الرئيسية / احدث التدوينات / الثورة: اللعب الجاد

الثورة: اللعب الجاد

ندى

بقلم: ندى عبد الحافظ

إنهم يبصقون على نظريتنا،

لكن هذا لا يمنعهم من أن يحلموا بها كل ليلة

ساندرو فرينزي

     قبل البدء في الحديث عن الثورة، كحاله ثقافية، وضروراتها المعاصرة، أود أن أقدم قراءة لمحركين أساسيين داخل الثورة، أو تنظير احتوائي لهما:

     أولهما رفض تسمية الثورة بثورة الجوع، رغم إيماني التام بأن ثورة الجوع ثورة واعية تحقق تقدم اجتماعي مهم، و أن الحالة الاقتصادية لا تنفصل أبداً عن الوضع السياسي والاجتماعي، إلا أنني أقف في صف الرافضين أيضاً، الرفض عندي ينطلق من أن فكرة صراع الطبقات لم تعتد تستجيب لمقتضيات ثورة هذا العصر، و لأن الهدف من وراء هذه الثورة إحداث تغيير شامل يحقق مجتمع متحرر، فإن مجرد ارتباط الثورة بطبقة أو بمفهوم اقتصادي يتجاوز رغبات الثورة في التحرر من مفاهيم سياسية واجتماعية ودينية أخرى يعد خيانة قبل البدء وقبل تحصيل الحاصل، فالثورة الآن تعني كل فرد في المجتمع، ابن العامل والبرجوازي والشخصية الدينية والفرد النموذج، لأن الحرية التي تنادي بها تشمل جميع نوابض هذا المجتمع الإجرامي.

    أما الثاني فهو رفض المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، إن الشعب يتجسد في الفرد، والفرد الواحد يمثل معاناة الشعب أجمع، عدم المطالبة بإطلاق سراح من تم اعتقاله لا يعني عدم الاكتراث، إنما هو وعي أشمل لبوليسية هذا النظام، مقاومة في سبيل منع احتواء الثورة داخل خانة الحقوق الفردية التي يحتال بها النظام على المجتمع، لأن الحرية داخل هذا النظام مجرد وهم، ووجود أسوار للمعتقل لا يعني عدم وجود المعتقل خارج هذه الأسوار، إذن فالثورة ثورة الكل ضد النظام، والاعتقال يمثل فقط مشهد من مشاهد السلطة لن يتم التخلص منه إلا بزوال النظام نهائياً، لذا فالعمل على إزالة السلطة أجدى من المناداة بإطلاق سراح المعتقلين.

    أما عن الثورة، فإن عنوان الثورة الأساسي هو “التغيير الفوري للحياة اليومية.” شأن الثورة هو شأن تغيير جاد وفوري، وصعوبة حدوث الثورة تكمن في المجازفة بخوضها كفرد مدرك لإمكانية اختطافها، رغم تعويلك على حريتها المطلقة، واضعاً كل ثقتك في رفاق الطريق، وهي ثقة بصيرة تواجه الواقع دون القفز فوقه، لتذوب الأسئلة النظرية شيئاً فشيئاً أمام الأسئلة ذات الطابع العملي، وتصبح الفلسفة منخرطة في عملية التغيير ميدانياً بدلاً عن الاكتفاء بالمراقبة.

    جوهر التغيير الحقيقي للحياة اليومية، وسط الأسئلة المتكررة، يحدث في حالة واحدة، وهي حدوث وعي ثوري، يستطيع أفراد المجتمع عبره السيطرة على مؤسسة الدولة الأيديولوجية، إما سيطرة مباشرة بأن يكونوا متحكمين فيما تنتجه الدولة، أو بالاختطاف كما يحدث لتصريحات الدولة حالياً، ما أن تبدأ مؤتمراتهم الإعلامية حتى تتحول إلى صيغة ثورية جديدة تضعهم في موضع الاحتقار والسخرية وتواجههم باللامبالاة، هنا يبرز تجاوز الفرد للذهنية المتمحورة حول ثقافة السلطة أو النظام، تجاوز يفضح غايات وجوانية هذه السلطة.

    من العوامل التي أحبطت معظم الثورات الشعبية التي سبقتنا استمرار سيطرة فكرة الدولة السابقة رغم سقوط الكراسي، وذلك لعدم حدوث أي محاسبات للأيديولوجية القومية والجنسوية والقيم الدينية والثقافات التي كانت تنتجها الدولة لضمان استمرارها عوضاً عن بناء ثقافة ديمقراطية محلية، تبني للمجتمع مدنيته الفعلية. لذلك فإن إعادة تعريف المشروع الثوري مهمة جداً، لكنها وبأهميتها ليست شأن فرد واحد، لا المناضل ولا السياسي ولا المثقف، المشروع الثوري يحدث عفوياً، وبصورة غير واعية، لكنها مدركة لتقاطع رغبة كل من سبق في لحظة حرية ينادي بها الجميع.

    السلطة/ النظام في مجتمع الإستعراض الذي نعيش فيه، وفي سبيل هيمنتها، تعمل على تحويل المجتمع إلى مجموعة من المشاهد، كل مشهد يمثل تحقيق لها، ويختزل المجتمع لأفراد غير فاعلين، متفرجين سلبيين، خاضعين للسلطة السائدة ببقائهم هامش بلا دور سوى الاستهلاك. والفعل الثوري يكمن في تدمير هذا المشهد بكل الطرق، سياسياً، أمنياً، واجتماعياً، عبر عامل أساسي هو عامل الاغتراب، اغتراب الفرد داخل المجتمع، ليمثل كل فرد فردانيته فقط مع استمرار فعالية نضاله ضد السلطة.

     قد تغلب على الثورة التي نخوضها الآن أوصاف كالتفاؤلية الساذجة لإنفعال جماعي، أو الحماس اللاعقلاني، أو حتى التهريج، لكن في الحقيقة ما يحدث هو اختبار عظيم للعقلية السلطوية داخل كل فرد فينا، فالوعي الثوري يقود كل مواجهة مع السلطة إلى تحرير من العقلية التسيسية الواقع في أسرها، لنتحول من إنسان التنظيم الذي يخضع للدولة، إلى الإنسان السائب الذي يصنع حريته من ممارسة حياته اليومية. فطبيعة الاحتجاجات الحالية تفتح باب العفوية الخلاقة التي من شأنها إنتاج أوضاع غير مشهدية، تقوم على إشباع رغبات الفرد وتحقيق ذاتيته تحقيق حر بعيد عن أي صيغة سلطوية أو إيديولوجية، أو حتى تنظير يحاول دفعها. هذه الفوضى الخلاقة تحرر الفرد من عبء الثورة أيضاً، تحرره من البحث عبثاً عما هو غير مجدٍ، ألا وهو كيفية الثورة، فإذا كانت الثورة فعلاً فكرة التاريخ المنتظرة، فلتبحث هي عنا، هذه الفوضى تستبدلها بكل ما هو ملموس وحياتي، بالتمرد الذي تتغذى به تاريخياً الحركات التحررية.

    كما أن امتناع الأفراد بوعي من أدلجة هذه الثورة ينبع من أنه لا يمكن بناء ثورة تبشر بالحرية المطلقة للفرد تحت غطاء تنظيمي ايديولوجي، لأن شعار الثورة يخلق تحته الحياة نفسها، لذلك فإن هذه العفوية، أو اللعب الجاد، يمثل أقصى عقلانية الفعل الثوري، حيث لا يمكن الاعتراف إلا بقاعدتين فيها: الذوبان الكلي داخل الفعل الثوري، وتمتع الفرد الثوري بالحياة دون أي عوائق، بإدخال مطالب جذرية للإبداعية والرغبة والمتعة والروحية في العمل الثوري.

    ما يهدد السلطة أو أي فعل من شأنه تحويل الحياة لمشاهد يكون فيها الفرد مجرد هامش مستهلك هو الفكر الحر القادر على التمييز، وإبراز السلطة بنحو انتفاضي، فكر يسترد إمكانياته المسلوبة لتغيير مضمون الحياة وشكلها، دون أن يسقط في عقلية الفكر التنظيمي. لأن الفكر التنظيمي، أو إنسان التنظيم، هو شخص ذو عقلية سلطوية تتمثل الثورة عنده في انتقال مجرد للسلطة من يد إلى يد، ولذلك يفرض انضباط على العمل الثوري لتغيير العالم، والتي هي علة وجوده، لذا فهو في حاجة دائمة إلى تقليب أفكاره، بغية اتخاذ قرار ثوري، كما أنه يدعم نموذج مثالي ديني للثورة. أما الإنسان الثوري مبتدع الفوضى الخلاقة ليس لديه الوقت لتحديد أفعاله، فكل ما يحدثه هو ناتج فعل ارتكاسه الحدسي، لا يعمل على تغيير الحياة، إنما حياته هي نفي لحيوات يومية تسلطية، يندمج فعله في حادثة الحياة، ويتخلص حينها من الشعور بالملكية. يقول المفكر العراقي عبد القادر الجنابي: إنسان التنظيم يحدث الناس عن الحلال الثوري، السائب يعلم الناس الحرام.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة