الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: الكتابة الإنسانية: عفيف إسماعيل نموذجاً

قراءات: الكتابة الإنسانية: عفيف إسماعيل نموذجاً

عثمان الشيخ

    عند قرأتنا لأي كتاب نستطيع ببساطة تحديد الفضاء الكتابي الذي يتحرّك فيه، والقضية التي يعالجها، وبناءاً على ذلك نضع له تصنيفاً، نقول مثلاً كتابة سياسية أو فكرية أو اجتماعية، وهكذا… أما الكتاب الذي أودّ الحديث عنه فينّدرج تحت مسمى جديد، أطلقته عليه فور إنتهائي منه، وهو (الكتابة الإنسانية)؛ وهي تلك الكتابة التي تنتمي إلى جوهر الإنسان، وتُقدّمه كما هو، بكل تفاصيله البسِيطة والمُعقّدة. تصنع من أشيائه الصغيرة معجزات، ومن أقواله البسيطة مأثورات تروى، ومن أفعاله العادية خوارق، لأن الإنسان مهما بدأ بسيطاً وعادياً ومكرراً، فهو مُلهم بدرجة ما، وتجربته لا تشابه أي تجربة أخرى، وأن أشترك مع الآخرين في مكان وزمان موحّد. فقد قرأت بمتعة بالغة كتاب (نثرات من عطر الغائبين) للكتاب السوداني/ عفيف إسماعيل. الكتاب صدر عن منشورات دار الريم لعام 2018 في 123 صفحة، صَدّره بإهداء قوي ومؤثر، مهّد جيداً للولوج إلي عوالم الكتاب:

إليهم في الضفة الأخرى..

الموتى

لا يموتون

في

قلوب

مَن

أحبوهم.

    الكتاب لم يحمل صبغة كتابية واضحة على غلافه ( رواية، قصة قصيرة، ديوان شعر… إلخ)، ولكن يحتوى على خمسة عناوين رئيسية:

– المُعلم.. أسرى إلى البطانة.. وأداها نمّة!!

– أسامة.. “الفرّاح عوّان الحلة.”

– “سُلم”.. ملك الليل والنهار.

– الأستاذ محمود.. ولعبة الموناليزا.

– شيلا.. تعلّق ابتسامتها في خلود الرّوح.

    العناوين أعلاه تمثّل نصوص عن حياة خمسة شخصيات، كل شخصية لها فضائها الخاص، رغم التقاطعات المكانية والزمانية التي تتشاركها. هم رحلوا جميعاً إلا أنّ عِطر سيرتهم ما زال في نفسْ الكاتب، فصاغ من تفاصيله معهم هذه الحكايات التي يضمها الكتاب. كاشفاً عن عمق علاقته ومدى تأثره بكل واحد منهم.

    (فالمُعلم) هو والده، الذي حكى عنه بمحبة بالغة وأعجاب شديد، تجاوز نظرة الإعجاب المجرّدة من الأبن لأبيه إلى نظرة الجندي لقائده والتلميذ لمعلّمه، فقد سرد عفيف ذكرياته معه في طفولته وصباه ونضاله وظروف سفره واعتقالاته. أحتل الحديث عن المعلم قدراً كبيراً من الكتاب، بقدر قوة التفاصيل والمحبة، فعبره تتعرف على المكونات البيئية والاجتماعية التي تشّكل فيها الكاتب.

    أمّا (أسامة).. الفرّاح عوّان الحلة، فستجده بضحكته الفخيمة التي تحمل بين طياتها ملامحها الطفولية – كما وصفه عفيف -، وستجلس في صالونه بحي المايقوما بالحصاحيصا رفقة الرياضيين والساسة والموسيقيين. ويستعرض أيضاً الكاتب نضالات أسامة عقب أبريل وتاريخي السياسي والنقابي الذي قاده بهمّة ونشاط. حتى رحيله إلى ليبيا ووفاته هناك.

    و(سُلّم) الذي افتتح كتابته عنه بجمل عجيبة: “هناك من يعبرون حياتنا كي يقولوا لنا إن الحياة لا تستحق غير أن تكون (لمة خير ومحنّة) وأن نتقاسم فيها كلّ ما يسعدنا. هكذا كان محمد سُلّم، خزانته مليئة بكنوز الابتسام والقهقهة والمحبة.

    وهناك خاله (محمود رزق الله) والذي أعتبره اول مُستنيّر يقابله في حياته، وعبره حكى عفيف عن لقائه بالاستاذ/ محمود محمد طه، بنادي العمال بالحصاحيصا وهو لا يزال في الحادية عشر من عمره.

    أما (شيلا) صاحبة الإبتسامة الرائعة، فقد كتب عنها وعن عزفها وشِعرها وترجماتها ورسمها ومعاناتها مع المرض ووفاتها. عن جلساتهم وأحلامهم في دار النشر التي رأت النور بعد أن كانت ضمن محادثة. عن زوجها العجوز (دون).

    الكَاتب يستعرض ذكريات ومواقف حقيقية عاشها مع شخوصه الخمسة، ولكنّي كقارئ أحسست كأنّ هناك رابط واحد يجمع هؤلاء الخمسة في نص واحد وليست خمسة نصوص. ربما هي المحبة، وربما أنه أخذ من كل واحدٍ منهم شيئاً ما، لا ينمحي ولا يموت.

    فرفاعة والحصاحيصا والقاهرة واستراليا كلها أماكن طاف بها عفيف، وأنتقل بينها برشاقة عالية، سارداً مواقفه وحكاياته، يُسهِب هنا ويقتضب هُناك. بقلم رفيع وذهن حاضر يتّقد بكل التفاصيل. مستعرضاً خلال هذه المسيرة أيضاً تفاصيل كثيرة تخصه منذ صغره مع أقرانه وأخوانه وآل بيته، وحتى مِهجره ومنفاه الحالي، مروراً بنضاله السياسي والحياتي، ومغامراته اليومية. وتجد هناك شخصيات أخرى داخل الكتاب ( عاكف وعاطف وعمار وسناء، اخوانه، وزوجته نازك، وأبنائه رفيف وشادي..الخ).

    كما وأنه لا تستطيع أن تجزم تماماً أن ما تقرأه هو مجرّد حكايات وتدوينات، حيث أن طريقة كتابتها اقتربت كثيراً من السرد في جُل مقاطعها، فتجد اللغة العالية، والإنتقاء المنضبط للجمل، والتقديم الرفيع للفكرة. في مزج عبقري بين جميع صنوف الكتابة التي يمتلكها عفيف، فهو الشاعر والسارد والمسرحي، فقد افادته كثيراً في صياغة ما يريده. بقدرة السّبك العجيبة والإختزال الرائع الذي قام به الكَاتِب لحياة شخصياته.

    رغم أنّه مهما أتسعت الأوراق فلن تحتوي حياة شخص تَكِنُ له قَدر عالي من المحبّة، إلا أن هناك دائما ثمة طريقة ما لامتصاص الرحيق بميسم المحبة من كل زهرة. وقد أعاد لي هذا الكتاب ذكرى كِتاب قديمْ قرأته قبل سبع سنوات وهو كتاب (مرايا) للروائي المصري/ نجيب محفوظ، والذي سرد فيه أيضاً عبر رحلة حكائية عظيمة سيرة شخصيات كثيرة عبرتْ من خلال حياته ورحلت للأبد، ولكنها باقية بذكراها. وأن كان قد تفوّق عليه بأنّه حمل صبغة سودانوية بحته في لغته ومشاهده وشخوصه، لدرجة أنه قد تستعصي بعض الكلمات في قرأتها على من هم خارج دائرة المعرفة بالثقافة المحلية السودانية.

    كُنت قد قرأت له قبل عامين كتابه (مثّلما ينام الضوء بعيداً)، والذي وسمه بـمنمنمات حكائية، الصادر عن دار النسيم في العام 2014. وكتابه الشعري (أنه طائرك) الصادر عن دار الحضارة في العام 2007. إنه عفيف إسماعيل، شاعر وكاتب مسرحي، من مواليد العام 1962، صدر له العديد من الكُتب باللغة العربية والإنجليزية، في ضروب الشعر والقصة والكتابة للأطفال. مقيم حالياً بأستراليا.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان