الرئيسية / احدث التدوينات / ما بعد نهاية التاريخ: سياسة الهوية

ما بعد نهاية التاريخ: سياسة الهوية

محمد سالم

     هنا ندخل عالم (سياسة الهوية) وهو مصطلح إشكاليِّ، لدرجة أن استعماله يمكن أن يُستنفد، ويمكن تفسيره على أنه المطلب بالإعتراف، من مجموعاتٍ مُتحدة حول العِرق أو الجنس أو الدين أو الهويات الأخرى المُتنوعة، يعتبرُ دافعًا طبيعيًا وجديرًا بالثناء. ومع ذلك، في السياسات الأكثر مركزية، يمكن لسياساتِ الهوية أن تخنق حرية التعبير، وتشوهَ خصومها، وتدمر المعارضة، وتنفي الأقليات، وتعمل على تحويل المجتمع الي كنتونات طائفية لتُضخم المؤيدين والحشود، هذا يقودُنا  إلى تأصيل المصطلح بالرجوع إلى القرن الثامن عشر، حيثُ ظهرت سياسة الهوية للتعبير عن الحقوق الرجعيّة، فالتنظيّر العنصريّ والقوميّ، أستخدم سياسة الهويّة، والتي تطورت من التنوير المضاد، كسلاحٍ لمواجهة قيم التنوير حيث عارضَ النقاد الأوائل، فكرة الإنسانية العالمية، وقيم المُساواة والحقوق التي تنتمي للجميع، من خلال التأكيد على القيم الفوقيّة المُجسدة في هوية الجماعة.

     في كتابه الأخير (الهوية) يصفُ عالمُ السياسة، بجامعةِ ستانفورد، فرانسيس فوكوياما، سياسةَ الهوية، بأنها واحدةُّ من التهديدات الرئيسية، التي تواجهُ الديمقراطية، والليبرالية، وتحوّل الطاقةَ والتفكير بعيداً عن المشكلات الصعبة، مثل زيادة عدم المساواة الاقتصادية. وفي كتابه الذي صدرَ عام 2017 بعنوان (الليبرالية في ما مضى، والمستقبل) يشجبُ مؤرخ جامعة كولومبيا، مارك ليلاً، الطريقةَ التي تتبنى بها حركاتُ الهويةِ، السياسةَ الزائفة المُتمثلة في الذاتية، وشددَ على تاريخ المجموعات الهامشية والضعيفة في كثير من الأحيان، كل ذلك يجعلُ من الصعب صياغةَ مشروعٍ ليبرالي شامل.

    لا يقتصرُ الأمر على الأكاديميين الذين يدركون هذه النقطة أيضًا. كيف يمكننا أن نتحد فيما يتعلق بأي شيء كبير، كما يُسأل، عندما نواصل تقسيم أنفسنا إلى فصائل أصغر؟ أسفلُ هذا الطريق، في النهاية، يكمنُ انهيار الدولة والأمة، يحذرُ فوكوياما. إنها حالةُّ صارخة، ومع ذلك فهي مُعقّدة، كما توضح لنا، المُذكرات الحديثة والمختارات والأعمدة السياسية، والدراسات الإجتماعية، التي تُحلل وتؤكد أن مجموعاتٍ معينة تذهبُ بإتجاه سياسة الهوية.

    لا شّك أن أدبيات الهوية، يمكنُ أن تكونَ مهووسةً بالذات، معزولةً، ومظلومةً بشكلٍ كبير. لكن مع البحث عن لغةٍ جديدة، والمطالبة بالحقوق والنضال من أجلها، يمكن أن تحشدنا نحو قضيةٍ تتفق مع الطموحات الواسعة للديمقراطية الليبرالية، وليس الأيديولوجيا الضيقة. إذا كان منطقُ سياسة الهوية، هو تقسيمُنا إلى شرائح أصغر وأصغر، فإن هذا التسلسل لا ينتهي، وينتجُ هوية مفككة وضعيفة، في أفضل الحالات. الطريقةُ الوحيدة لحماية ودعم الفرد – كل فرد – هي من خلالِ الحقوق والمبادئ الواسعة.

    لذا، يَجِبُ أن نتحركَ نحو سياسةِ التضامن، كما يؤكد كلاً من فوكوياما وليلاً. ولكن يحتاج التضامن لكي يتحّمل ويقاوم، أن يتعامل مع سياسات الهوية، بتفهم ووعي كبيرين. سياسة الهوية، على الرغم من كل عيوبها، لا تعارضُ رؤيةً وطنيةً شاملة، على الأقل، حتى الآن، أنها مُضلّلة، في تقديري إن حركات الهوية لا تُقدم نفسها الا كردةِ فعلٍ للأحداث، وليست تبني ذاتها كفعل، يُمكن تلبيةُ مطالب سياسة الهوية، من خلال رفع مستوى المُواطنة، بمنح حقِ التصويت، وعدالة التمثيل والمُساواة في الحقوق. فرؤية فوكوياما لسياسات الهوية أوسع، فهي لا تشمل فقط السياسة الجنسانية، والاضطراب العنصري، والتفوق العرقيّ، بل أيضاً الإنتفاضة القومية في أوروبا، وصعود الصحوة، وانتشار الإسلام السياسي. إنه يستكشفُ الأصول الفلسفية لسياسات الهوية، مستمراً بفكرة هيغل، أن التاريخ البشري مدفوعٌ بالنضالِ من أجل الاعتراف. وحتى فترة الستينيات، كتبَ فوكوياما، إن سياسة الهوية تنطوي على مزيدٍ من السعي الفرديّ لتقدير الذات، والقدراتِ الشخصية. 

    ولكن مع ظهور الحقوق المدنية والحركات النسوية والبيئية، وفيما بعد، للدفاع عن المُعاقين، والمِثليّين والسُكان الأصليين، وحقوق المهاجريّن، والأقليات أصبحت سياسةُ الهوية، مِحراباً للجماعاتِ التي كان يُنظر إليها، على أنها مختلفة، وأن لها ثقافاتها الخاصة التي شكلّتها تجاربها الحيّة. وهو يعتَقدُ الآن أن سياسة الهوية أصبحت تشتيتًا خطيرًا، يُلحِقُ الضّرر بالحركات المعاصرة، ويُشيد بتجارب مثل #MeToo و Black Lives Matter من أجل تغيير الثقافة والسلوك بطرق من شأنها، أن تكون لها فوائدُ حقيقية للأشخاص المعنيين، لكنه يجادل بأن هواجسَ الهوية تجعلُ من الصعب معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية واسعة النطاق، والأكثر إلحاحاً. 

    ويقول: “من الأسهل المجادلةُ حول القضايا الثقافية، داخل حدود المؤسسات النخبوية، أكثر من تحديد المآل المناسب، اي المساءلة والإنصاف أو إقناع المُشرعين المُتشككين بتغيير السياسات.

   الأكثرُ إثارةً للقلق هو أن فوكوياما، يدعيّ أن سياسة الهوية اليسارية، قد حفزت القومية. يقول فوكوياما: “لقد تبنى اليمينُ، لغةً للهوية من اليسار: فكرةُ المظلوميّة وأن مجموعتيِّ ضحية دائماً.  للتأمل في مشهد سياسة الليبرالية، واستنتاج أنهُ السبب وراء فوز دونالد ترَمب، وأن النشاط المُفرط لليسار، أَتَى بنتائجٍ عكسية، وهو ما منحَ سياسة الهوية أيضًا، الكثيرَ من الشعبية والتأثير. يقول فوكوياما: “أذكرُ كيف كان أول رئيسٍ أسودَ في البلاد، يُعتبر من الخارج، مجرمٌ، اشتراكيُّ خلسةً، ناشطٌ مناهضٌ للإستعمار، أجنبيٌ، أميركيتهُ أصبحت مشبوهةً للغاية بأثر رجعي.” ويوافقُ على أن المواطنةِ يَجِبُ أن تكونَ حجر الزاوية، للهوية الوطنية المُتجددة، التي تستندُ إلى الدستورية والمُساواة، والتي تحتضنُ التنوع.

    هذه الأصولية، من بعض القوى التي تربط بين الناس ظاهريًا، هو زخمٌ لا يُنسى عبر تاريخ وفلسفة الهوية، القائم على الدين والطائفة والعرق، علينا أن ندركَ القدرة المتكاملة للهوية – نحن مخلوقاتُّ قبيلة – لكن يمكن أن تصبحَ الهوياتُ عدواً للتضامن الإنسانيّ، ومصدراً للحرب، ونقطةً لتعزيز التمييز، وقصةً تبدأ من الفصل العنصري إلى الإبادة الجماعية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الهوية الفردية، قُدمت كوسيلةٍ لكَسب الحقوق ذات القاعدة الواسعة، وهذه نوع من سياسة الهوية التي يجدها فوكوياما، بنّاءة. لقد تم الاعتراض على الاعتراف العالمي. من خلال أشكال جزئية أخرى من الاعتراف على أساس الأمة أو الدين أو الطائفة أو العرق أو الجنس، أو من قبل الأفراد الذين يريدون أن يكونوا مُتفوقين. ما لم نتمكن من العودة إلى المزيد من التفاهمات العالمية، للكرامة والحُرية الإنسانية، فإننا سوف نضعُ أنفسنا في صراعٍ مستمر، دون خارطةٍ لعودتنا.

    في النهاية، لا يجبُ أن نتماهي مع سياسةِ الهوية، هذا لا يعني أن نقايضَ بين هوياتنا الفردية والجماعية، فإن شعور كل شخص بالذات، لا بّد، أن يتشكّلَ بخلفيته الخاصة، بدايةً من الأسرة، إلى الجنس، والذاكرة التي تربطنا بالأماكن؛ ويربط بيننا، مع ما يقرب منا مثل الطبقة، والجنس، والعرق، والدين، لكن ليس سياسة الهوية، ولأنها لا تفهمُ الفردية، إن السعي الفرديّ من أجل الكرامةِ؛ يعني أن ننتصرَ لكرامةِ الجميع.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق