الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: قراءة في كتاب اللغة والمعرفة

قراءات: قراءة في كتاب اللغة والمعرفة

خالد

    يُعد كتاب اللغة والمعرفة، للكاتب صابر الحباشي، أفقاً جديداً يعلى من مستوى اللسانيات كعلم، وهو من الكتب المهمة جداً التي يجب الاطلاع عليها في هذا المجال. وأنا هنا سأتناول الكتاب من عدة مستويات:

    أولاً: من المستوى الشكلاني:

    فهو رغم حجمه المتوسط وعدد صفحاته التي تبلغ 130 صفحة، وجاء على هيئة مقالات غير مترابطة بصورة متينة، إلا أنه يترك أسئلة ملحة، يجعل القارئ يبحث عن إجابات لها من خلال كتب أخرى بذات المجال. لكن يعاب على الكتاب مشكلة الصياغة اللغوية، خصوصاً النصف الأول، فهو أشبه بمتنافر تركيبي، ويعزى ذلك إلى حوجة الكاتب واستعانته بنصوص مترجمة غربية، ومحاولة مقاربتها إلى تأصيلات عربية، أو نحت لساني مرتكز على أرث غربي، والإنطلاق منه لبناء مسار عربي يبحث في اللسانيات.

    ثانياً: يمكن تناول الكتاب من خلال الأسئلة التي يولدها في ذهنية القارئ على النحو التالي:

1/ كيف تنشأ عمليات اللغة داخل الذهن؟

    وقد تناول المفاهيم اللسانية المعاصرة مثل اللغة الداروينية الجديدة، ويقصد بها أن اللغة ميزت النوع البشري عن الأنواع الحيوانية الأخرى. وتناول مفاهيم النمذجة الحاسوبية، الرياضية، في مقاربة لمنتوج ملموس ومعروف لدى الانسان، في أن فهم العمليات التي يعمل بها الحاسوب وعبر البرمجة المعطى، فعبر الموازاة يمكن فهم عمليات اللغة التي تنشأ عند الإنسان وسياقات استخدامها.

2/ هل اللغة فارق بين البشري والحيواني؟

    بأكثر دقة، الترابطية عند الإنسان هي الفارق، أي المحاولة التفسيرية للفهم عند الإنسان هي ما يفرقه عن الحيوان، وبالتالي تكون اللغة هنا لها علاقة بالفهم بقولبة ذهنية إلى صوتية.

3/ هل يمكن خلق نظرية كونية للغات أجمعها؟

    تحت عنوان الأوائل الدلالية، ويقصد بها مفهوم التأسيسية للغة من خلال وضع قائمة أولية تأسيسية، ينطلق منها للتعريف على بقية المفردات اللغوية، وذكرت كثير من المحاولات لوضع تصور شامل يضع أهم الحروف أو الكلمات الدلالية التأسيسية، وهو ما يعد مبحثاً جديداً في اللغة، إن تم إنتاج مثل هذه النظرية.

4/ كيف تعمل خصائص اللغة النحوية، البلاغية، المعنى؟

    من خلال التطرق إلى مفهومي اللفظ المشترك والمترادف، فإن الكتاب يفتح أسئلة حول مفهومي التأويل/ المعنى/ فهم المتلقي. فالتناول الكثيف للفظ المشترك بكافة نواحيه من حيث اتفاق اللفظ والمعنى/ اختلاف اللفظ واتفاق المعنى/ اتفاق المعنى واختلاف اللفظ. فهذا المبحث مفيد من حيث دلالته على إثراء اللغة، فالكلمة الواحدة تتعدد استعمالاتها حسب السياق، وحسب الصوت للمتكلم (ويمكن تطبيق هذا المثال على كلمات عامية يتغير معناها بنبرة صوت المتكلم)

ثالثاً: بعض الملاحظات التفصيلية المتضمنة في الكتاب ومربوطة بالصور المقتبسة منه كالآتي:

1/ يتحدث فيها عن الحاجة إلى التعريف للكلمات لكي يفهم مقصدها بالنسبة للمتلقي. وأوافق المنصوص الذي لا يعرف كل الكلمات، بحيث أن مقصدها يكون حدسياً بالنسبة لمتلقيها، إذا جاز استعمال حدس مقابل جملته، يكونون الفكرة بوضوح بسماعهم لكلمة ما، وأحور المتناول من كلمة إلى جملة، ونص كامل لا نحتاج أن نشرح أو نعرف جزئياته، إذ أن ما يصل من معنى حدسياً لشعور المتلقي يكفي. وفي هذا الصدد يتناول الكتاب مفهوم المشترك في اللغة، وتأويلاتها، والأقوال المختلفة، وهو ما يسير في اتجاه المنصوص الأول.

2/ مفهوم اللاوعي وربطه بالعرفاني، وتفسيره على العمليات الذهنية، وربطها بمفهوم التفكير واللغة، يسير في تفسير النقطة اعلاه، فعمليات التفكير عرفانية، لا وعية، لا نملك وعي بتعقداتها وكيفية عملها، وهو ما يجعل موضوع اللغة برمته تأويلاً وإنتاجاً ينحى بذات المنحى، إن نُظر لها بأن تستند على أصلها اللاوعي وتماثله في عمليتي الإنتاج والتأويل للغة والتفكير.

3/ النقطة الثالثة تتناول بصورة أساسية مفهوم المشترك بكافة مناحيه، لفظاً ومعنى، وهو ما يخلق توليداً على حد اصطلاح تشومسكي، وأيضاً يعرض مقابلة الكلمة الأجنبية، وتعريبها كما في حال تلفزيون، التي ليس لها جذور عربية، ولكن التوليد والسياق فعل ذلك الأمر. وهو ما يذكرني بأمر ذكره أستاذ اللغة العربية أيام الجامعة، إن اللغة لها أرتباط بحركة الإنتاج المادي والثقافي، لأن صانع الشيء يسميه، وبذلك يفرض على الباقين المستخدمين من غير لغته استعماله، وهو نوع آخر من علاقة اللغة بمنتجات ممثليها.

    إجمالاً، الكتاب يتحدث بصورة مجملة، ربما تكون صعبة جداً لمن ليس لديه مرجعيات، أو تأملات في موضوع اللغة، من حيث نظامها، وكيف تعمل، فهو يتناول النظريات التي تحاول بناء معجم كوني للسان، وصنع قائمة قولبي يجمع اللغات من خلال مشتركاتها لفظاً ومعنى.

    أخيراً يتطرق الكاتب إلى نقاط مهمة، حيث يرى أن استلاب الغربي عند مجال اللسانيات إلى التجذير العربي يعد إشكالية، ويقصد مفهوم الإنتاج الثقافي للعرب في مجال اللسانيات. إضافة إلى دراسة اللغة عند العرب نحوياً وبلاغياً، ويورد الكاتب بشومتسكي الذي يؤلف جملتين سليمتان نحوياً، لكن كلامها على مستوى المعنى فيه تضاد. أخيراً يحتاج الكتاب بذات المضمون إلى إعادة صياغة، وتوسع بمقدمات تفسيرية، وشرح مصطلحات سِيق دلالتها عبر المجاز والاستعارة.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان