنجازاتهم المعمارية والفنية تحوي زخارف لها دلالتها الوثنية، كشكل الهلال على سبيل المثال، لأن الرمز الهلالي عرف قبل الميلاد بحقب مديدة، وليس قبل الإسلام فحسب. وفي هذه المرحلة دخل في الإسلام من المجوس أصحاب حرف وصناعات مهرة، ومنهم كانوا منافقين مندسين من خلال التشيع لآل البيت، فاستغلوا انشغال المسلمين بالفتوحات الإسلامية، ليسربوا رموزهم الوثنية إلى العمارة في بلاد المسلمين.

    يرى البعض أن تلك الرموز هي طلاسم سحرية، وليس الغرض منها الزينة فقط، لأن هذه الرموز نشأت كجزء من السحر المجوسي. لذلك لا نجد فنا يمكن أن نطلق عليه (فن إسلامي) بالمعنى الدقيق للكلمة، والتي تعني أنه فن يمثل دين الإسلام، ولكن الفن الإسلامي في حقيقته هو نتاج فنون حضارات مختلفة صهرت في بوتقة ثقافة المسلمين، فنسب هذا المزيج إلى الإسلام، وذلك تبعاً لمن قام بتنفيذه من المسلمين الجدد.

     ما يعنينا في مصدر الهلال كونه إشارة مختصرة لقرني الثور، وهو يرمز إلى التعميد بدماء الثورTaurobolium ، الذي يجلب حياة أبدية في الأساطير الرومانية، وكان الفرس يعبدون الثور الذي مات ثم بعث حياً، ووهب الجنس البشري دمه ليسبغ عليه نعمة الخلود، وسموه (هوما).      

ما الذي نخلص إليه في النهاية؟

    ربما كانت بُغيّة المقال التأكيد على حقيقة ثابتة، وإن أنكرناها لأسبابنا التي قد تعود للتمسك بعصبية قبلية، أو شوفينية مكروهة، أو جهل غير واع؛ تلك الحقيقة أننا جميعًا شركاء، في الحياة وما تحمله من شواهد، ارتباطنا بالأرض والطبيعة والكائنات وبعضنا البعض، وشراكتنا كبني الإنسان في أصل واحد، تجعل ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، لكنها كثرة مشتتة ضائعة بين رغباتنا وأحقادنا وجهالتنا، التي تنسينا انتماء واحد لقاء لا انتماءات عديدة. هو غرور إنساني التبس بجهل مطبق، ليدوم غيّ مغرق، نتوه في لجته.

    وأختتم المقال بسخرية مبطنة، لا أعني منها إساءة قدر ما أعني منها محاولة للتوقف والفهم والمشاركة.

    “أليس غريبًا أن يُعتبر الهلال برمزيته المرتبطة بالمرأة في حضارات مختلفة، رمزًا إسلاميًا خالصًا، وبذات الوقت شعارًا لديانا، ورمزًا جنائزيًا في الإمبراطورية الرومانية، ورمزًا أثيرًا في العقيدة السلتية، وفي البلدان التي كانت تتبع قرطاجة، شعارًا للربة القرطاجية “ثانيت” وأن يكون تحت ساقي امرأة في لوحات العذراء مريم بما يتوافق مع سفر الرؤيا؟” أعتقد أن الإجابة الشافية هي لا.. لأننا لسنا إلا بشر.. وهذا وحده ما يجمعنا.

 

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .