الرئيسية / احدث التدوينات / أمل ميلاد جديد

أمل ميلاد جديد

متوكل

  قراءة في دفتر الشارع، وما يمكن أن تكون دروس تُسهم في إنجاز الثورة بالسودان.

مقدمة:

الوضع القائم لا يحتاج أي مقدمات، لذا لنحاول تسليط الضوء مباشرة على مكاسب ثورية منتظرة من الحراك الحالي وانعكاسها على علاقات الشباب السوداني ومحيطهم.

المجتمع الدولي:

ثمة شيء ينضج على مهل على موقد اروقة المجتمع الدولي، القمع الذي تواجه به الأجهزة الأمنية المتظاهرين في البلاد كان من شأنه أن يُسود المواقع الرسمية للأمم المتحدة وامريكا ودول كثيرة اوروبية بالإدانات والمطالبات بضبط النفس، يحدث ذلك لو كانت الظروف طبيعية لكننا اليوم نعيش وضع استثنائي إذ لم نرى من الأمين العام للأمم المتحدة أي شيء حتى أكثر ما يجيد – التعبير عن القلق – ذلك لأن وقتنا الحالي ليس يشبه تلك الظروف بأي حال من الأحوال، فالبشير ونظامه حليف لأوروبا تحت الطاولة وصديق يعتمدون عليه في معركتهم ضد الهجرة الغير شرعية، ورعاية برلين قبل أيام للاتفاق الاطاري بين الحكومة وعدد من الحركات خير برهان على ذلك.

مع الوقت أيضًا سيتعلم الشباب أن المجتمع الدولي لا يُستند عليه، ولا يُرجى منه أي فعل لمجرد انتهاكات انسانية او حقوقية، “مجرد انتهاكات تلك مقصودة تمامًا فهي المفردة التي تُستخدم في اروقة تلك المؤسسات” ..

سيتعلم الشباب أن ذلك المجتمع يؤمن بالواقع والواقع فقط وسيفرضون هذا الواقع على الجميع.

 

إعلام بديل:

أغلب منصات الإعلام الحالية – كلها عندما نسيء الظن – تبنى على ارضيات بأجندة خاصة ليست بالضرورة مشتركة او راغبة في حدوث تغيير جذري في السودان، القنوات المصرية الحكومية وقناة الجزيرة نموذجًا.

حال الإعلام المصري مفهوم فالخوف من انتقال عدوى الانتفاض ضد العسكر لا يمكن إخفاءه، وتوجهات الجزيرة الايدولوجية كالشمس واضحة.

مع ذلك ما تزال تنمو سحابة من تذمر في قلوب الشباب لأن إعلام المنطقة يتجاهل او يغير حيثيات الحراك بالبلاد، أومن تمامًا بأن تعاطي الإعلام بشكله هذا له أثر جد عظيم على تطور الثورة السودانية فأحد أهم مكتسبات الحراك الحالي بالسودان أنه سيلفت الشباب السودانيين لا محالة إلى لا جدوى استجداء المساندة أو الدعم الإعلامي من أي منصة إعلامية.

النظر بعمق لحالة الصمت التي سادت إعلام دول المنطقة أو التغطية المتحيزة التي تقوم بها قناة الجزيرة الان تعطينا نافذة لرؤية مستقبل ثورتنا، مع الوقت سيتجاوز شباب السودان أغلب القنوات ومنصات الإعلام اللزجة، تلك التي طالما لوحت بل وتفاخرت بأنها من أسهم في انجاز ثورات في بلاد كثيرة، سيبني الشباب إعلام حر منحاز إلي الشارع، ما أن يتجاوز الشارع هذه العقبة فليست ثمة أي احتمالية من أن تسرق ثورته من هذا المنفذ، ومراجعة حال تونس في أول عامين من الثورة والدور الذي لعبته قناة الجزيرة في التأثير على استمرار الثورة هناك يغني عن الدخول في تفاصيل أكثر..

 

علاقة الشارع بمثقفيه:

في البدء لست ممن يحرض على عزل الشارع لمثقفيه – هكذا يجدهم البعض أو هم من  يسمي انفسهم – لكن الحراك الحالي كشف مدى انفصال عدد كبير من أولئك عن الشارع، الواقع والناس فها هو منشور على صفحة أحدهم يقول فيه:

“على الجيش استلام زمام الأمر وحسم الفوضى وانتزاع الكرسي بدلا من تركه لشباب لا يعون شيء” …!

شيء محير وجود مثقف يطالب الجيش باستلام السلطة مع ملاحظة أن هذا الجيش هو نفس الجيش الذي تتم ادلجته وتغيير عقيدته منذ ثلاثون عام..

اخرين يستهترون بالحراك الحالي بسبب أن ما حرك الناس ودفعهم للخروج سعر الخبز، ومطالبين بأن على الناس أن تتحرك بعد قراءة دفاتر الثورة البلشفية، ومطالعة كبار منتوجات الفلاسفة وحفظ عدد مقدر من النظريات وامتلاك معرفة حقة عن مناهج التحليل باختلافاتها وكيفية استخدامها في قراءة الحال، هنا عجز اصحاب هذا الرأي عن استخلاص شيء بسيط أن التململ والانتفاض بسبب انعدام الخبز ليس إلا أحد أشكال الانتفاض بسبب انعدام الكرامة.

مطالبة الناس – البسطاء كما يسميهم المثقف – بالخبز ليست سوى خطوة من أجل امتلاك وعي أكبر وأعمق حول حقوقهم.

ثمة نشطاء ومثقفون معزولون كلية يجلسون على عروش عالية، مقاهي خاصة بهم، تجمعات مغلقة و حديث بلغة لا يفهمها اغلب من يدُك الشارع الان ويزلزله بينما كل ما يفعلوه مثقفي العروش العاجية اليوم فقط لوم الشارع بحجه أنه ليس بالوعي المطلوب ولعدم الخروج في ثورة تشبه تلك الفرنسية، ظنًا منهم أنهم قاموا بدورهم بتثقيف انفسهم وعلى كل فرد القيام بنفس الشيء.

حسنا السؤال نفسه بصورة مختلفة هل يشبه مثقفوا السودان المثقفين الذين انجزوا الثورة الفرنسية، هل قاموا بدورهم كما فعل “روبيسبير او دانتون مثلا”…؟

الجدل الذي احدثه الكثير من النشطاء وبعض “الناشطين” يؤكد طوباوية يغرقون فيها ذواتهم المستعلية، واعتقاد بأن الثورة فعل وحدث واحد لحظي كمباراة كرة قدم هذا اعتقاد خاطئ ثم هو دليل عجز هؤلاء عن القيام بالدور المنوط بهم تجاه الشارع والحراك الحالي والقادم والذي يليه سيبين للشباب ضرورة إحداث قطيعة مع هؤلاء، وسيتجاوزهم تاركًا إياهم في عروشهم المُتخيلة.

 

القوى السياسية:

سبتمبر 2013 أحد مراحل نمو الثورة السودانية ونضجها تجلت حينها حقيقة مقولة أن الأحزاب في السودان “حكومة ومعارضة” هي طبقة واحدة بمصالح مختلفة قليلا لكنها تتحد وبقوة ضد الشعب ما أن تواتيه الرغبة في أن يقول كلمته”.

حراك اليوم يثبت بصورة أكثر وضوح تلك المقولة، ارتباك قوى نداء السودان، الخطاب الركيك الهادف إلى تسفيه حركة الجماهير الذي قدمه زعيم حزب الأمة، دفاع ياسر سعيد عرمان عن حزب الأمة باعتبار أن اقصاءه ليس ممكناً…!

وغير ذلك من ردود أفعال قامت بها احزاب او شخصيات حزبية معروفة لم تكن أكثر من محاولات مستميتة للدفاع عن مصالح الطبقة أو “لنسميهم النخبة مع بعض التحفظات”، لكن السخرية والتي وصلت إلى درجة التهكم على كل من حاول تبخيس الشارع تثبت أن هذا الجيل قادر على كل شيء وتبرهن أن ثورة السودان ستكتمل ملامحها قريبا لكن الساسة تعمى أبصارهم انشغالات الدفاع عن مصالح لا تمس المواطن أو الوطن ويرون أن لا ثورة حقيقية ستحدث وهذا الجيل سيتجاوزهم ويهدم اوهامهم كما سيقتلع كل قديم ويعيد ترسيخ قيم تتناسب معه ديمقراطية بكل مفاصل البلاد حينها لن نجد حزب معارض يطالب بالديمقراطية في الوقت الذي يدير شؤون نفس الحزب نفس الرجل طوال ثلاثة عقود ويزيد..

 

الجيش:

يتذمر الناس من هتاف الشعب:

“الجيش معانا ما همانا” والحق أنا شخصيا أحد المتذمرين من هذا الهتاف، فكيف لجيش عقيدته الدفاع عن النظام في كل الظروف أن ينقلب ضده، كيف لجيش لم يدافع ولا مرة في تاريخه الطويل عن المواطنين أن يحميهم ؟

القوات المسلحة الحالية هي ذات القوات التي فُصل منها كل من لا يدين بالولاء لنظام الجبهة الإسلامية، وشروط القبول في كليته الحربية أعيد تصميمها وبدقة منذ ثلاثين عام بحيث لا يُقبل فيها غير اصحاب الولاء للنظام أو على الأقل أولئك المهيئين نفسيًا وذهنيًا لتقديم الولاء.

بهذه المرحلة من الثورة السودانية ستكون المكاسب متناسبة وسلوك الجيش، فلو أن الإسلاميين اعادوا إنتاج نفسهم – ما يبرعون به – في لبوس الجيش وذلك ما تشير إليه معطيات اليوم الثاني للانتفاضة بعطبرة، فإن الثورة ستستمر ضد الإسلاميين بجلدهم الجديد/القديم، ولو أنه انحاز للشارع فيجب أن تستمر الثورة أيضًا فلا دور للجيش في سودان الغد غير حماية المواطنين وحدود البلاد.

 

علاقات المواطنين ببعضهم:

الحراك الحالي أحدث وما يزال أثرًا مهمًا جدًا – غير ملحوظ للكثيرين- على علاقة السودانيين ببعضهم، خروج مدن ومناطق مختلفة فقط لتخفيف خناق القوى الأمنية على متظاهرين في مناطق أخرى شكل من أشكال تطور ونمو لما يمكن أن نسميه الرابطة الوطنية بين السودانيين، هذه العلاقة التي كان على المثقف السوداني العمل على نموها، تشكيل ملامحها، بناء صيغة لها ونحت تفاصيلها بدقة وصبر ونفاذ بصيرة لكنه لم يفعل أو تكاسل عن النزول من برجه العاجي المقدس، لكن الشارع اليوم يقوم بذلك بوعي منه أو دون وعي.

علاقات المواطنين السودانيين الان بدأت تبنى على الأمل، أمل كل فرد في أخيه، أمل بأننا قادرون على بناء وطن حتى وإن لم تكن في أذهان الناس جميعًا نفس صورته.

الأيام القليلة القادمة سوف تقدم دروس مهمة كبيرة، تُسهم في تشكيل أدق لملامح الثورة بالسودان، المتابع اللصيق للشأن السياسي بالسودان يفهم جيدًا مدى تعقيد الأوضاع وتداخل عناصر المعادلة، حكومة لا تتورع عن الكذب والتضليل والقتل تساندها مليشيات لا يعلم أحد عددها أو هيكلتها، بالمقابل قوى سياسية هشة تفتقد هي ذاتها للمؤسسية والديمقراطية وكل ما تقول أنها تعمل من أجل تحقيقه بالبلاد، قوى ثورية مسلحة تلتزم حتى اللحظة باتفاقيات لوقف إطلاق نار مع نظام لم يلتزم يومًا بأي معاهدة، وقوى ثورية أخرى مسلحة تزحف لتوقع معاهدات أخرى أفشل من تلك التي انهارت، مع كل تلك العناصر المتباينة والمتداخلة لا شيء أهم من خروج الشارع وتعلم درس جديد في كل مرة يُبني ثورتنا بشكلها اللائق، فالثورة فعل مستمر وكل رفض أو تململ بسبب رغيف الخبز أو مقتل طالب أو حتي غضبة سائق على رجل مرور بسبب مخالفة لم يرتكبها يُمثل مرحلة من مراحل نضوج الثورة.

 

خاتمة:

الخاتمة الوحيدة المقبولة أن يسقط النظام ويتحقق أحد أهم مراحل الثورة.

لذا لنلخص الفكرة في عدة كلمات، الانتفاضة الحالية ما هي إلا أحد مراحل الثورة السودانية نجحت في تحقيق مطالبها أو لم تفعل، سقوط النظام وسيلة لتحقيق الثورة السودانية الهادفة إلى بناء وطن بمعايير جديدة، ليس ثمة أي ضمانات باستقرار الأوضاع لكن أمل ينمو في الأرواح لبناء دولة القانون يدفعهم لهدم القائم، يواصل النظام تهديد الشارع بالوصول إلى حال سوريا واليمن حال ذهاب النظام، والشارع سيفهم أن الإسلاميون هم من يحدث الفوضى في تلك الدول وإلا فلماذا لم تحدث طوال تواجدهم بالقصر وسيصل الشارع إلى نقطة مفصلية عنوانها:

“من يهددنا بالفوضى حال طرد من القصر لا يستحق أن يحكم البلاد وسيسقطون وتتحقق نبوءة الأستاذ محمود محمد طه”

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان