الرئيسية / احدث التدوينات / الموكب العظيم

الموكب العظيم

الروسي

بقلم: إبراهيم الروسي

     رميتُ جسدي المُتعب بتثاقل، أحسستُ بإنتصار عظيم بحصولي على مقعد في البص الصغير، بعد إنتظار طويل، تخشبت على إثره قدماي من الوقوف، غير مبالياً بسعر التذكرة المضاعف، حاولت فتح النافذة لأستنشق هواء نقي بعد هذا الإنتصار العظيم، حاولت فعل ذلك بكل قوتي، لكن الزجاج تمرد عليّ ورفض التدحرج إلى الأمام، فتركته وأخذت أتأمل في الركاب المتصارعين للفوز بمقعد، بعد جهد مضني ومعاناة إستطاعت الفتاة التي حجزت المقعد بجواري بحقيبتها، الوصول إلى مقعدها، أخرجت منديل ورقي وأخذت تزيل منه الغبار العالق به، غير عابئة بالأصوات العالية التي تدعوها لتزيح مؤخرتها كي يعبروا إلى مقاعدهم التي حجزوها، مَسَحتْ بإتقان سائر المقعد، ثم أراحت مؤخرتها، وهي تلملم أطراف فستانها الوردي.

     أخذ الجميع موقعه، بدأ البص الصغير يزحف بسلحفائية، ويصدر طنيناً مزعجاً، ساد صمت مطبق، قبل أن ينقشع عندما بدأ رجل – يبدو في منتصف الستين من عمره، ويكسو رأسه شعر فضي – يحادث إمرأة كانت تضع على فخذيها، وبعناية، كيس رغيف طازج، تقبض عليه بقبضة قوية كأنها تخشي من التفريط فيه، أخبرها عن عناءه اليومي، كيف أنه ظل لساعات أمام الصراف الألي، منتظراً أن يعبأ بالنقود ليصرف بعض من مرتبه الشهري، قبل أن يقف مرة أخرى منتظراً المواصلات، تحسرت المرأة على الحال، وهي تحكم قبضتها أكثر على كيس رغيفها الشهي، أكمل الرجل قائلاً بنبرة حزينة: بعد هذين الصفين، “ينتظرني صف الخبز.”

    أصدر البص الصغير ضجيجاً صاخباً، حينما سقط في حفرة كانت في منتصف الطريق، الذي لم يطاله الترميم منذ أن رصفته شركة سيئة الخبرة، طالعتُ قبل عدة أيام تحقيقاً صحفياً عن هذا الشأن، قيل قد كلف رصفه مليارات الجنيهات، ومع ذلك لم يمر عام من رصفه حتى بدأ يتشقق، فقد أشرف على إنشائه مهندس حديث التخرج، عديم الخبرة. صاح أحد الركاب في وجه السائق واصفاً إياه بالأعمى، وطالبه بتوخي الحذر. واصل السائق القيادة دون أن يأبه بالكلمات القاسية التي طالته. وفي هذا الصخب، غصتُ في التفكير، حاولت إسترجع شريط أحداث اليوم، تدافعت الصور في ذهني، تذكرت كيف جرت الأشياء، استيقظت قبل شروق الشمس على غير المعتاد، وصلت مبكراً إلى المكان المخصص للمعاينة، رغم ذلك وجدت عدد كبير من الحالمين بالتوظيف قد سبقوني، كأنهم قد قضوا ليلتهم في هذا المكان، بعد كثير من الإنتظار صاحت المنادية بإسمي، كنت أول الداخلين إلى لجنة المعاينة، فإسمي يبدأ بأول حرف أبجدي، إسمي هذا جعلني أكون في المقدمة دائماً ، يضعني في مواجهة مباشرة مع عيون المراقبين الحادة في قاعة الإمتحان، إنه أمر مفرح ومزعج في آن واحد، كنتُ أتمنى أن يسبقني أحد كي أسأله عن نوع الأسئلة المتوقعة، أو أي شيء أخر يفيدني في المعاينة. دخلتُ بقدمي اليمنى كي يحالفني الحظ، كانوا إمرأة ورجلين، مددت لهم شهاداتي، وضعوها جانباً دون أن يتفحصوها، كانوا يرمقونني بنظرات حادة، يبدو عليهم عدم الرضى على مظهري غير الأنيق، كنتُ أرتدي بنطلون أسود وقميص رمادي لم أستطع أن أكويه جيداً لإنقطاع الكهرباء، ثم أخذوا يتسابقون في طرح الأسئلة دون أن يتطرقوا لمجال تخصصي، سألوني عن أمور كثيرة، الدين، العلمانية، الحركات المتمردة ذات الأجندة الصهيونية، القضية الفلسطينية، الدين، نهضة الأمة، قلت: إن أي نهوض لا بد أن يسبقه قص أجنحة رجال الدين، لأنهم يجمدون وعي الجماهير. صار النقاش حاداً فيما بيننا.

    المساوة بين الجنسين هل ممكنة؟ قلت ببرود: هذا يتوقف على التعليم والوعي. ما رأيك في حرب اليمن، أجبتُ: إن الحرب في اليمن ليست مقدسة كما تدعى الحكومة، وإن المملكة العربية السعودية التي تبرر حربها على اليمن باستعادة الشرعية والديمقراطية، هي نفسها غير ديمقراطية والحكم متوارث فيها أب عن جد. كيف تقيم مشاركة الجنود السودانيين في هذه الحرب؟ ضحكتُ ضحكة مجلجلة وساخرة أغضبتهم، رمقوني بنظرات شيطانية، وأخذوا ينظرون إليّ بغضب، قبل أن ينهوا المعاينة ويطلبوا مني المغادرة، خرجت وسعادة غامرة في قلبي، ظل شعور الإنتصار يرافقني لوقت طويل.

    رحت أحدق في بائع المنقة العشريني، حينما توقف البص الصغير منتظراً الإشارة ليعطيه الضوء الأخضر للعبور، كان البائع يقف بمحاذاة درداقته المليئة بالمنقة الخضراء، البعض منها مقطع على هيئة شرائح صغيرة ومعبئ في أكياس صغيرة ومرصوصة بجوار صحن المونيا مليء بالشطة، أخذ يتفحص الركاب بعيونه لعله يجد من يشتري منه، أتي مهرولاً عندما أشارت إليه الفتاة التي تجلس بجواري، جاء يحمل كيساً مليء بشرائح المنقة بعد سكب الشطة المخلوطة بمسحوق الفول السوداني عليها، بحثت الفتاة في حقيبتها عن ما تبقى من النقود، لكنها لم تجد شيئاً، عاد البائع إلى بضاعته وفي عينيه خيبة أمل.

    عبر البص الصغير التقاطع حينما أعطته الإشارة الضوء الأخضر، وواصل المسير، لم يمر وقت طويل حتى رأينا فتاة غاضبة تقف بمحاذة الطريق، تهتف بصوت رخيم وناعم في وجوه المارة وتردد: “يسقط، يسقط حكم العسكر،” قبل أن تصرخ بصوت متشنج: “يسقط العفن،” وصفها أحد الركاب بالجنون، ضحك أخرون ضحكات خاوية، صاح رجل أخر فيهم بغضب، قائلاً بصرامة: “هذه البنت أرجل منكم جميعاً.” ساد صمت قبل أن يضيف: “شعب جعان لكنه جبان.” كان حديثه كخنجر حاد في قلوبهم، نكص الجميع رأسه محدقاً إلى أسفل قدميه، ساد صمت، إستعدل السائق المرآة الأمامية، ومسح بعيون مستطلعة على الركاب، عاد يحدق في الطريق بعد أن رأى أرتالاً من الأسف الذي طغى على وجوه الجميع، أدار مؤشر الراديو على إذاعة أمدرمان، كانت تبث أغنية، حرك بعدها المؤشر على عدة إذاعات، قبل أن يستقر في إذاعة تبث برنامج ديني شهير. تسلل ملل كبير في قلبي، شعرت بضيق شديد، والسائق ما زال يتباطئ في القيادة، يتوقف بعد كل عدة أمتار، يضغط على الكابح بقوة حينما يشير إليه أحد ما في الطريق بالركوب، لكنه يتباطأ في التوقف عندما يطقطق له أحد الركاب بالنزول. أغمضت عيني لأطرد الملل الذي يقتحمني، فتحتها على أصوات هادرة تهتف بصوت جهور (حرية، سلام، عدالة، الثورة خير الشعب)، رأيت موكب عظيم، رجال، نساء، شباب، أطفال، معاقون، الجميع يصير بمحاذاة بعضهم البعض، يحملون لافتات عليها صورة الزعيم وتحتها كلمة (إرحل)، أتت قوى مسلحة مدججة بالهروات والأسلحة، نزل الجنود من سيارت مبرقة، بوجوه مخيفة، حاولوا إغلاق الطريق أمام الموكب، تقدم الموكب بصمود، قذفوه بالبمبان، أطلقوا رصاص كثيف في الهواء، لكن الموكب ما زال يتقدم بصمود، يشق أدخنة البمبان بلا خوف، وهم يهتفون، حرية، سلام، عادلة، الثورة خير الشعب. أمسكت الزجاج الذي كان عصياً على الإنزلاق، دفعته بقوة إلى الأمام، لكنه إنزلاق بيسر، قفزت سريعاً منضماً إلى الموكب العظيم، هتفت، حرية، سلام، عدالة، الثورة خير الشعب.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة