الكركور

سارة

بقلم: سارة محمد

    اندفع صوت الطائرة عالياً، واقتربت بشدة من سمائنا، حتى خيل إليّ أنها تسقط علينا. رفع الجميع رؤوسهم بحثاً عنها في السماء، غير أني هربت مسرعة نحو المظلة ثم وقفت داخل المطبخ قابضة يدي أمام فمي. اقتربت ببطء من النافذة، أسترق النظر، ها هم الأطفال يتراكضون إلى باحة المنزل ناظرين إلى السماء، فقط أنا وذلك الصغير ذو العامين نراقب من البعد، يبدو عليه الإستياء، ممسكاً بقامة أحد الأسرة، بخلافي كان يركض بعينيه خلف إخوانه، تأخذه الرغبة وتمنعه القدرة، لم يطل استياؤه فها هي خالته اقتربت منه، وحملته على ساعدها، ثم أسرعت به خلفهم. كنت أراقبهم بحذر من نافذة المطبخ، يضحكون ويمرحون، لم أجرؤ على الخروج، كان قلبي مضطرباً، إلا أنني فرحت لفرحهم ذلك، أنظر إليهم يتقافزون مهمهمين بتلك الأغنية ويؤشرون إلى السماء: “الطيارة نمرة تلاته بي عجلاتا.” ولمحت أحد الأطفال محتجاً يشد على قميص خالته:

    – يا خالتو سبعه طيارات من قبيل.

    ورأيت عبير تطرق على رأسه قائلة:

    – القصة ما رياضيات .. الغنية كدا نمرة تلاته يا عبودي.

    أرجعني صوت طائرة أخرى إلى حقيقة ارتجافي، فوضعت يدي على أذني، وابتعدت قليلاً عن النافذة. عادت عبير بالطفل إلى المظلة وهي تتغني معه، استدارت داخل المظلة، فالتقت عينانا، ابتسمت لي، فسألتها:

    – فاتت؟

    ردت وهي تضع الصغير على السرير:

    – الطيارة؟! .. أيوا فاتت.

    أحسستُ بشيء من الراحة وغادرتُ المطبخ، فَنَظَرتْ إليّ عبير ضاحكة، ثم داعبت ابن أختها قائلة: “يلا شوف مودة طلعت خوافة” ضحكت معهم، وتناولت مكنستي، وذهبت إلي الصالة لأباشر أعمالي اليومية.

    خرجتُ أُبلل القطعة التي أستخدمها لتلميع الأثاثات، وقفت عند باب الصالة، كانت عبير تجلس على السرير تراقب ابن أختها تارة، وتنظر إلى الصور في جوالها تارة أخرى، حدثت نفسي إن كان هذا الجوال يستطيع أن يجلب صوراً من قريتي أيضاً، تحركت مقتربة منها، مبحلقة داخل شاشة الجوال، لما شعرت بي التفت نحوي متعجبة:

    – مودة في حاجة؟!

    ارتبكتُ قليلاً، وهززت رأسي بالنفي، ثم نفضت القطعة ودخلت الصالة، بعد قليل عُدت إليها متسائلة:

     – إنتِ تلفونك دا بجيب صور حلتنا؟

    فأومأت بالإيجاب، وسألتني عن اسم قريتي:

    – حتتكم اسمها شنو؟ ممكن نفتشها.

    فانحنيت متكئة على حافة السرير:

    – حته صغيرة كدا جنب تلودي اسمها ويرينيه.

    ويبدو أنها استصعبت اسم قريتي فقالت لي:

    – خلينا نفتش تلودي.

    كانت تحرك إصبعها على الشاشة، حتى إذا بدأت الصور بالظهور، سمعنا صوت الباب يُفتح، سألت عبير بصوت عالي:

    – منووو؟

    فجاء صوت أختها:

    – دي أنا.

    فهمت نحوها سلمت عليها، وقد كان ابنها قد استسلم للنوم، جلستا تتبادلان الحديث، وظل قلبي معلقاً بصور لم تظهر على الجوال الذي ركنته عبير جانباً متآنسة بأختها، لا أدري كم مضى من الزمن حين عادت الحجة آمنة والدتهن من بيت جارتها، كنت وقتها قد شارفت على الانتهاء من نظافة المنزل من الداخل. رأيت عبير تحمل ابن أختها إلى حجرتها، سكنت قليلاً ثم نادتني، أسرعت إليها وعيني تتلألأ فلابد أنها ستريني الصور، فأشارت إلى الشاشة وهي تميلها نحوي: “دي ما تلودي .. لكن ياها الجبال.” ابتسمتُ لمرآها، تلك المساحات المخضرة، بيوت من القش، ونساءا يحملن الماء على رؤوسهن، وقطيع من الأبقار بقرونها الشامخة إلى السماء، أغمضت عيني أستحضرها في خاطري، تتداخل معها صور أخرى لمناطق يكسوها الخراب، حركتها عبير بسرعة، أغمضت عيني فتلك تلودي التي تركتها خلفي، صور محفورة بقلبي، ذاك آخر عهدي بقريتي، رجال ببدل عسكرية يحملون الأسلحة، تراهم راجلين أحياناً، وتراهم على سيارات عسكرية أحياناً أخرى، مساكن تبدو محترقة، وأخرى مأهولة، تلك هي الجبال اليوم أكلت اليابسة خضرتها، وأطفأت الظلمة نورها، فتحت عيني وأنا أعلم أن الحال وإن تجمل حرب، وما تلك الخضرة إلا أثر بعض النجاة، لمحت عند زاوية الشاشة صورة لأطفال محتمين بالصخور، تعلقت أعينهم بالسماء في قلق، رفَّ قلبي على ذكرى طائرات الصباح، وتمتمت مشيرةً إليهم “كركور”.

     انتصف النهار، وكنت قد أنهيت معظم أعمالي داخل المنزل، فعدت إلى المطبخ أغسل بعض الأواني ما بعد الفطور، رن هاتفي فكانت والدتي، وكنت منذ الصباح أحدث نفسي بمهاتفتها، أحب حديثي معها، ينطلق لساني بلغتي، فأشعر بألفة الحديث، رغم أنني أحب العربية، وأجدني أتقنتها حديثاً، فلا أجد صعوبة في التعاطي مع من أعمل لديهم، وكنت منذ أن قدمت إلى الخرطوم، اشتغلت في عدد من المنازل، حتى أجدت عملي ولغتي، إلا أن الحديث مع والدتي بحنيتها واهتزاز صوتها عبر الهاتف، يجعل قلبي يتراقص فرحاً. أنهيت مكالمتي وخرجت أضع الهاتف على الشاحن، ففاجأتني عبير وهي تسألني:

    – مودة .. إنتي دا إسمك الحقيقي.

    نظرت إليها بإستغراب:

    – كيف يعني؟

    فقالت:

    – يعني مما إتولدتي سموك مودة.

    ضحكتُ:

    – أها .. لالا .. مودة دا سمتني ليهو خالتي هنا.

    فَأردَفتْ:

    – طيب واسمك كان منو؟

    فقلتُ:

    – كُنّي.

    كان لطريقة نطق اسمي رنة لطيفة، أعادني ذلك لحديثي مع والدتي قبل قليل. نطقت الاسم غريباً، فأعدت عليّها نطقه، ورددته مرة أخري، هكذا حتى نطقته بتلك الرنة فأجزته وضحكنا، ثم عادت لتسأل:

    – سمح لي خالتك غيرته ليك؟

    رفعت كتفي ومططت شفتي قائلة:

    – كدا أسهل، حتى خالتي بناتا مسمياهم أميمة وسارة وسمية، لكن هم ماعندهم أسوم تانية.

    وانصرفتُ لأشغالي. بدت لي شديدة الاهتمام بتفاصيل حياتي هذا النهار، وانشرح قلبي للحديث عن أبنائي الثلاث، وصغيرتي عفراء، عن والدتي التي ما زالت في منطقتنا بالجبال، كم اشتقتُ إليها، إذ لم أستطع زيارتها منذ أن غادرتُ منزلنا قبل أكثر من عشرة سنوات.

     نظرتُ إلى الساعة المعلقة على الحائط، إنها الرابعة والنصف عصراً، لقد تأخر الوقت حقاً، نظرتُ إلى عدد من الجرادل كان عليّ غسلها، فغضضت الطرف عنها، بدلتُ ملابسي سريعاً، والتفحتُ ثوبي، وذهبت إلى حجة آمنة أخبرها أني ذاهبة، فقالت لي معاتبة، وهي تعطيني حسابي عن الأسبوع:

    – الجرادل كلهن فطيتيهن.

    فتبسمت تبسم العارف فعلته، وأملت رأسي مشيرة إلى الجرادل التي بدى واضحاً أنني تعمدت تجاهلها:

    – أنا اتأخرت .. بكرة بغسلهن كلهن.

    امتعضت الحجة مما اعتبرته تمرداً على العمل، فرددتُ بصدق:

    – كله بغسله بكره .. لكن هسي كان اتأخرت يمكن ما ألقى مواصلات.

فسألتني:

    – إنتي ساكنة وين؟

قلتُ:

    – هناااااك في القرية.

   ومددت الألف بتعبير يفيد البعد، فكدت لا أقف عن المد، فالقرية منطقة سكنية تبعد زهاء الساعة والنصف من هذا المنزل، فهزت رأسها:

    – تمام .. بكرة تعالي بدري عشان تخلصي بدري.

    فأشرت برأسي مؤكدة على ذلك ثم أضفت معتذرة:

    – أنحنا كما زحمة صابرين دي ما بنتأخر.

     فابتسمت حجة آمنة:

     – أصلها صابرين زحمة .. يلا ما تتأخري.

    ثم ناولتني حقي من المال، وكيساً به بعض الأشياء لي ولصغاري، جمعتُ نقودي داخل محفظتي مبتسمة، ثم شكرتها وغادرت هامسة لنفسي: “ألحق أشيل كم حاجة من صابرين.”

     أسرعت حتى وصلت محطة صابرين، تلك المحطة التي حملت اسمها بواقع الظروف، فكانت حقيقتها تعكس صبر المارين عبرها. ممر وُلِد من رحم المعاناة، فكان مضيقاً تمر به المواصلات بحافلاتها الكبيرة والصغيرة، والسيارات الملاكي بأنواعها، وتلك المواتر الصغيرة المعروفة “بالركشة”، وعربات الكارو التي تجرها الحمير، يقف حائراً رجل المرور ببدلته التي استحال لونها فباتت تحمل لون الصبر داخل فوضي الإزدحام، عملت عليها عوامل التعرية من حرارة الشمس والأتربة ودخان العوادم، عزاء الأبيض فيها أن عين المارة ما أنكرت عليها بياضها المتشح بالرماد. ولكثرتنا نحن العائدين من أشغالنا نهاية اليوم، يكثُر أيضاً الباعة المتجولون، المستقرون على الأرض، يُدارون على بضائعهم من الأقدام والعجلات التي قد تدهسها دون مبالاة، نشأ السوق، بحضورنا ومباركتنا له ذهاباً وإياباً، تجد فيه على سراع الحركة مؤونة سريعة خفيفة تحملها غاضاً النظر عن الأتربة، والذباب، والمياه الراكضة، فهو أيضاً كحال المحطة وأهلها، صابرين. لحقت بإحدى الحافلات بعد أن أخذت من الخضرة والسكر شيئاً على قدر حوجتي وما أوتيت من مال.  بعدها ارتميت على أحد المقاعد وركنت رأسي على شباك الحافلة الموازي لمقعدي، فشرد بصري عبره متأملاً هذه المدينة المترامية الأطراف، حتى يدفعني الحنين لذكرى قريتي، أغتص متسائلة: “ما كنا تمام، لي بس؟”

     لم تكن حياتنا في المدينة سهلة، ولكنها كانت أجمل بكثير مما عايشناه في قريتنا الصغيرة، هناك على بعد مئات الكيلومترات من الخرطوم، على حافة الجبل، تحت مرمى الطائرات ومناورات الرشاشات، كانت موسيقانا تختلف يوم عن يوم، حتى حلبات المصارعة التى كنا نفاخر بها تحولت إلى حلبات دامية، كان أصوات أقدامنا المملوءة بالحلي وهي تدك الأرض مرحاً تتبدل كل يوم إلى أصوات الزحف والهرولة هرباً من الموت وبحثاً عن الحياة. عندما غادرت قريتنا أول مرة كنتُ في التاسعة من عمري، حضرت برفقة خالتي المستقرة في المدينة، لم تكن قريتنا عرفت الحرب بعد، على صغر سني أحببت أنوار وبهرجة المدينة، حتى طعم الخبز والفول كان مختلفاً، ومشروب الكولا الذي كنا نتقاسم عبوته مع بنات خالتي له مذاق الفرح، كل شيء كان مختلفاً عن قريتنا، رغم أن خالتي كانت تغيب طيلة النهار وتأتي مساء عليها علامات الإرهاق إلا إنها كانت تأتينا مبتسمة حامدة لما غنمته في يومها.

     عدت بعد فترة إلى القرية برفقة خالي، الذي كان يتنقل كثيراً بين المدينة والقرية بغرض التجارة، جئت حاملة في نفسي أشواق المدينة وحبها، لم أعلم حينها أن المدينة مُرائية كاذبة، تتكبر على الضعفاء، وما تلك البهرجة والأنوار إلا أحد وجوهها المتعددة، حال الكثيرين من المقبلين عليها كحال طالب الماء سراباً. لم يمضي زمن كثير على عودتي إلى قريتي حتى اندلعت الحرب، كانت نذرها قد سبقتها، فأحس الناس الضنك، وضيق العيش، وقلة الموارد وصعوبة التنقل، كان صوت الطائرات كالرعد يقذف الرعب في نفوس الكبار قبل الصغار، حتى كان اليوم الذي لم يكن فيه صوت الطائرات وحيداً، كان يأتي مخلفاً من وراءه دوياً وحريقاً، فيتعالى صراخ الأطفال وعويل النساء، فيعلم الجميع هناك أن صوت الطائرة نذير شؤم،  فترانا ما أن سمعناه هربنا نحو الجبال، النساء يحملن على ظهورهن من لا يستطيع الركض من أطفالهن، ويركض من قوي على ذلك، نتفرق مختبئين داخل أوكار الجبل، تدخل كل مجموعة داخل وكر صغير مظلم  نسميه “بالكركور” نحتمي بصخوره من غضب السماء. كانت ظلمة الكركور تلك وضيقه أوسع من رحابة السماء وشمسها، نظل على هيئتنا تلك نرتجف خوفاً، وما أن تلجأ الشمس إلى مخدعها ويستلم الليل المكان، حتى تسكن السماء وتختفي أصوات الطائرات، فتتسلل منّا النساء بحثاً عن الماء، كن يقطعن مسافات طويلة في تلك الليالي فالظلام أستر لهن من عين النهار. أما رجالنا شيباً وشباباً مشغلون بالحرب، وتلك الكراكير صباحاً تتحول إلى سرادق للعزاء تسمع منها أصوات البكاء المكتوم، أرامل وثُكالى ينتحبون، ثم ما ينقضي بعض الزمن حتى يتحول المأتم وتتغير الأصوات هكذا كانت صباحاتنا في تلك الفترة يخيم عليها الحزن، أولئك الذين لم يقضوا نحبهم في المعارك، قضوا عطشاً في طريقهم بحثاً عن العلاج كوالدي. لكني اليوم يكفيني رضاً أن أعود مساء أحمل بين يدي قوت أطفالي في أمان لأبتسم. فقد انشغلت عن ألم ماضي ذاك بحاضري. لا نطلب الكثير فقط الأمان ولقمة العيش.

     فتحتُ الباب ودخلت إلى منزلنا، ذلك الذي نحرسه لصاحبه، أستقبلني أطفالي عند الباب، تلقفوا الأكياس وهم يتطايرون فرحاً لحضوري، يتسابقون لإخباري عن نهارهم، فحدثوني عن طائرات ملأت السماء صباحاً، وكيف أنهم احتموا تحت السرير من شرها، لتضحك خالتي قائلة لهم: “دي ما طيارات الأنتنوف البتقولا أمكم .. ولا التحت السرير كركور.”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة