قبضة قاتلة

دهب (2)

       عندما سمع هدير عربة اللانكروزر لم ينتاب جودات ادنى شك في انهم قد أتوا لأجله، وذلك بحكم ما يتوجبه حدس رجل قام بعمل مزعج، كانت السيارة الغبراء، ممتلئة ببزات تشبهها الا من الوجوه الداكنة المكفهرة لا من غضب تحمله دواخلها التي تكاد تطير من الزهو؛ وإنما من ذلك الغبار الكثيف الذي تثيره زوابع أخر الشتاء، كانوا ثمانية، يتوسطهم مدفع مثبت بعمود سميك الى قاع السيارة رباعية الدفع ماركة لانكروزر، بأيدي بعضهم أسلحة كلاشنكوف جديدة معتنى بها جيدا، أحدهم يحمل أصفاد، بينما المتبقي منهم عمل جاهدا في ان يجعل عقب المسدس الذي على صلبه أكثر جموحا من وراء البزة المدنية الغبراء التي لا يشك احد في أنها أكثر رسمية حتى من بزات العسكر المبرقعة.

       عندما دخل اربعتهم المنزل متخطيين البوابة الخشبية بكل يسر، كان جودات قد اطفأ لتوه عقب سيجارة برنجي وهو يحاول الخروج من غرفة الطين المتهالكة في الركن الشمالي الشرقي للمنزل الذي يحوي معها عريشة وقطيتين، مروا سراعا نحوه متخطين الساحة الرملية، وشجيرة جوافة بائسة، دمى من القماش مع علب صلصة فارغة، ثم دجاجة مهتاجة خوفا على صغارها، كان المشهد بكليته مضحكا، لاسيما عند مقارنته بمقدار الجدية التي يضفيها قائد الفرقة على العملية حيث انه صرخ بكامل صرامته ” هذا هو المجرم، حاذروا ان يفر” ولحسن حظ القائد المنتشي لم يحاول مجرمه أن يبدي أي نوع من المقاومة، بل على العكس من ذلك بدا وكأنه يتجاهلهم تماما، وذلك عندما ظل مشيحا ببصره نحو السماء المغبّرة طوال عملية التصفيد التي اداها الجندي بمهارة فائقة تحفظ له حق الامتياز بالأصفاد ابدا مع مسدسه الذي كان بارعا في اخفائه أيضا، لم تشهد الساحة أي جلبة سوى قأقأة الدجاجة الحريصة على سلامة صغارها وهدير محرك اللانكروزر الظافر بصيده غير الثمين.

       عندما استقر جسده الهزيل على سطح السيارة كانت ارجل كثيرة قد عرفت طريقها اليه بركلات عشواء قبل أن تحجز امكنتها بعد المستقر وعلى عكس ضجة الركل وهدير محرك السيارة رباعية الدفع، كانت اعماق جودات تغوص في تفاصيلها التافهة، لم يفكر جودات سوى في الاجوبة!، تلك التي يتعين عليه قذفها في وجه الضابط المتحري ، كان جودات خبيرا بما يكفي في الاجابات السريعة، ولكن ليس على وجه ضباط الامن على كل حال، فقد شهدت المدينة جميعها على حضور بديهته، ومقدرته على التجاوب عندما، عينته- عن جدارة- بائعاً متجولاً في ازقة اسواقها المتسخة التي علمته مهارة السخرية اللاذعة التي يطلبها النجاح في العمل، ولذلك فقط – وعلى نحو لم يستطع هو نفسه تفسيره- وجد نفسه من على تحت احذية مقتاديه يفكر في اكثر الاجابات سرعة وسخرية ليلقيها على مستجوبه الوشيك، وكأنه يتحايل بالسخرية ليداري عجزه عن تفسير الموقف- فقد كان موقفه مبهما لدرجة عصا على فهمه هو نفسه- ولكن قبل كل شيء هناك أمر دائما ما ظل يؤرقه عندما يتعلق الامر بالتحاور مع الاخرين؛ جودات…. تفكر قليلا في أحرفه الخمسة الغير متناسقة، ليجرده من اثنان ” جود” ثم ” جاد يجود جودا” ثم جودات كثيرات، بدا مقتنعا بتأصيله السريع، ولكنه لن يستعمله اذا ما طلب منه في التحقيق، فتلك جدية محرمة على من أنتوى العبثية المطلقة بالقدر، على حين غرة قفزت الى ذهن جودات القابع تحت حذاء نتن فكرة الاستمتاع بطواف المدينة التي لم يتشرف -ولو لمرة- بالطواف عليها راكباً ، رغم انه يعلم دروبها أكثر من أي نملة ظلت تروح وتجئ هكذا دون مرام، فهو يعي جيدا وجهة العربة –برغم تعثر الرؤية – فهي ستطوف بأكثر الاماكن حيوية بالمدينة قبل أن تصل ؛ فما كان جودات ليخطئ وجهة فرقة بكل هذه الصرامة- وللحق ما كان لأي طفل في المدينة ليخطئ وجهة كل ذلك القدر من الاسلحة في بزاتها الغبراء- وهكذا راح جودات يفكر بالرحلة ذات الاحذية النتنة كرحلة شرفيه، سريعاً أخرج من الدرج السادس في مؤخرة جمجته شريط الذكريات ليضبطه مع مرور العربة السريع.

       قبل يوم من ذلك المشهد كانت الشمس قد تنازلت مكرهة عن سلطاتها وبالتالي سُمي يوم غير مشمس بدت فيه السماء عازمة على الإمطار. خرج جودات كعادته ليُري الشوارع جديد بضاعته قبل زبائنه، ولكن -وعلى حين غرة ورغم أنف حصافته- استطاع رجل بوليس تافه ان يخرجه عن طوره – وعندما يخرج جودات عن طوره فإن احد ما لا يستطيع التنبؤ بالنتائج!-، حدث ذلك عندما كان جودات يضمد جرحه الكبير تحت مظلة عتيقة من مظلات حوانيت سوق المدينة الرئيس ، حاول جودات أن يحافظ على رباطة جأشه رغم كلمات العسكري المنهمرة وكأنها تنزل من السماء الغائمة، وليس ذلك بالأمر الغريب على رجل اعتاد على التسلط ، فعند ذلك الحد – عندما بدأ الشرطي الضرب بالعصا- التفت جودات المنكفئ على جرحه الكبير وبقبضة يده سدد له ضربة؛ لم يشهد جودات اي تدريب قتالي او تنوير عن الأماكن الحساسة في جسم الانسان قبل ان يسدد ضربته القاضية تلك !.

       فر جودات مندهشا من وقع ضربته التي جعلت الشرطي يقع مستسلما وكأن طلقة نارية قد أصابته، في ذات الوقت فر النبأ متوشحاً بأكثر القصص اثارة وتشويقاً؛ ليضحي جودات النازح بطلاً قوميا ومقاتلا شرساً، وضابط أمن سري في أكثر السيناريوهات خبثاً.

    ما كان لا يدور في ذهن جودات المُداس هو مصير صغيرته وأمها، فجودات لا يؤمن بالقلق لأجل الاخرين الا عندما بتعلق الامر بدجاجته؛ لذلك فكر في صغارها محاولاً استذكار أخر قأقأتها، وقبل ان يعود الى مأزق أجوبته المقتضبة، انعطفت السيارة في كل الجهات قبل ان تحاول تعلم الارتقاء الفجائي، ليتحرر جودات من الأحذية.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان