الرئيسية / احدث التدوينات / نقد الخطاب العلماني السوداني

نقد الخطاب العلماني السوداني

حسان

    اللغة غير محايدة، وهذا يجعلها تصلح أن تكون أداة بيد من يحسن السيطرة عليها.[1]

    بينما كُنت في إحدى ردهات جامعة البحر الأحمر، في أزقة نائمة لم يحالفها الحظ حتى الآن أن تستيقظ، كنت منشغلاً بمخطوطة محفوظ بشرى، والتي أسميتها لبعض الأصحاب (منفستو) المثقف، فكتابه الذي يقع في أربعين صفحة فقط، والذي جاء بعنوان تأملات في العمل والسلطة، وحمل رقم ثلاث وأربعين من سلسلة قراءة من أجل التغيير، فتح محفوظ مخيلتي التي كانت تقبع في زوايا الخطاب السياسي على آفاق نقدية جديدة، ومس شيء من القلق الذي لا يلبث أن يقودك إلى تكسير حوائط التكتم المبنية على قبور وتماثيل وجدنا سابقينا عاكفين عليها، فاعتكفنا نحن عليها أيضاً، ولم نعي بما نستخدمه من مصطلحات وتوصيف. وهذا الأمر مرجعه إلى طبيعة الخطاب السياسي في السودان، الذي يستند في نقل خبرته وتراكمه التاريخي عن طريق المشافهة لا النص، فعندما كنا في مراحل تنظيمية مبكرة في العمل السياسي، كان السابقون لنا يلقنونا تاريخ المنظومة، فنأخذه بوجه واحد، ومتن واحد، وإسناد واحد، فتكون رواية صحيحة لا شائب فيها، وتتحول إلى أسطورة، وتظل في أذهاننا حتى نورثها نحن للذين من بعدنا، كما تفعل الجدات في رواية الأحاجي للصغار، فتظل عالقاً في أذهانهم حتى يتقدم بهم العمر. عندها تتحول الأحداث والنظريات والقادة إلى مقدس أسطوري، لا يمكن الطعن فيه أو المساس به، فالنقل الشفاهي لا يسمح لك بإعادة تركيب ما سرد، أو مراجعته ومقارنته وتمحيصه، بل تتلقاه هكذا مجرداً، وهو معضلة العمل السياسي في الجامعات السودانية، ومعضلة الساسة في السودان (التمركز حول الصوت)، وهذه البنية للعقل السياسي – إن صح استخدام هذا المصطلح – الذي تشكل على طول عمر حقب الدولة السودانية والمجتمعات السودانية.  فأصبحت الثقافة السائدة ثقافة استماع لا اطلاع، واجترار لا ابداع. الأهم من ذلك هو معضلة اللغة، التي تستخدم في التواصل بين الأجيال، فيما بينها وبين الإتجاهات المعرفية والحركات السياسية، وبين المنتمين لها، سواءاً أكانت علمانية أو إسلامية، وعندما أقول اللغة: فأنا أتحدث هنا عن مستوى آخر للغة، ذلك المستوى الذي تصير فيه أداة تعريفية أو إقصائية، أو ذات أبعاد خادعة، تعمل على تغييب الوعي عن طريق خطاب مرسخ للمسلمات المراد ترسيخها. بعبارة أخرى إن من يتحكم في وظيفة اللغة يتحكم في الوعي العام.2

    مما لا شك فيه أن الفضاء التواصلي الذي يتحرك فيه المجتمع بمستوياته المختلفة ومؤسساته المتنوعة هو فضاء صنعته الشمولية والسلطة الديكتاتورية، فأعادت إنتاج نموذجها العام في الجزئيات المكونة والمستويات المختلفة، فالنسق المعرفي في السودان قام على أكتاف النظرية السياسية التي هي نواتها مؤسسة الجامعة التي تحورت عن دورها في أنها مؤسسة نقدية إلى مؤسسة أداتية، حافظت على بنيتها الاستعمارية بامتياز، فأفرزت نخبة مثقفة (أفندية) تسلطية التفكير، استعمارية النزعة، شمولية البناء. فمفهوم مثل مفهوم الديمقراطية الذي حضر كشعار مرحلي في جميع المؤسسات السياسية في السودان، ومازال يتم استحضاره بشكله المشوه حتى يومنا هذا، فما زالت النخب تحاول أن تشيع خطاباتها الديمقراطية لتجعلها جماهيرية وشعبية، إلا أنها تعدها في معمل محدد سري المنشأ، تغلفها وتزينها ثم تخرجها للجماهير، كما تفعل شركات الصابون أو المشروبات الغازية، فمع تحول الديمقراطية إلى ثقافة شعبية ببطء، “إلا أنها ليست ثقافة مؤسسة على وعي متكامل بالمسألة الديمقراطية، أو قل لا تسندها معرفة صحيحة وسليمة بالديمقراطية، فكراً ومنظومة سياسية وطرائق في الممارسة وأدوات عمل… إلخ، إنها – في أفضل أحوال الظن بها – شعارات عامة لا تملك أن تؤدي وظيفة التعبئة والتجييش دون أن تتخطى قشور الإدراك السطحية. إن هذا يدل على مدى عدم الاتساق، فهم ليسوا متشبعين – في الحياة اليومية – بالثقافة الديمقراطية، بل ينهلون من تقاليد مجتمع يمجها مجاً.”[2] وليس هذا وحسب، بل إن معضلة الديمقراطية في المجتمع السوداني موجودة على حد سواء في يساره ويمينه، وعلمانيته وإسلاميته، إنني بذلك لا أريد أن أطلق النار على كل شيء كما يتوارد للبعض، ولكني أشير إلى (طبيعة النظرية السياسية في السودان)، والأزمة هي أزمة كل (جميع)” على حد سواء، حتى تكون المقاربة شاملة غير انتقائية وموضوعية غير أيديولوجية.”[3] وإنني أسعى بذلك إلى وضع لبانت النقد بعيداً عن أي تحيز، كما هو الحال عندنا أهل الفكر والسياسة في السودان، فالأساس الذي تنطلق منه مشوه بين مكائد وسجالات على السلطة، ومن بناء السياسة في السودان من خلال مؤسساتها وتربية كادرها وأنساقها، يبرز سؤال تأسيسي، وهو كيف يمكن للمثقف أن ينقد هذه البنية، إن قلنا أن مهمته هذه استناداً على رؤية غرامشي حول المثقف “كل الناس مثقفون، وهكذا فإن باستطاعة المرء أن يقول: ولكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف في المجتمع.”[4] يحتاج المثقف في هذه الحالة إلى إحداث شرخ داخل بنية المؤسسات والخطابات لينفذ من خلالها، وهذا الشرخ لا يمكن أن يحدث مالم يستدعي المثقف أدوات مختلفة ومنهجيات مختلفة، وهو مالم يكن في حالة الخطاب العلماني الجديد.[5] حيث فشل في الخروج عن نسقه السياسي، لذلك تمظهر بصورة جديدة كطلاء على وجه حائط قديم، لكنه يظل كما هو مائل، يوشك أن ينقض، وهذه من مفارقات الخطابات في الساحة المعرفية. فهو لم يأسس نقده الذي قدمه للمنظومات والتيارات، بل حاول أن يعيد إنتاجها بخطاب آخر أعتكف على إمتلاكه لوجهة النظر الصواب، فإستخدم النقد كصك يعطي لنفسه الشرعية في إحتكار الخطاب العلماني، هنا يظهر السياسي الذي كان متخفياً في جلبابه – لا أعني بالسياسة تعريفات النخبة السودانية والوسط الطلابي لها – وهو ما أورده علي حرب في كتابه أوهام النخبة أو نقد المثقف: “وضع المثقّف العربي نفسه لاعتبارات عديدة في خانة السّياسي تارة، حيث كانت كل توجّهاته موجّهة للتأطير السّياسي والدّفاع عن نظام أو حزب أو مشروع فئوي ضيّق. وتارة كان ناطقاً باسم المعارضة المترفعة على إكراهات الواقع. لم تكن المشاركة ومنطقها في حسبانه في العديد من الأحيان، إذ لم يقدّم برامج وأفكاراً وحلولاً، وإنّما كان يقدّم مشروعاً لا يصلح إلا لمجال الخطابة، على شاكلة برامج الأحزاب العربية.”[6] لم ينشأ المثقف في السودان بعيداً عن الحواضن السياسية التي زرعت فيه مفهوم الآخر بمعنى أنه لا يمكن أن يستقيم طرحه إلا بوجود آخر مختلف، أي أنه يبنى بناءه المعرفي عندما يهدم للآخر جدران فكره وحصون أفكاره، فيقوم الخطاب على نفي الآخر لا على نقده.

    معضلة الخطاب العلماني هي معضلة ثنائية في تركيبها، فبين وهن المثقف، وضعف البنية المعرفية، تتبلور هذه المشكلة، وهو ما يقود ويؤدي إلى تحول الخطاب العلماني من خطاب معرفي إلى خطاب أيديولوجي سياسي، يعبر عن نظرة أحادية ضيقة في التفكير، وهذا يقودنا إلى سؤال آخر، ما هو الأساس الذي تنطلق منه في رؤيتها للواقع السوداني؟ وعلى أي أساس تنطلق منه نحو المجتمع؟ وكيف تقرأ تاريخ هذه المجتمعات؟ وكل هذه الأسئلة تكتنف في داخلها النقد، والنقد لا ينفصل عن عمل الفلسفة” إن عمل الفلسفة إذن من عمل النقد. وهو نقد استراتيجي، كما قال عنه جاك دريدا ذات يوم.”[7] فلنعد إلى بنية الخطاب الذي يطرح من قبل العلمانيون في وقتنا الراهن – تجمع العلمانيين السودانيين – هو خطاب يعتمد على نقد البنى الاجتماعية، وعلاقتها بالدولة والسلطة أم إنه يقوم على نقد السلطة السياسية، أو في حركة السلطة وعلاقتها بالمؤسسات والتشريعات، الناظر إلى الخطاب الآن يراه سياسياً أكثر منه معرفياً، لأنه يقوم على تأسيس نص مضاد للسلطة: (التي تتخذ من قواعد الإسلام كمرتكز للتشريع، رغم أنها لا تعبر عن الإسلام كدين، بل كفكر ديني إلى حد قول العلمانيين أنفسهم) إذن يحتاج الخطاب العلماني إلى قاعدة نقدية فلسفية أولاً، وبعدها يمكنه أن يأسس خطاباً يحتل النقد فيه المرتكز الأول بجانب الفلسفة نفسها،” والنقد والفلسفة في علاقته بالمجتمع هو مأساة الفكر وروحه التي تسكنه لأنه في حقيقته بحث في أسباب حياته، من خلال المساءلة الدائمة لأسباب موته، إن النقد بهذا المعنى، تدخل أنطولوجي قوى في شؤون الذات الاجتماعية وشؤون الحياة اليومية”[8] أذن أثر غياب النقد على المثقف وجعله متمركزاً حول رؤى ونظريات معينة ومحددة، أبعدته عن مستوى الخطاب الاجتماعي الذي يكشف ويلقي الضوء على مشاكله اليومية، وربطها له بأنساق التاريخ والمتغيرات الكلية، فالمثقف أيضاً يقع في دائرة تغييب المجتمع عن الخطاب الفلسفي النقدي.” كيف يمكن أن نجعل الفلسفة تنصت بشكل موضوعي لنبضات المجتمع؟ إنها مطالبة بتحقيق شرطين في هذه الحالة: الشرط الأول هو ما أسماه يورجين هابرماس في مقال له بعنوان ما الفائدة من الفلسفة؟ بضرورة تجاوز التصور النخبوي، أي ذلك الذي امتلكه التراث الفلسفي عن ذاته. الشرط الثاني: هو ما أسماه ميشيل فوكو بضرورة سعي الفلسفة لأن (تعين ما الحاضر، وبماذا يختلف اختلافاً مطلقاً عما هو ليس، أي عن ماضينا. على الفلسفة إذن اليوم أن تتخلى عن الطابع المدرسي والمذهبي، وعن سعيها لبناء مشاريع فكرية ضخمة، وإن هي أرادت أن تجد لها مكاناً في هذا الفضاء الاجتماعي الذي يسمى اليوم: بالمجال العمومي.

    لا أريد تحديد مسارات معينة يتحرك فيها الخطاب العلماني، أو قضايا بعينها، ولكن السؤال هو كيف يمكن أن نجعل من خطاب العلمانية المتخشب هذا أفقاً يتشكل فيه الحراك المعرفي، مفتوح على آفاق النقد، واستيعاب كل الاختلاف الموجود داخل الفضاء العمومي في السودان، دون أن يحتكر لنفسه هذه المنصة، وينتقل من خطاب هُم إلى خطاب نحن، بحيث يثير الفضاء بالنقاشات، فترتقي بذلك أوجه النقد، وإمكانيات التواصل بين التيارات المختلفة. إن هذا يتطلب النظر في الأسس التي يتعامل بها الخطاب العلماني والعلمانيات المتعددة التي تتبناها القوى السياسية، أي على الخطاب العلماني الذي يتبنى التنوير أن ينتقل وتحدث له عملية تحول مهمة جداً، وهذا التحول إنني أنظر إليه كحالة، وأسميها الإنتقال من حالة الضد إلى حالة التعدد. وهو بالتأكيد أمر يتوقف على حالة اللغة، ونوع البناء الخطابي للذين ينطلقون من منصات علمانية، سواء أكانت سياسية أم معرفية – أن وجدت – وأقول إن وجدت لأدلل على أن العلمانية في السودان كانت ومازالت سياسية، لم تخرج بعد إلى رحاب الثقافة والآفاق المفتوحة، ويتم التعامل معها كمفاهيم، وليس كأيديولوجيا سياسية تذهب تحت أرجل برامج الأحزاب السياسية وشعاراتهم وصراعاتهم، وتستخدم المفاهيم في حروب أقرب ما تكون إلى حروب الردة، وهذا ما عانته من الماركسية والشيوعية من قبل.

    يقودني طرح هذه التساؤلات العديدة إلى فتح أزمة الحداثة في السودان باعتبارها جزء من الأزمات، وما ينطبق على الديمقراطية والعلمانية ينطبق كذلك على الحداثة، وفي هذا إشارة إلى سقوط العلمانية كخطاب معرفي في فخ الحداثة الكلاسيكية، وارتباطها بشروط ضرورية لأن تكون موجودة، وهذا ما حدث للخطابات التي لم تستوعب طبيعة التركيب الاجتماعي المعقد (الماركسية اللينينية) أو التي خاطبتها وحركت وجدانها إلا إنها فشلت في تحقيق طموحاته وأحلامه وغيرت من طبيعة تركيبه عن طريق القوة والأيديولوجيا (الحركة الإسلامية)، وحتى التي جاءت كخروج عن الاتجاهين السابقين وقعت هي الأخرى في فخ الشروط التي لابد من توفيرها حتي تتحقق رؤيتها، وكل ذلك يقع تحت (النظرية السياسية) للمؤسسات في السودان. لا أريد مناقشة هذه المفاهيم داخل الفضاء السياسي الذي شكل خطاباتها، وحدد لها كيف تعمل وتشتغل وتخاطب الواقع، أي قام الفضاء السياسي بإعادة انتاجها، لذلك أردت أن أناقشها كمفاهيم معرفية لها حضورها في الفضاء الاجتماعي والسياسي في السودان، بمعنى آخر كيف يفهم المجتمع هذه المفاهيم، وتكون في مخيالهم الجمعي والفردي، إن فتح سؤال كسؤال الحداثة يجعل الواحد منا في مأزق، وهو ما هي الحداثة؟ قبل أن تحدث عن أزمتها، عندها يكون التعقيد الذي يمكن أن تنصبه لك هذه المفاهيم، وخصوصاً أننا لا نريد طرحها في فضاءها السياسي بل كخطاب كما أسلفت سابقا وكمفاهيم. “لا يمكن تعريف الفترة الممتدة من منتصف القرن العشرين الي الوقت الحالي إلا بانها (عصر أزمة الحداثة) لأنها طرحت السؤال التالي: هل مشروع الحداثة قادر على التجدد أم أهو في طور التحلل؟”[9] هنا في السياق السوداني ينطبق هذا السؤال ولكن يمكن أن نقول بأن السودانيين “قبلوا بالحداثة، لكنها لم تقبلهم”[10] خلق المستعمر في أذهان السودانيين نموذجاً واحداً، وخط سير ذو اتجاه واحد، لذلك نجد أن القواسم المشتركة التي تجمع الفكر الحديث في السودان توجهه الأوحادي ونظرته الضيقة، والآخر الذي لابد من تغييره، وجعل كل المختلفين عنه في قالب واحد، ويمكن اختصارها في مقولة تعبر عن هذه المشكلة بأنها (جذور الاستعمارية للفكر السوداني الحديث).

    لم يقوم السودانيون بخلق نموذجهم الحداثي الذي يجب أن ينفصل عن أي سمات استعمارية إن الحداثة كما يقول: “الانثربولوجي المعاصر جورج بالاندي من حيث تعبر عن حقيقة مجزأة، عملت على خلق زمانية تتميز بدورها بنفس الصفة. إنها تحجب كل ما ليس آنياً، يومياً، وراهناً، وتمنح قيمة لكل ما يعطي مكانة كبيرة للعابر، وتدفع الفرد إلى إكتشاف الحاضر،”[11] وهنا أوضح أنني لا أعارض ما تحمله الحداثة مجملاً وتفصيلاً من غير أوجه نقد، ولكن ضد الوجه الاستعماري للحداثة، والنموذج الذي تأسست عليه في السودان، كما أنني لا أنوي الدخول إلى معركة مصطلحات بين (الحداثة/ التقليد) فليست الحداثة هي صنيعة الغرب خالصة، بل هناك حداثات متعددة موجودة في مجتمعاتنا، وهنا لا أريد أن أعلي شأن الحداثة في نموذجها الأوربي، أو أحاول قلب التاريخ ليكون في مصلحة الخطاب الحداثي. قد تبدو حجة الحداثة المتعددة ضعيفة هنا، ولكن مقبولة إلى حد ما بخصوص الخطاب الحداثي في السودان، أي أنني أحاول الخروج من مأزق الحداثة في صورتها الاستعمارية ولا يمكن لهذا المازق أن يتم حله إلا بإعادة بناء نظرية سياسية حديثة جديدة، ونتاج مؤسسات لها جذورها الاجتماعية، وبناءها المختلف تماماً عن النموذج الذي وضعه الاستعمار، بحيث تستعين بالمجتمع والتركيب الاجتماعي في إعادة بناء الدولة والمجتمع، وهو أمر بالغ التعقيد في ظل دولة كانت طوال تاريخها تمر بأزمات بنيوية ساهمت في تعقيد حاضر واضطراب مستقبل.

    كيف تخرج العلمانية من هذا المازق؟ هذا السؤال من الصعب إيجاد جواب عملي له، ويطبق مباشرة فنجد الدواء الشافي لازمة العلمانية في السودان، ولكن سنحتاج إلى عمليات نقد مستمرة، ونظرة مختلفة عن السائدة، وإلى ضرورة جعلها خطاباً معرفياً، ومن ثم نقلها إلى فضاءات المجال العام، بحيث تناقش وتتأمل وتعيد النظر، دون أن تكون أوحادية في اتجاهاتها، وفتح أفق جديد بصورة مغايرة، وهنا بالتأكد يحضر الإصلاح الديني الذي هو الآخر يشترط على الدين أن يكون متسامحاً مع مؤسسات الدولة الحديثة، أي هي عملية ترويض النص لصالح الدولة، أي أنه يجعل من الدولة شرطاً اصلاحياً داخل النص الديني، وهو بالتأكيد فخ آخر تسقط فيه العلمانية، وإن لم تكن بعض العلمانيات التي أتت امتداد للحركات السياسية تتبنى هذا الموقف. أزمة الحداثة والعلمانية والإصلاح الديني هي أزمة لغة في الأساس، أي أن الخطابات هذه استمدت نماذجها التي تحاول وضعها وصنعها من أجواء السلطة (الشمولية)، لا يمكن إنكار أن السلطة لم تتدخل في وضع الشرط الذي يجب أن تتحرك فيه هذه الخطابات، وكيف كبلت لغتها وجعلتها مشروطة، بحيث يغلب في بعض الأحيان التبرير، ويمكن الحل في الخروج عن نموذج السلطة، والنسق الذي ظلت هذه الخطابات تحافظ عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تأملات في العمل والسلطة، محفوظ بشرى، مشروع الفكر الديمقراطي، يونيو2016، ص 20

 [2]   في الإصلاح السياسي والديمقراطية، عبد الإله بلقزيز، دار حوار، الطبعة الأولى، ص 155

 [3]  في الإصلاح السياسي والديمقراطية، عبد الإله بلقزيز، دار حوار، الطبعة الأولى، ص 157

 [4]  انطونيوغرامشى، دفاتر السجن: مختارات 
Antonio Gramsci the prison notebooks selections, trans.  Quintin Ilioarc and gcoffrey nowell- smith(lod -on lawrence and wishart, 1973)

 [5]   في إشارة الي تجمع العلمانيين السيودانيين

 [6]  أوهام النخبة أونقد المثقف، علي حرب، المركز الثقافي العربي 

 [7]   الفلسفة والنقد، مراصد ابستمولوجية، فريد لمريني، دار التنوير، ص 15

 [8]   نفس المصدر السابق

 [9]  تعدد الحداثات: صناعة تاريخ مجتمعات الشتات، د. محمد عبد الرحمن بوب، مجلة الحداثة السودانية، العدد الحادي عشر، سبتمبر 2018

 [10]  من يخاف الحداثة، عبد الله علي إبراهيم، دار المصورات، ص 16

 [11]  الفلسفة والنقد مراصد أبوستمولوجية، فريد لمريني، دار التنوير، ص 113

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان