الرئيسية / احدث التدوينات / لماذا أنا لست ملحداً؟

لماذا أنا لست ملحداً؟

طلال

    لماذا أنا لستُ ملحداً؟ الإجابة على هذا السؤال صعبة جداً، سيكون الأمر أشبه بوصف البحر بأن لونه أزرق وجميل، أعني أحس أن أسباب كوني غير ملحد كثيرة، ولا يمكن التعبير عنها، لأن أكثرها مشاعر لا يمكن وصفها. قد يكون لي شك في الأديان، وفي الأنبياء وفي الرسل، لأنهم ببساطة كانوا جزء من حركة التاريخ، أو جزء من الفعل الإنساني، باختصار كل ما حدث فوق الأرض وكل ما له علاقة بالبشر “قد” أشك بصحته، وقد أصدقه. لكني لا أشك في وجود الله، وعندما أقول: أني لا أشك في وجود الله، لا أعني أني مؤمن مئة في المئة أنه موجود. أنا فقط أجد عقلي غير مؤهل للبت في مسألة وجود الله من عدمه. عقلي لم ولن يقدم لي هذه الإجابة. وأيضاً عقلي غير قادر أن ينفي وجود الله. لهذا أنا لا أفكر بعقلي في وجود الله أو عدمه، لكن عقلي يطّلع على الأديان، فيفهم ما يفهم، ويُستعصي عليه ما يستعصي عليه. فالأديان كتبها مكتوبة بلغات البشر، وشعائرها يقوم بها البشر، إلخ… حتى القرآن الكريم مكتوب بالعربية: “إنّا أنزلناهُ قُرآناً عربياً لّعلّكُم تَعقِلُون” فكون القرآن مكتوباً بالعربية يجعل عقلي يفهمه ويستوعبه.

    مسألة الإيمان بأن القرآن هو كلام الله هو شيء آخر لا علاقة له بالعقل. فالعقل لا يستطيع أن يجعلك تُصدّق أن القرآن هو كلام الله. سيقول لي قائل: لكن القرآن كلام معجز. سأقول لك: “العبقرية أيضاً شيء غير مفهوم بالنسبة للبشر،” فأنا لا أستبعد أن محمداً كان شديد العبقرية فيما يخص اللغة، وأنه كتب القرآن بنفسه، فأنا من خلال قراءاتي شاهدت ما يستطيع بعض الناس فعله باللغة، وما يستطيع اشخاص آخرين فعله في العلوم، عقلي القاصر لن يستبعد هذه الفرضية: أن محمد عبقري مثل شكسبير، أو مثل امرؤ قيس، أو غيره من فصحاء العرب، وعباقرة الأدب، الذين برعوا في اللغة. العقل المحض لن يستبعد هذه الفرضية ويصدق الغيب، “والغيب هنا أن الله أوحى لمحمد،” الصوفية يستخدمون الذوق في الوصول إلى المراتب العالية، الفلسفة وسيلتها العقل.

    أنا بالذوق وبالحس أؤمن أن الله موجود. الكون الشاسع لا يخبرني: “أنا خلقت من أجلك.” بل يخبرني: “أنت لا تعرف شيئاً.” لهذا أعتبر نفسي جاهلاً ولكني أؤمن أن الله موجود، لو سألتني كيف ولماذا؟ سأقول لك: “لا أدري.” وحتى لا أدري ما هو مقدار إيماني؟ لعله مثقال حبة خردل. الأمر لا يهمني، لا أشعر بالقلق من ناحية ضعف إيماني بالله، لكني بالتأكيد لست ملحداً. قد تسميني ملحداً حينما نتحدث في السياسة وأنظمة الحكم، أو حتى حينما نتحدث في الدين. لكن حينما تحدثني عن الوجود بشكل عام سأقول: “أنا لست ملحد.” أؤمن أن الله موجود. بعض الأذكياء سيرون هذا المقال مثل دس السم في العسل. أظن أنه ليس فيما كتبته شيء غير منطقي، حاولت أن أكون صريحاً فحسب، وأن أقول ما لدي، وما عندي يتغير. فنحن البشر نتغير فكرياً ونفسياً وحتى جسدياً، هذه الحقيقة جميلة جداً.

    شيء آخر يجعلني لا أكون ملحداً، هذا العالم من ناحية جميل جداً. “الإيمان أن ترى جمالاً عظيماً لا يخلقه إلا الله، فتنسبه إليه” – أظني تصرفت هذه العبارة – ومن ناحية هذا العالم قاسي وموحش، بحيث أنك تحتاج إلى عون الله لتستمر في العيش. فأنا عندما أستيقظ في الصباح أدعو الله أن يجعل هذا اليوم جيداً ولطيفاً، حينما أشعر بالبؤس واللا جدوى أذكر الله فأجد في نفسي صبراً وراحة. “كلّا إنّ الإنسانّ لَيَطغَى أن رَّأهُ استغنى.” أنا لا أملك ترف أن أعتمد على حسابي في البنك أو أبحث عن المتع في أماكن أخرى، وغالباً لا معنى في أن تكون بالغ الثراء، لكن الثراء قد يشجع على نسيان الله. “ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا” فعندما تكون الحياة قاسية فأنا أحتاج لعون الله، وحينما تكون رخية وجميلة يذكرك هذا الرخاء والجمال بالله فتذكره أيضاً. وتقول: “ما شاء الله وسبحان الله.”

    لا يدري كثير من الناس أن الله ليس هو تصورهم عنه، فكل مِلّة وأصحاب مذهب لهم تصور عن الله، فالله عند السلفيين ليس الله الذي عند الصوفيين، والله لدى أحد العلماء والفقهاء ليس مثل الله عند غير المتعلمين، هذه العلوم تساوي تصورك وفهمك عن الله. لكن الله لن يكون مهماً كُنت متبحراً في العلم مثل تصورك. لن تدرك الله لأن الله لا تدركه الأبصار. المشكلة أن بعض الناس يتصرفون كأنهم يعرفون، وتراهم يغضبون كأنهم عرفوا ما يغضبه، ويقتلون هذا وذاك كأنهم عرفوا من يريدون الله أن يقتلهم. حين وضع الفاتيكان كتاب “الإغواء الأخير للمسيح” ضمن القائمة السوداء، كتب لهم نيكوس كزنتزاكيس قائلاً: “أيها الآباء المقدسون لقد قدمتم لي اللعنة، أما أنا فأقدم لكم الشكر. أتمنى أن يكون ضميركم صافياً كضميري، وأن تكونوا أخلاقيين ومتدينين مثلي.”

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .