الرئيسية / احدث التدوينات / المقاومة السُودانية في سياق متغيّر

المقاومة السُودانية في سياق متغيّر

موسى

بقلم: موسى اديبايور

I

     في الفترة الانتقالية (1953-1956) كان الهدف الرئيسي لقوى القطاع الحديث المتمثلة في مؤتمر الخريجين وبعض الاحزاب السياسية التي انبثقت منها تتمثل في التحرير من الاستعمار والإعداد لتقرير المصير، رفعت المذكرات وسيرت المواكب، وبذلت كل طاقتها في تحقيق تلك الأهداف. وفي مقابل ذلك غابت سياسيات التعمير والتنمية الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي الواسع من فكرها السياسي والتنموي.

     ومنذ ذلك الوقت لم تدرك قوى القطاع الحديث في السودان – الذي انشأه الغزو البريطاني المصري في رقعة محدودة من السودان الشمالي النيلي ووسطه – إن سبب عدم استقرار الحكم الرئيسي في السودان هو بقاء القطاع التقليدي (الزراعي المطري والرعوي) مهمشاً من التنمية والخدمات ومن تقاسم السلطة والثروة. يكاد يشمل القطاع التقليدي كل أهل السودان. ويقبع تحت التهميش الاقتصادي والتخلف الاجتماعي منذ الاستقلال، حيث استمر كل الحكومات الوطنية مع سياسات الاستعمار في تمركز التنمية الشحيحة في المركز، ومنعت منها الأطراف بسياسات تخدم أقليات متنفذة طفيلية، حتى في المركز تستغل جهاز الدولة للقمع والنهب.

II

    لم يستقر نظام الحكم في السودان طيلة فترة دولة ما بعد الاستقلال، حيث ظلت طبقة البرجوازية الصغيرة المكونة من المدنيين والعسكر تتبادل السلطة والثروة مع حلفاءهما الرأسماليين وكبار التجار. وجعل أداة طبقية تقهر بها خصومها السياسيين. وجعل من الخدمة المدنية مصدر غنيمة ونهب للثراء الأسري وواجهة اجتماعية. فديمقراطيو البرجوازية الصغيرة عندما يتكلمون عن الحرية والمساواة إنما يعنون بذلك الديمقراطية البرلمانية؛ التي يستغِل فيها الرأسمالي الطفيلي حاجة عامل المدينة وجوعه وصوته السياسي للوصول إلى البرلمان، ويستغِل فيها أيضاً فلاح الريف الفقير بسبب حوجته للخدمات بسرقة صوته السياسي لصالح مُضارب صغير في بورصة الحبوب والبقوليات. وتقوى دولة الرأسماليون والتجار والمضاربون، وعندما تكبر أموالهم يقومون بتكوين علاقات تبعية سياسية واقتصادية مع دول الرأسمالية المعولمة، لإدارة اموالهم في المضاربة والصيارفة. ومع ظروف العولمة الاقتصادية – ظروف إنتاج السوق الحر – حصل التراكم عبر سياسات إعادة الهيكلة، وانهارت العلاقات الاجتماعية بين سكان الدولة الواحدة. حتى وقفت طبقة الرأسمالية الطفيلية على طرف نقيض مباشر وكلياً مع العامل في المدينة والفلاح في الريف. وفي كل مرة يفرض ضعف بنية العمل المأجور في الاقتصاد السوداني القوى النقابية باستخدام سلاحها التنظيمي الفعال الإضراب السياسي والعصيان المدني للتأثير الحاسم على سير عمل مؤسسات الدولة. ومع سياسات الإفقار الشامل للقطاع التقليدي يستخدم الريف أيضاً سلاح الانتفاضة المسلحة لضرب مشروعية الدولة الطفيلية في كعب اخيلها، فتصاحبها تداعيات سياسية وخلخلة عسكرية فيضعف جهاز الدولة المركزي، فيظهر ضعف نظامها الحاكم، فتسقط الحكومة، فتضطر القوات المسلحة – حامين عرين النظام الطفيلي – فينحاز للثورة الشعبية، وتقوم فترة انتقالية جديدة فيرتكب فيها منظمو الثورة أخطاء الفترة الإنتقالية السابقة، فتدور الساقية مرة أخرى لدورة جديدة. حتى عُرف هذا السلوك في الأدبيات السياسية السودانية بالدائرة الشريرة المتصاعدة: نظام دكتاتوري – انتفاضة شعبية – فترة ديمقراطية قصيرة – نظام دكتاتوري أطول – انتفاضة شعبية…الخ.

III

     مع الحراك الذي انتظم الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السودان إذا أردنا أن نكسر هذه الحلقة لابد أن نفهم الأخطاء الرئيسية في كل الفترات الانتقالية السابقة. هناك أخطاء مرتبطة بظروف وعوامل موضوعية متعلقة بالسياق الذي تدور فيه الثورة، وهي تلعب دوراً كبيراً، إيجاباً وسلباً، في تغيير مالات الثورة لصالح طبقة من الطبقات. ومع التحليل السياسي السليم لمصالحها يمكن التقليل من سلبياتها وبفهم الموضوعي هو تجلى لظواهر ذاتية. وهناك أيضاً العامل الذاتي الحاسم الذي يتمثل في أن التنظيم هو أعلى أشكال الوعي بين قوى التغيير. ومن هذا نستنج أن السبب الرئيسي في سرقة ثورة اكتوبر 1964 ومارس/ أبريل 1985، هو عدم وجود التفاهم والتناسق الضروري بين القوى الثورية في الريف وفي المدينة، في الإدراك والوعي التنظيمي المتبادل بأن المهام والأهداف يجب أن تكون ثورية ومشتركة وواضحة، ومهما علا شأن أحد منهما لابد أن يتكئ كل واحد على كتف الآخر لتحقيق منجزات الثورة في سياقها الإستراتيجي الذي يدور في واقع اقليمي ودولي متغيّر بمصالحه المتعارضة. وهذا العامل الذاتي يؤكد أن مسيرة النصر في الثورة الاجتماعية  الديمقراطية لا تكتمل إلا بمشاركة ثورية نشطة ويقظة بين قوى القطاع الحديث في المدينة والقطاع التقليدي في الريف، في بناء الكتلة التاريخية التي تجمع اصحاب المصلحة في التغيير في تحالف واحد لإدارة مهام الفترة الانتقالية الصعبة، بشرط أن يكون تحالف عريض يتّكون من جماهير القطاع الحديث حيث الوعى بسلاح الإضراب السياسي وجماهير القطاع التقليدي حيث الغالبية من سُكان السودان لخلق التأثير الحاسم بغرض الانتقال السياسي السلس، وتأمين أهداف الثورة الديمقراطية من السرقة.

IIII

     من المعروف أن ظروف ثورة ديسمبر 2018 تختلف عن ظروف الثورات القديمة التي حصلت في السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال. في هذا الثورة نشهد تغيير دور الريف الذي بدء يلعب دوراً كبيراً في تحديد مهام الثورة، حيث انتفض سُكان الهامش السُوداني بالمطالبة بحقوقهم السياسية والاقتصادية منذ بدايات الإنقاذ متزامناً مع نضال القطاع الحديث والمهنيين في المُدن. لذلك لابد أن تكون المطالب لثورة ديسمبر2018 عادلة لجميع السودانيين بمختلف أعراقهم ومناطقهم واديانهم ونوعهم الاجتماعي، إنطلاقاً من قناعة راسخة مفادها أن عملية التغيير التي نبتغيها جميعاً لن يكُتب لها النجاح في إسقاط نظام الإنقاذ، ناهيك عن الاستمرارية في إعادة بناء الدولة التي دمرها، ما لم يتم الجمع بين مصالح القوى الثورية في المدينة والريف في وضع مطالب ثورية مع وضوح الخطاب في الطرح والتوصيف والتحليل الاستراتيجي لماضي النظام وحاضره، وتحليل أدواره وتحديد أدوار ومصالح حلفائه في الداخل والخارج، ويصاحبهما جدية العمل لإسقاط النظام أولاً، وإدارة المرحلة الانتقالية ثانياً، بمهنية ثورية وشفافية ودقة علمية. لذلك هناك مهام ثورية محددة للفترة الانتقالية نراها ضرورية لتحقيق أهداف الثورة، يجب أن تقوم بها القوى الثورية فوراً بعد سقوط حكم الإنقاذ:

1/ تحديد فترة انتقالية، بين 4-6 سنوات، يتم فيها قلب بنية سُلطة الدولة المركزية، منذ الاستقلال، من خطاب البناء الفوقي، للاهتمام بسياسات التعمير والاصلاح الاجتماعي الواسع لأشكال الحكم والدستور وعلاقة الدين بالدولة.

2/ إصلاح قوانين الأراضي حتى تختفى طبقة المستغليّن وملاك الأرض الرأسماليين الطفيلين تدريجياً.

3/ إصلاح بنية القوات النظامية ( الجيش – الأمن – الشرطة)، وإخراجها من الصراع حول السلطة، وأن تقوم بمهامها وواجباتها حسب مواد الدستور.

4/ التمييز الإيجابي للمناطق المُتضررة من الحرب في التنمية والخدمات.

5/ إصلاح بنية الخدمة المدنية، وتوجيها نحو الإنتاج والقيام بالتوزيع العادل للإنتاج، لتقوم بسحق طبقة المستغِليّن المتزايدة عناداً مع نظام الإنقاذ.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة