الرئيسية / احدث التدوينات / منافيستو البنقو

منافيستو البنقو

محمد اسحاق

     تحبل الأرض، ورويداً رويداً تتشقق عنا، تفتح لنا ثقوباً صغيرة يدخل الضوء من خلالها، يزداد حجمنا فتزيد مساحة ثقوبها، وعندما نجد الفرصة المواتية نطل برؤوسنا خارجها، تاركين جذورنا متصلة بها، نحن نباتات رقيقة، خرجنا الآن من باطن الأرض، تعبث بنا الرياح الشمالية الخفيفة وننحني لها لكي تمر، أوراقنا الصغيرة يزداد حجمها، تظهر فروع في أطرافنا، وهكذا تدريجياً نتحول إلى شجيرات كبيرة تنتظر الحصاد. نولد في صمت، لا يحتفى بنا، ولا تضرب الطبول لمقدمنا، أو تزغرد النساء فرحاً لميلادنا. مجيؤنا إلى هذه الديار لم يكن سهلاً، بل كان دربنا محاطاً بالصعوبات والمهالك، إنها قصة طويلة، وحكاية أخرى، لقد قطعنا مئات الكيلومترات لكي نصل، وضعنا صاحبنا في جوال بلاستيكي كبير، ربط الجوال جيدا، وفي شاحنة كبيرة تقل فحما قام بإخفائنا وسط الفحم حتى لا يتلقف أحد خبر وجودنا.

     سارت بنا الشاحنة ثلاثة أيام، شعرنا بالضيق ونحن وسط الفحم، وتمنينا الخروج من ذلك المكان الضيق، كان لسان حالنا يقول بأن ليس هناك أسوأ من أن تحشر وسط جوالات الفحم في رحلة إلى المجهول. سارت الشاحنة بنا تقطع الفلوات، أياماً وليالي، مساحات شاسعة غير مزروعة تسكنها الوحوش، أرض واسعة تنام فيها الحشائش، عصافير ملونة تحلق في خلاء الله الواسع، حمر ضالة تتجول بتكاسل واضح، قرى صغيرة بائسة ومبعثرة، تبدو من فرط صمتها كأنها خالية أو يسكنها الجن، مساحات مهولة تدفعك للتأمل المفضي إلى الجنون، إنه الخلاء العظيم ذاته، هدوء تام في هذه الفلوات، لا صوت يعلو على أنين محرك الشاحنة، عجلات الشاحنة كانت تدوس على الإسفلت دون رحمة، مررنا ببعض المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية، عبرنا عدداً من نقاط التفتيش العسكرية و كدنا أن يقبض علينا و نحرق مثل أي شيء غير مرغوب فيه، لكن تدخل صاحبنا ودفع رشوة لكبار الضباط فنجونا.

    بعد وصولنا إلى هذه البلدة باعنا صاحبنا إلى شخص آخر، أتى بنا الذي اشترانا إلى هذه الغرفة، وخبأنا في صندوق خشبي صغير، فنحن نبات غير مرغوب فيه، ولا بد أن نخبأ. ومن يومها بدأنا القيام بدورنا الطبيعي، وهو مساعدة البشر، أولئك الطيبين الذين أدمنوا تعاطينا، نصغي إليهم باهتمام وتركيز كبيرين، يحكون لنا خيباتهم الدائمة، ومآسيهم الكبرى، نرسم لهم جنة وردية من الدخان ونأخذهم إليها، عالماً آخر أكثر سلماً ومحبة، نذهب بهم بعيداً عن هذه الغابة الواقعية المخيفة، نحن نباتات مسالمة نخدر العقول التي تحمل طواحين في داخلها، نمنع تلك العقول من التآكل والصدى، وما أكثر من يدخنوننا، فنحترق كي نضيء لهم طريق الجنان، نصغي إلى شكواهم صروف الليالي، نربت على أكتافهم ونأخذ بأيديهم إلى حيث المحبة والسلام.

     بشكل يومي يأخذ صاحبنا الجديد جزءاً منا ويبيعه لمن هم في حاجة إلى خدماتنا، انظروا لقد دخل الآن صاحبنا الغرفة وبرفقته آخر، يبدو أنه زبون، فتح صاحبنا الصندوق، أخذ جزءاً منا وناوله للزبون، استلمه الزبون، ومد مبلغاً من المال لصاحبنا، خرج صاحبنا من الغرفة، جلس الزبون على السرير بتكاسل كأنه يرمى ثقل جسده وهمومه على السرير، اعتدل في جلسته، أدخل يده في جيبه واستخرج ورقة من نوع خاص، وبكل هدوء بدأ يفتّتنا على سطح الورقة، وبعد أن بعثرنا جيداً في سطح الورقة المستطيلة الصغيرة قام بتغليفنا داخل الورقة بصورة محكمة، استخدم لعابه كمادة لاصقة لتثبيت جانبي الورقة، لقد أحاطت الورقة بنا إحاطة الكفن بالميت، وبعد أن أكمل عملية لف الورقة على جسدنا، استخرج علبة كبريت من جيبه، فتح العلبة ووجد أن ما بداخلها ليس سوى عود ثقاب واحد، وأدرك أن لديه محاولة واحدة لكي يوقد ناراً، مرر رأس عود الثقاب بأحد جانبي علبة الكبريت محاولاً اشعال النار، لكنه فشل، لم تتشتعل النار، وكانت نتيجة ذلك الاحتكاك هي تآكل بعض البارود الذي يوجد في عود الثقاب، قرر أن يحاول مرة أخرى بحذر، في هذه المرة كللت محاولته بالنجاح.

    قام الزبون الطيب بإشعال النار في رأسنا، ونحن ملفوفون داخل الورق الخاص، أدخل زيلنا في فمه، وبدأ يمتص الدخان منه إلى رئتيه، ويدفعه مرة أخرى إلى الخارج، ليرسم الدخان جنة دخانية في سماء الغرفة، الدخان الذي يدخل صدر الزبون، ويخرج يأخذ معه جزءاً من الهموم التي في قلبه، ويساهم كذلك في تشييد الجنة الدخانية التي يراها في فضاء الغرفة، وبعد أن دخننا الزبون لفترة قصيرة جف فمه، بدأنا نستحوذ على رئتيه، وعن طريق الدم قمنا بالسفر إلى عقله،  الآن يشعر الزبون بالاسترخاء والنعاس، استرخِ أيها الزبون الطيب، إنس كل هذا العالم الفوضوي، هذه الغابة التي يتطاحن فيها البشر، البقاء للأقوى ولا عزاء للضعفاء، ثبت بصرك في خطوط الدخان المنبعث إلى أعلى، تأمل فيه، استرخِ تماماً، أنظر الآن، ثمة جنة هناك، عالم آخر، هل ترى ذلك البحر؟ في ضفته الأخرى تلال جبلية كستها أشجار الشاي ثوباً أخضر، وبدت الشمس تدريجياً تتوارى خلفها مثل فتاة خجولة، ثمة فتيات جميلات، يعزفن الكمنجات ويغنين أغاني الحب، هيا معنا إلى ذلك العالم أيها الزبون الطيب، تبدو منهك الجسد ومعذب الروح، إسحب نفساً آخر منا وفكر ملياً، الآن قل لي هل راق لك هذا العالم الجديد؟

     ما زال الزبون مستلقياً على ذلك السرير المتهالك في الغرفة الضيقة رديئة التهوية، مثبتاً بصره في خطوط الدخان، شارد الذهن، لم يبق هنا إلى الجسد المنهك، أما الروح فقد سافرت إلى تلك الجنة الدخانية والتلال التي كستها الأشجار، وصوت كمنجى هادئ كان يهدهد روحه، تاقت روحه للذهاب إلى هناك، إنفصل عن هذا العالم تماماً، لم يكن مدركاً اللحظة التي تصلب فيها جسده بالكامل، تحول إلى جسد من الفخار، بدأ يتهشم الجسد الفخاري المحترق، في البداية تهشم الرأس، وبسرعة تلاه باقي الجسد، كأن هناك نار مشتعلة في الداخل، ذاب الزبون الطيب مثل كومة من القطن اشتعلت في وسطها نار، تحول الرجل الطيب إلى دخان، ارتفع دخانه أعلى محاولاً الذهاب إلى تلك الجنة الدخانية، كان الدخان ينتشر في زاوية الغرفة، ويقول بصوت مسموع: “أنا قادم إليك أيتها الجنة ولتكن أبوابك مشرعة.”

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .