الرئيسية / احدث التدوينات / يقظة المترنح.. وسطوة المعرفة

يقظة المترنح.. وسطوة المعرفة

الصادق الخالدي

      “إنني أؤرخ  لنهاية الجمهورية وميلاد الأمبراطورية، باختراع مكيفات الهواء أواخر الثلاثينات” بهذا الرابط العجيب ساق الروائي الأمريكي قور فيدال دفوعاته لرسم مشهد تحول المجتمعات والدول، متخذاً من مدينة واشنطن كتجسيد لمراحل التغيير المتسارعة في القرن العشرين، والفترة ما بين المدن الصغيرة التي لا تتعدى أحداثها محيطها، ولا يؤثر إنحطاطها على مثيلاتها، إلى نمط متشابك ومعقد من العلائق بين أصغر الأحداث في مطابخ السياسة، وصناع القرار، التي تتجاوز ظلالها مدى الصواريخ العابرة للقارات، فبقرار سياسي واحد في نيويورك، يخسر صاحب دكان بقالة رأس ماله بفعل التضخم الذي يخلقه تأثير القرار السياسي.

     لعل هذه الفواصل المدارية الحضارية، التي تفصل الأمم عن اللحاق بمثيلاتها من رواد التقدم والحداثة، شكلت ملامحها سنين من الشح المعلوماتي والمعرفي، حتى بات انتقال نمط حداثي معين،  أو ظاهرة ما، يستغرق ما تستغرقه المذنبات والشهب والأجسام الفضائية لتعود في الأفق المشهود، هذه الفوارق بدأت بالتلاشي، عندما بدأت المعلومة تتسرب من أطوار المركزية والاحتكار، لتغدو متاحة كمادة سهلة لا تعرف معها المعرفة حدود جغرافية، ما ألهم آلفن توفلر أن  يسير في  طريق  يتكهن بملامحه، ويجعلنا نلمح ميزاته واحداثه ومالاته، بسيماها ونحن لها منكرون، من حيث بدأ في كتاب صدمة المستقبل، أو الموجة الثالثة، أو تحول السلطة، فإن هذه الثلاثية تتكامل كلها لتلخص النظرة نتيجة القراءة لواقع التحولات الجديدة.

    يقول فيدال: “قبل اختراع المكيفات كانت واشنطن تخلو من الناس بين منتصف يونيو حتى سبتمبر. كان الرئيس روزفلت يختفي في مكان ما أعلى نهر “هدسن”، وكان أعضاء الكونغرس يسارعون في العودة إلى مواطنهم، أما بعد اختراع مكيفات الهواء فقد صار ال”كونغرس” يجلس بلا انقطاع، وصار رؤساء الدولة وحاشيتهم لا يبرحون البيت الأبيض، ينسجون المكائد والمؤامرات لإلحاق الأذى بخلق الله.” هذا السرد يبين مدى سطوة الحداثة والتغيير الذي تحدثه في شكل حياتنا، وبالطبع أنا هنا لا أقصد أنا أجرم الحداثة بالمطلق، ولكني أحيك لقصور رؤانا ما يستر عوار اختلال وعيها بالتغييرات، بل نسقط ونساق بكل العجز لتُشكِلنا الحداثة وفق إرادة ورؤية أربابها بلا موانع أو فلاتر، فأوضاع الأمم الضعيفة في مضمار التسابق المعرفي تأتي مسبباتها بالأساس من انعدام أجواء الحرية في التعبير، واتاحت المعلومات والمعارف، ونشاط الاقتصاد والثقافة لن يكون بمعزل عن استقامة أحوال الجماهير، ومدى عافية روافع قوتها وكيانتها التي تراهن عليها لتحقيق درجة متقدمة من المشاركة الشعبية في صنع وتنفيذ القرار.

    ظهر مفهوم لا مركزية المعلومة كعنصر جديد يضطلع بأدوار ضاحدة للفلسفات، ومفككة لفرضياتها، فقد شكلت القدرة الهائلة لوسائل الإعلام الجماهيرية في تكييف الأفراد مع غايات ومصالح المؤسسات التي تستخدمها، وبالتالي فقد بدأت أفكار المبادرة التاريخية الخلاقة للإنسان الذي يتصرف بمفرده أو يشارك فعلياً في تشكيل مشاهد حياته تتلاشى. بل إن أشكال المعرفة ذاتها مستها أيادي التغيير بدخول مفاهيم جديدة تحل محل التالد، على نحو ما اسماه فوكو (انسحاب المعرفة إلى خارج نطاق التمثيل)، وكذا وسائل الإجبار والإكراه وموازين القوى وعوامل الضغط، بدءً من القوة التقليدية الجافة، وصولاً لما عبر عنه شاعر الثورة المصرية الشاب مصطفى إبراهيم في قصيدته البنكنوت (النظام العالمي بيقتل .. أوقات كتير من غير رصاص) وهو الأمر الذي أخرج الأسلحة من إطارها المادي، وغير من مسببات الأضرار، وقد نحا علماء الإقتصاد في السابق لتتبع تشعب تعريف النقود مثلاً بزعمهم كون النقود تمظهر للثروة، أو عنوان لتأثيرها، وأنها تأخذ قوتها من دمغة السلطان أو الأمير التي تصدق على قيمتها وعيارها. وعلى مثل هذا المنحى ربما أراد آلفن توفلر توفير مساقط رؤية متعددة لمفهوم تحول السلطة وأنماطها، لدرجة جعلت تأثيرات الحياة تتجاوز قوتها الدفينة إطار تجاربنا، وتجذبنا لنعلق في تفاصيلها دون تجربة.

    هذا التراخي، أو ربما جاز أن نسميه إنعدام الحيلة، عبر عنه لاموسيه في مقاله عن العبودية المختارة وإرتضاء القيود. وتساءلاته عن مبرر إذعان الملايين لطاغية وشبكة منتفعين، وربما ساق غيره الأمر بطرقهم بإثارة التساؤلات عن سطوة الثقافة أو اللغة كسيد جديد من امتلك مفاتحها أمتلك خيط من الحياة، فيجد نفسه مكره ربما إن لم يجبل على حب تعلم اللغات، إلى تعلمها، وأن يقيم أفكاره وكلامه داخلها. وهذا يدخل في إطار الامتياز الحضاري الذي أكسب لغات عديدة ودول أهمية كبيرة، لقد حاول توفلر أن ينقل الوعي في الثمانينات بضرورة التعامل المرن مع الموجة، وضراوة التغيير الذي يواكبه العالم والأمم جميعاً بشقيها السريعة والبطيئة. الأمم السريعة في نموها دائماً تكون صاحبة النصيب الأوفر من الاستفادة؛ الأمم التي اكتسبت قدرة التعاطي السريع مع تحول  النظم الاقتصادية والمعرفية، بل وإدراك جوانب القصور ومفاهيم المنافسة القائمة على الوقت  أو الاستجابة السريعة، يكون لها الامتياز والتمييز، وبالطبع فأن الدول الضعيفة تحاصر نفسها  بالتراجع خطوات إلى الخلف والنظر تحت الأقدام، بل إنها تعزز من عزلتها عن الاقتصاد الديناميكي وجمودها بما يجعل أي محاولة ستكون بمثابة “النفخ في قربة مقدودة” كما يقول المثل السوداني لبث دبيب الحياة فيما لا دبيب فيه.

لماذا تتلكأ الشعوب في وعيها بالتحولات؟

     لنمضي مع آلفن توفلر، ما دمنا قد أخذنا تصدره لبث اليقظة في عمق الغفلة، عن المؤثرات الجديدة في السبعينات أو الثمانينات، ومؤشرات تغير أنماط الحياة كاملة، وظهور قوى جديدة، وطبقات مسيطرة، تتحكم في الإخراج النهائي للمشهد. ولغرابة الأمر، أن تظل هذه الجرعات المخفضة التي نذرها توفلر لبث اليقظة آنذاك، تصلح في مجمل رسالتها لتخاطبنا نحن في بعدنا وعزلتنا الحضارية بعد 40 عام. لقد ذهب منظري الماركسية، وانطلقوا مبشرين بقوة العمال، الذين تخولهم وسائل الإنتاج ليكونوا فاعلين، لتقضم أسنانهم ذيل التغيير، وتطبق مناجلهم على منابع فحيح الرأسمالية وأساليبها وجنودها. إن هذا الوضع والتحول الكبير يجبرنا أن نبحث عن أطراف صناعية، لكي لا نكون جزء من التسابق برجل واحدة، رآجين أن تكون خسائرنا اليوم وشقوق الفساد وثقوبه السوداء  هي دفاعنا عن مستقبلنا، بوجوب التجديد، وإعداد الأجيال القادمة، لتحجز مكانها في مسيرة الإنسان المنهك بتفاصيل علومه ويومه، والمهموم بامتيازات قد يحين أوان استحقاقها في حين يرقد في قبره، على شاكلة التأمين الاجتماعي والتقاعد. فآلة السلطة لن ترضى عن النذر اليسير لمسيري أنظمتها  وتروس إنتاجها، فقد بادرت دول كثيرة لانتهاج سياسة رفع سن التقاعد، أو تشجيع ثقافة العمل بعد سن المعاش، تحت مسمى الفاعلية الإنتاجية والدور الاجتماعي، وما ذلك إلا لوعي المسيرين للنظم الاقتصادية بالعوامل الاجتماعية المتجددة، حيث تشير التقارير على سبيل المثال إلى ارتفاع نسبة العاملين بعد سن التقاعد إلى 44.2% في المانيا، بناءاً على الدراسات التي أثبتت زيادة متوسط الأعمار وأعداد المعمرين حتى 2050،  وعندها سيعمل الإنسان حتى تسقطه دابة الرأسمالية. وحينها يكون الانسحاق الذي ساق مشهده الأخير الشاعر الشاب محمد سالم مهدي حين قال:

تنتهي الأحلام المُترعة

ويَفوحُ عطن الموت

وتلك يقظتك الوحيدة.

عن الصادق يوسف حسن

mm
قاص من السودان ، أكتب وأقرأ وأمشي في الأسواق ، وأقص درب الكلمات ، أبحث عن الحقيقة في كل طور لها وكل عهد لي ، لا اتجاهات كلنا في نطاق مستدير لنستوي ، الحياة لغز كبير ومتاريس متمددة في الطريق وإلى آخره " انسان على طول المسافة بيبتسم " .