الرئيسية / احدث التدوينات / المسؤولية.. الذات والثورة

المسؤولية.. الذات والثورة

محمود مع

هل هنالك وقت أفضل منذ هذه الأيام لنستدعي آلان باديو إلى واقعنا؟ نحن بحاجة اليوم لأسلحة الثقافة النووية، المشروع الثوري أمامه كم مهول من التحديات يجب علينا عبورها:

١. مشروع البناء الديمقراطي:

علينا أن نصنع بناءًا ثقافيًا متينًا قادرًا على تحمل ثقل الفكرة، “الديمقراطية”، حكم الشعب، هي ليست فكرة بسيطة، في أيام ما بعد الربيع العربي بات واضحًا جدًا أن ترسيخ الديمقراطية يمر عبر توفر نظرية ثورية قادرة على تنظيم المجتمع بما يمنع عودة الديكتاتورية. علينا كمثقفين أن نوضح للناس شكل ذلك البناء. “النقابة” اليوم هي وليدة الثورة، إلتف حولها الناس، أعلوا من شأنها، و بدؤوا ينتظمون خلف راياتها. مثل هذه “الأفكار”، مثل فكرة “النقابة” هي فعل ثقافي أولا. تأتي بعدها فكرة “الحزب”. الدولة هي جهاز قاهر، جهاز علينا أن نوفر نظرية قادرة على تنظيم عملنا داخله، و تنظيم العمل خارجه.

٢. الفرد، المواطن:

العالم الداخلي للفرد، الأيديولوجيا التي يعيش داخلها، هي بناء ثقافي. بناء لابد من تشييده على قواعد متينة قادرة على محاربة الأصولية الدينية، العنصرية، و المنطق التهكمي Cynical Reason. بدون مثل هذا البناء سيعود الفرد طائعًا لأحضان الديكتاتورية و الأفكار الرجعية. علينا أن نبني الفرد القادر على “الحب”. الحب الذي هو أكثر من مجرد المشاعر. حب الوطن، الإنسان (ذكرًا ان أم أنثى”، و الحرية.

٣. العولمة:

نحن اليوم، نحن الأفارقة الفقراء، نواجه بسؤال “العالم”. ليس بإمكان أي ثورة وطنية أن تنتصر بغير إجابة ثقافية واضحة على سؤال العولمة. ما هو موقعنا من العالم؟ ما هي العقيدة التي تنظم علاقتنا مع الخارج؟ كيف يمكننا أن نتحرك كبلد صغير في واقع عالمي إقتصادي و أيديولوجي معقد؟ خذ مثلًا السؤال حول “أفريقيا”، ما يمكن للمثقف أن ينجزه هو تكوين وعي عام، يتجاوز الوعي المحلي، و يتيح للشعب تكوين تحالف وجداني راسخ مع قطاعات واسعة من البشر، بما يسمح للثورة أن تعيش. المثقف اليوم هو “السفير” يربط المحلي بالعالمي، و العالمي بالمحلي، إذ لا يمكننا أن ننحسر نحو فكرة الثورة المحلية التي تداهمها القوى العالمية بترسانتها فتجدها لقمة سائغة. ما حدث للثورة السورية، و الليبية يجب أن لا يحدث من جديد.

نحن بحاجة اليوم للترسانة النووية الثقافية. آلان باديو، المثقف الفرنسي الشيوعي المايوي هو أحدها.

(١) عن المسؤولية:

في مقدمته لكتاب “نظرية الذات”، يعلق آلان باديو على أحد مؤرخي الثورة الفرنسية، المؤرخ الذي تحدث عن المثقف في أيام مشايعة باريس في القرن التاسع عشر بإعتباره كان شخصًا معزولا يجري بين الحواجز التي نظمها الثوار كمثل “الكلب” يلهث خلف الأحداث. باديو يعلق على ذلك بأن هذا هو أكبر مخاوفه، الكابوس، بالنسبة لآلان باديو هو أن يظهر في لحظة أمام الناس و هم في خضم ثورتهم، لسألوه: ما هي الخطة؟ ما العمل؟

نحن المثقفون أمامنا هذه المسؤولية، لا مجال للتهرب منها عبر لعب دور “الحاشد” للثوار، المطبل لهم. نحن أمامنا مسؤولية هضم المعرفة الإنسانية ثم إجتراح الحلول. “الطلاب ضمير الأمة” قالها خالي لي يوم عدت من مظاهرة في جامعة الخرطوم. خالي الذي لم يحظ بقدر مميز من التعليم و لا الثقافة. مثل هذه المقولة عليها أن تجعلنا نستشعر ثقل المسؤولية الملقاة علينا. و كلما خرج علينا “مثقفاتي” مترنحًا أمام النغم الثوري، مطبلًا، تابعًا للجماهير، علينا أن ننظر له كعدو مستقبلي. هؤلاء الذين ينظرون للتخلي عن الثقافة و عن موقع المثقف هم أعداء الشعب. أولئك الذين يفنقون الساعات يقرؤون و يترجمون و يحاولون فهم تعقيدات الواقع، هم “ضمير الأمة”.

(٢) عن الذات:

ما هي الذات؟ أمام هذا الإسم علينا أن نقف أمام التفريق بين “الفرد” و “الذات”. كل إنسان فرد، و لكن ليس كل إنسان ذات. منذ خرج أفلاطون و رينيه ديكارت بفكرتهما عن “الذات”، أصبح من المستحيل ربط الذات بالفرد. الذات هي شيء أعلى من الفرد. ديكارت إعتبر أن الذات هي نتاج فناء الفرد: الذات هي “الكوغيتو”، ذلك الذي يبقى بعد أن تفنى كل التعريفات الواقعية المادية للفرد، الذات هي الوعي المتطفل على الفرد. عندما يحاكم الواحد منا نفسه بناءًا على الأفكار التي يؤمن بها، عندما يشعر الواحد منا “بالذنب” هنا تظهر الذات. الذات هي الوعي الفاعل في التاريخ، نتاج الوعي.

آلان باديو يعرّف الذات بأنها ذلك الشيء الذي ينضح “وفاءًا” “للحدث”! دعنا نأخذ الثورة التي أطلقتها الجموع الفقيرة في السودان اليوم، يمكن للواحد منا كفرد أن يجد نفسه فيها، أن يساندها، ثم حال ما فشلت الثورة، أن يعود لحياته اليومية. أما الفرد حال تحوله لذات، فإنه سيرى أنه غير موجود بغير “وفاءه” للثورة التي ظهرت يومًا و إختفت. آلان باديو يستعمل أبيات مالارمي هنا: مالارمي يقول بأن “حطام السفينة” .. “لن يختفي أبدا”. عندما تبحر سفينة حب ما، و تتحطم في خضم البحر العاصف، فإنها لن نكون موجودة بالنسبة للفرد. إلا أن “حطام السفينة”، “لن يختفي أبدًا” بالنسبة للذات.

نحن إذن نولد اليوم كذوات، ك “أشياء”، و ليس أفراد، في خضم بحر الثورة العاصف. الثورة كسفينة، ستوجد دائمًا عبرنا، و نحن سنوجد عبرها، ليس كأفراد بل كذوات. الثورة الحقة “حدث” عبر وفاءنا له، نوجد. الذات هي ذلك الذي يبقى عبر الثورة و تبقى الثورة حية غيره. ما عداه هم الأفراد الذين يذهبون كغثاء السيل.

(٣) الثورة:

المطلوب اليوم هو أن نفكر في الغد. الحماس الثوري الآني هو للجميع. أما مسألة “اليوم التالي” فهي لنا نحن. نحن علينا أن نبني أنفسنا ثقافيًا بحيث يكون بمقدورنا أن نهضم مرارات الفشل، و خيانة الأصدقاء، و إنهيار الخير أمام أعيننا. نحن نتوقع الأسوأ دائمًا و نستعد له. و هذا الإستعداد يأخذ شكل الثورة الثقافية:

اليوم أمامنا مهمة هضم أنواع مختلفة من المعارف. بداية بالفلسفة، أن نصل بالمنطق، و العقل، إلى منتهاه، أشخاص مثل “جاك دريدا”، “آلان باديو”، “جورجيوآعامبن”، “سلافوي جيجاك”، “كاثرين مالابو”.. إلخ، يجب أن نفهمهم و أن نتجاوزهم. مرورًا، بالنظرية السياسية، أن ننفتح على مدارس التفكير السياسي الثوري مثل مدارس الماركسية الجديدة في أيطاليا، “أنطونيو نيغري” مثلا، أو مدارس التجديد في الماركسية الكلاسيكية ك “ديفيد هارفي”. نهاية بالعودة المؤسسة لتاريخنا و واقعنا الأفريقي الشرق أوسطي: فهم مسألة الإستعمار، و العروبة، و الإسلام إلخ. على أفراد منا، ذوات حرة، أن تشتغل على هذه الثورة بصورة حثيثة حتى نحول فضاءنا لفضاء مناسب للتحدي الذي يقف أمامنا: التحدي اليوم هو في تحويل الثورة إلى واقع، أن نصنع شيئا جديدًا. نحن لا ندرك “حطام السفينة” بصفته شيئا موجودًا فقط، نحن ندركه كشيء سنعيد خلقه كسفينة ستبحر بنا نحو تاريخ جديد. في مثل هذا الحلم لا مكان للهزيمة، كل ما يدركه الناس، الناس العاديون، “كغرق”، ندركه نحن ك “مجرد مرحلة”. نحن لسنا كبقية البشر، نحن مخلوقون من معدن “آخر”، معدن خالص و متين.

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .