الرئيسية / احدث التدوينات / من خدع المرأة السودانية؟

من خدع المرأة السودانية؟

علام

بقلم: علام بخيت كباشي

     ربما سؤالي هذا سيزعج الكثيرات، فالمرأة باتت حساسة جداً تجاه أي تناول سلبي لها؛ هذا ولأنها في مجتمعنا صارت قريناً فقط للإقصاء والانتقاص للأسف، حتى سئمت المرأة، وسئمنا نحن الرجال معها، أمر غير مستغرب عندما يصدر من مجتمعٍ متناقض يعاني أزماتٍ ومشاكل لا حصر لها ولا عد، فأنا لا أستطيع وصف مجتمعنا بالإسلامي، لأننا إن كنا قد حققنا فقط نصف ما يتطلبه هذا اللقب لما كانت حالتنا بهذه الدرجة من الانحطاط والسُفليّة.

    لنعد لسؤالنا، من خدع المرأة؟ من خدع المرأة السودانية أعزائي هي المرأة السودانية نفسها، وأرجو ألا تكون إجابتي هذه مصدر مفاجأة، لأن المرء يمكن أن يخدع نفسه. حسناً! لنسأل أنفسنا سؤالاً آخر، كيف ذلك؟ يخدع المرء نفسه عندما يفقد إرادة التفكير الحر، عندما يعيش حياته وفق مفاهيم لم تخضع لمعالجةٍ عقلية تأملية منه، وإنما تلغفها من محيطه، وتم إطعامه لها كالأكل تماماً، هي علاقة كالرضيع وثدي أمه، إلا أن الرضيع يُخرِج هذا اللبن قاذورات صفراء، كما أنه مستعد للانفصال عنه تماماً بعد سنتين، ولكن صاحبنا هنا يعيش مع مفاهيمه وأفكاره هذه للأبد، بل ويُدفن معها، وكأمرٍ مثيرٍ لشفقةٍ كبيرة يموت هذا المسكين معتقداً أن الأفكار التي عاش حياته وفقاً لها كانت مُلكاً له، أعْمَل عقله ملياً ليصل إليها، بل وتَحمِل توقيعه ولديه صكٌّ بملكيتها، هذا حال الأفراد في مجتمعنا، وفي موضوعنا هنا على وجه التحديد هذا حال المرأة، وككيانٍ ضعيفٍ وضحيةٍ لهذه المفاهيم، بالتأكيد ستطالها تبعات هذا الأمر بصورةٍ مضاعفة ومأساوية، ويحوّلها من ضحيةٍ لمجتمعها إلى ضحيةٍ لنفسها.

     واحدة من هذه الخدع التي أود طرحها في هذا المقال هو ذلك التصور السائد للارتباط بين آدم وحواء، مفاده: “وجوب أن تكون المرأة أصغر من الرجل عند الزواج.” بقدر ما قد يبدو لكم هذا الطرح غريباً ومربكاً بعض الشيء إلا أنه وبقليلٍ من التأمل سيتضح لكم مدى خطورته، وكيف أن له تبعات سلبية كبيرة في مجتمعنا، أولها وأهمها مشكلة العنوسة كبؤرة تتفرع منها الكثير من المشاكل، ولا يستطيع أحد انكار أنه مفهوم متجذر داخل لاوعينا، وذو سلطة كبيرة جداً، عندما يتعلق الأمر باختيار شريكة الحياة، كما أني لا أود أن أدخل في تحليلٍ عميقٍ لماهية هذا المفهوم، ولكن سمة الحتمية التي يأخذها في مجتمعنا أوجبت علينا ضحده، وإذا شرعنا في هذا الأمر من منطلق ديني إسلامي كما ندعي دائماً في معالجتنا للأمور، ربما كان المثال النبوي الشريف في السيدة خديجة رضي الله عنها، وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم خير حاسم لهذا الجدل والنقاش، أما أنا فأعتبر مثل هذه الحجج الدينية التي تُطرح أولاً للحسم السريع من منطلق تسليمنا الغير مُعالِج ومتأمِل لما يقوله الدين، إنما وسيلة لضعفاء الفكر والمنطق، فإسلامنا دين عقل، وبالتالي واجبٌ علينا أخذه بالعقل، التحليل والتفكر. لن أقول لكم أن العمر مجرد رقم، لأن هذه حقيقة يعرفها الأطفال، أما إذا أردنا تناوله من ناحية مؤسساتية، كمؤسسة الزواج مثلاً، فهذا يضعنا أمام عدة أسئلة: أولها، هل كِبر الرجل في السن هو الضامِن الوحيد لتحقيقه دور الولاية والمسؤولية عن المرأة؟ هل كِبَره في السن من لوزامِ قَوامته على المرأة؟ فإن كانت الإجابة بنعم إذاً كيف كان للإبن أن يُولّى على أمه أو أخته الكُبرى؟ ومن ناحية المرأة، هل صغر سنها ضروري لتكون خاضعة ومطيعة لزوجها؟ هل لابد لها أن تكون صغيرةً في السن لتعترف ببعولته؟ أو أن ذلك مجرد صورة واهية ومتوهمة يُمنّي الرجل بها نفسه، أن ترسمها له هذه الزوجة بألوانِ من الحكمة المطلقة والفهم العميق للحياة فقط لأنه أكبر سنّاً، وهنا تتجسد عقدة النقص الأزلية للرجل السوداني، وهنا يتضح لنا أيضاً أن خرافة كِبر الرجل وصِغر المرأة من أجل تحقيق زواج، وارتباط مثالي محض تفاهة.

     إذا أردنا نقد هذا المفهوم من حيث تأسيسه لمشكلة مجتمعية خطيرة تتمثل في العنوسة، سنجد أن هذا المفهوم يرسم مدةً زمنية يجب أن تتزوج فيها المرأة، وهي فترة العشرينات بالطبع، وإلا كما أعتدنا أن نعبر بفظاظة (القطر حيفوتها) والمشكلة هنا كما أسلفت أن المرأة نفسها تؤمن بذلك، ناهيك عن أن كِبر المرأة المنفور منه في مؤسسه الارتباط يناقض بالطبع حُجيّة نقص عقل المرأة التي نرددها جهلاً باسم الدين، فلو كانت المرأة ناقصة عقل لما كان بالأهمية عدد السنين التي يَصغُرها بها الرجل، لأنه بطبيعة الحال أكمل عقلاً منها بما لا يدعو مجالاً للشك وفق ادعائكم، كما أنه استصغار لماهية الرجل من حيث أنه يجب لأن يوصف بالحكمة، القوة والمسؤولية لابد أن يكون أكبر سناً.

    اختصاراً لابد أن نعلم أن ما قد يجمع آدم وحواء ويخلق التواؤم بينهما أوشجة أكثر تعقيداً من مجرد فرق عُمري، لذا أجد حُريّاً بنا تجاوز هذا التخلف، ولاسيما المرأة، لأنها المتضرر الأول والأخير، لابد من مراجعة المسلمات التي وجدنا أنفسنا غارقين فيها، التفكر في الدين لأن ذلك أساس التدين السليم والإيمان القويم، لابد أن نقيس مفاهيمنا المجتمعية هذه بمقاييس ديننا الحنيف، لأنها كثيراً ما تكون خاطئة ورجعية، لابد من الثورة على المجتمع، وكل ما أنتجه الإنسان، وإدعى أنها حقائق مطلقة، واعلموا أن أقوى سلاح وحجة يمكن أن تحارب بها المجتمعات المتخلفة هي هذه المجتمعات نفسها، لأن الباطل دائماً ما يناقض نفسه.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة