قطار عُرابي

إنجي

بقلم: إنجي علي

    – “كيف تجرؤ؟!”

    صاحت امرأة سمراء ثم استدارت والشرر يتطاير من محاجرها، وأمسكت بشاب في أواخر العشرين من عمره، ودفعته دفعة واحدة للخلف، فألصقت ظهره بالباب الأيمن لعربة القطار، محدثة صوت ارتطام عنيف. انهالت المرأة عليه بكل ما حاباها الله من قوة تجيش في يدها، وأكالت له الصفعات واللكمات عند كل موضع طالته من جسده النحيل. تلقى الشاب الضربات الموجهة إليه في خيبة المفضوح المتلبس بجريمته. وتجمهر الركاب من الرجال والنساء حول المشتبكين. فبادرت بالكلام امرأة تحتجب خلف وشاح ونقاب أسودين، ورغم الزحام والنقاب المنسدل على فمها إلا أن صوتها رن جلياً، فقالت تجرفها حرارة حماسها:

    – لا تدعيه يفلت من يديك، ولو كنت مكانك ما تركته إلا وهو كتلة مجهولة الهوية من العظم المتراص!

    وتدخل رجل في هيئة الموظفين الحكوميين، إذ ساءه منظر الشاب، بجسده المتخلخل تحت قسوة الضرب. تشظت عباراته أثناء مسعاه الأصيل لتخليصه من قبل أن تفتك به المرأة، قائلاً:

    – حرام يا ست، ربنا لا يرضى بذلك، يكفي، أنتِ تخشين على نفسكِ من وحشية الرجال، علام كان التمحك إذن؟! لماذا لم تضعين هيكلك المقدس هناك؟! فتوفرين على نفسكِ وعلينا عناء هذا الجو الخانق. ألم تخصص الوزارة عربتان لحمايتكن منا؟!

    وما بين مؤيد ومعارض هاج الناس، وماجت العربة بصيحات النساء وزمجرات الرجال. والشاب ما زال منوط بقبضتها، لا يقاومها ولا يتفوه بكلمة، بجانب التأوهات الضارعة، يدفع بها عن نفسه التهمة الشائنة المنسوبة إليه.

    أوشك القطار على الدخول إلى محطته التالية، وتجهزت ثلة من النسوة والفتيات لإعانة المرأة على قبضتها المزهوة بانتصارها الماحق على المتحرش. وكن يطفرن حماسة، ويظهرن إصراراً يتدثر بحمأة نسوية تؤيد استحقاقه لعقاب أشد وأعظم من الضرب المبرح الذي غشته به السيدة، واقترحن مبدئياً تسليمه إلى المفتش المسئول عن المحطة القادمة. استقوت المرأة بوزنها، وتفاخرت بنسبها الذي يعود إلى سلسال مخيف من أسماء يستحيل أن ترد على بال سيناريست دقاق. وأفصحت عما انتوته حيال الشاب، بعد أن أوهنت حماس المتضامنات معها، وثبطت من عزيمتهن تجاه مساعدتها: “شرطة المحطة ستسترضيني بكلمات تافهات لإنهاء القصة، وتخلي سبيله، لكن هيهات، هيهات أن أتركه يفلت مني!” ومصمصت طرف شفتيها ثم أردفت: “يطعمونني الحلاوة، ويخرج منها الواطي كالشعرة من العجين!”

    وفي حركة تلقائية خاطفة أدهشت الواقفين حولها أزاحت المرأة حجابها القصير، وأوغلت يدها المنتفخة إلى جيب صدرها، ثم أخرجت منه هاتف قديم الطراز في حجم علبة الدواء. وبأجفان مسنونة لا ترف ضربت بسرعة على أرقامه المنمنمة، وزعقت بعصبية أوحت بأنها على شفا انفجار يتحضر من حرقة انفعال مكبوت: “أيوه يا نمرود، قابلني عند رصيف محطة عرابي حالاً، ولا تتأخر، لا، أمسك كلب أجرب تعدى على سيدته. سنؤدبه ونربيه ونرسله إلى أمه كي تقضي بقية عمرها وهي تبكيه وتتحسر عليه.” أغلقت الهاتف ثم ردته إلى مكمنه المعهود بنفس الجرأة التي سحبته بها.

     دخل القطار محطة عرابي، وخالج الركاب القلق والشك عن طبيعة المصير الذي سيحل على الشاب من جراء فعلته المنافية للآداب العامة. ولم تكن محطة عرابي نقطة التقاء المرأة مع شريكها في الانتقام فحسب، بل تصادف أيضاً أنها لم تكن محطة وصول لأي من الراكبين بالعربة! انفتح الباب أتوماتيكياً، وترجلت المرأة بمفردها وهي تعض بمخالبها على كتف أسيرها، وتوارت عن الأعين المتعطشة لرؤية ذاك المنقذ العنتري الذي ينتظر فتاته. فلما يئست من رؤيته راحت ترسمه بمخيلتها في اطمئنان المستهام، رجلٌ ضخم الجثة، كثٌ شاربه، يغطي شعره الأجعد الكالح بعِمة بيضاء، ويرفل في جلباب رمادي ذو جيوب بحرية تلطخه دماء الذبائح!

    انغلق باب القطار استعداداً لاستكمال رحلته بعدما ابتلع بجوفه ما خُلق معدنه ليحمله. وفجأة إرتجت العربة من صيحة عاتية أطلقها الموظف الحكومي، ولو كان القطار حي يتنفس لفارق من هولها قضبانه: “آه ه ه ه يا أولاد الحرامية، قسط الشقة!”

    اشرأبت الأعناق تسعى ما استطاعت نحو مصدر الصيحة، وعندما وصلت لحدها كان عقل مطلقها قد شرد إلى وادٍ غير واديها، تحمل يمناه جيب بنطاله المقطوع، وينعي لسانه ماله المنهوب!

    “ضربة معلم” همست الخواطر، وهرولت تتفحص متاعها. وبعد حصر عاجل قام به كل راكب لأغراضه الشخصية لحق بالموظف رجلان. وليت البلية حاقت فقط بأولئك! فقد اكتشفت فتاتان في المرحلة الجامعية فقدانهما لمبلغ وقدره مائة وخمسون جنية، وجهاز خلوي ماركة سامسونج إصدار العام الحالي. استعوضت الأولى ربها في مالها، وتعزت لما سمعت بأن خسارتها المالية لا تساوى شيء بالمقارنة مع ما خسره المناكيد الثلاثة. أما الأخرى فانهارت من فرط الصدمة، وفقدت وعيها بعد أن أهدرت نصف طاقتها في الانتحاب والعويل.

    تصدى الركاب للهجمة التي باغتت همومهم، ومتاعبهم، ومشاغلهم بالحوقلة والحسبنة. واختتم شيخٌ مُسِنّ الهوجة التي انقضت بأن طرق كفا بكف، وتمتم بنبرة متأسية: “ما ينوب المخلص إلا تفريغ جيوبه!”

    سكنت العربة سكوناً هيأ لكل فكر أن يذهب حيثما أراد له صاحبه أن يذهب، وقليلٌ من تقمصت أذهانهم دور المحقق البوليسي. فأعادت تلك الأذهان تمثيل الجريمة في محاولات اصطدمت جميعها في نهاية استقصائها عن الحقيقة بحائط الفشل! فهل كان صراخ المرأة قبل السرقة أم بعدها؟! هل المرأة ضحية للشاب أم أنه ضحيتها؟! هما بالقطع متواطئين ويعملان معا لحساب أنفسهما! الأرجح أنهما جزء من تشكيل عصابي يتناوب أفراده على خطوط المترو! ومن بين الأحجيات الأكثر اعياءاً للحيرة كان كيف وبأي أداة قطع السارق جيوب ضحاياه هكذا، وكم استغرق من الوقت لفك خياطتها من الجانبين وافراغ محتوياتها دونما استشعاره؟!

    عقب نجاح استعراضهما الدرامي الدنيء، سار اللصان مباشرة نحو ماكينات الخروج، ومنها صوب المخرج المفضي إلى شارع سليمان الحلبي. يذوبان وسط السائرين قدر جهدهما، وعندما ارتكنا إلى الأمان من خلو الطريق من أي خطرٍ يجري في أثرهما، توقفا لالتقاط نفحة من هواء. حدقت المرأة في الشاب، ثم أفلتت من فمها ضحكة رقيعة وطويلة، قطعتها لترتجل ارتجال لم تتدبر عواقبه، ثم تكلمت ببلاهة مقصودة علها تخفف من غلواء الهزء بذكوريته وترد إليه هيبته المراقة: “كل العيش مر يا لقمة، تصرفت يدي معك بغشم في هذه الطلعة، لك عندي حق عرب، السماح يا واد يا ابن خالتي.” واستطردت وهي تُوْدع حصيلة السرقة من نقود داخل جيب صدرها إلى جوار هاتفها النقال: “ما علينا، هات المحمول، سيسلكه كماشة من غير وجع رأس بسين ولا جيم.”

     تخدرت آلام لقمة لبرهة، مما أفسح لعقله المجال باستفاقة مؤقتة. وحانت فرصته ليرد لها الصاع صاعين، ويفسد عليها بهجتها بالغنيمة، ومتعتها في إهانته، فصاح فيها: “أسُطلتِ أم كان وعيكِ معكِ؟! لا يا سيكانونا، وغلاوة كفكِ الطائش الذي صال وجال على وجهي، لن نحسب الهاتف من ضمن الغلة وسأحتفظ به لنفسي.” تناوشا لدقائق حتى انتهت المناوشة بينهما على الاتفاق باللقاء مساءاً في بيتها ليتسلم حصته في الغلة، ويبَرُّ إلى أمعاءه من طاجن الباميا باللحم الذي أعدته الخالة على شرفه كما طلب منها ذاك الصباح. استقلت سيكانونا سيارة أجرة إلى منطقة الموسكي بخاطر يتلوى من فكرة سقوطها المخزي داخل الفخ الذي نصبه لها جشع ابن الخالة. ولكن، ما باليد من حيلة! فهي كضاربة سوف تحتاج إلى لقمة لكي يكون المضروب، فشيخ المنصر لا يستغن عن سَنيد مهما رقى على سلم المهنة وارتقى! على بعد أمتار جلس لقمة يلملم شتاته عند مقهى “جُعرة لملتقى الفنانين.” وطلب من عامل المقهى أن يأتيه بزجاجة مملؤة بالماء البارد صبها بأكملها فوق وجهه الملتهب. غلب الفضول على العامل، فَهَمَّ يسأله وتنحنح:

    – معركة أم حادث؟

    فأجابه لقمة ممتعضاً من سُخْفِ فضوله:

    – الله يأخذ المرض ويخلصنا من بلاياه، مرض جلدي بعيداً عنك، الساعة ساعة الطفح وغدا تنبت البثور!

    تبلبل العامل وتسمر في مكانه، فنهض لقمة في بلادة متظاهراً بأنه لم يقل شيئاً وناوله الزجاجة الفارغة. فلما تأفف العامل عن لمسها رماها لقمة عند أقدامه الشبه عارية، فقفز الرجل للخلف قفزة سريعة ليتفادى الرمية بها. اختلس لقمة منه نظرة جانبية ثم مضي ينسل في طريقه بوجه ترتسم عليه لا مبالاة مزدرية.

    عند عصر اليوم التالي كانت العلامات المطبوعة على وجه لقمة من طريحة الأمس قد زالت تماماً بفضل كمادات الثلج ومرهم طبي ساحر استعمله فور وصوله إلى عشته الصفيح. وها هو يستعيد سيماه البهيمية الأولى ويختال في جذل لذيذ، جذل يغط في سباته العميق وينأى عن مرمى تقريع الذات له. يغذي لقمة خطوه منتشياً بكندورته الزرقاء الجديدة وهاتفه المسروق، ويحدوه التفاؤل ليوم خفيف غزيرة أرباحه!

    أضاءت اللمبات الحمراء المثبتة بسقف محطة السادات ترافقها سرينة تنبيهية تعلن عن اقتراب القطار من رصيفها. دخل القطار وهو يهدئ من سرعته، وإندفع الناس يتزاحمون للظفر بركوبتهم. فركب منهم من ركب وسب بطئه والسائق من تخلف، فصدق عليه قول الشاعر:

ألا أيهذا الباخع بالوجدِ نفسه

بشيءٍ نحته عنك المقادرُ

    وثب لقمة إلى العربة السابعة التي تتلو عربتي السيدات بواحدة مختلطة، وحشر جسده النحيل في سهولة ويسر وسط أجساد الركاب المكدسة بالعربة. وعقب ثانيتان بالتمام والكمال من تحرك القطار، انطلقت صيحة شعواء من امرأة سمراء واطباء في أوائل الثلاثينات، لكن جمود قسماتها ووزنها الزائد يعطينّها عمراً أكبر من عمرها الحقيقي.

    – “كيف تجرؤ؟!”

    استدارت وأمسكت الشاب من ياقة قميصه البالي، ثم دفعته للخلف دفعةً ألصقت ظهره بالباب الأيمن لعربة القطار، محدثة صوت ارتطام عنيف. انهمرت الصفعات على وجهه كالسيل، ونزلت اللكمات تتسابق فوق جسده تسابق الخيل، وتجمهر الركاب من الرجال والنساء حول المشتبكين. امتص لقمة الصدمة تلو الأخرى في غيظٍ يريد أن يتهور، بيد أنه سيورط نفسه في مأزق مميت إذا ما ضعفت قواه وخذلته فطنته واستجاب لنداء تهوره!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة