الرئيسية / احدث التدوينات / تضامن جبهات النضال: مقارنة بين التاريخ الشعبي الأمريكي والواقع الشعبي السوداني

تضامن جبهات النضال: مقارنة بين التاريخ الشعبي الأمريكي والواقع الشعبي السوداني

قصي همرور

بقلم: قصي همرور

    قبل بضعة أشهر، تذكرت واقع السودان بينما أنا أقرأ في كتاب “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة” لصاحبه هاوَرد زِن. (كتاب في غاية الأهمية. لا أعتقد أن تاريخ ذلك البلد يمكن استيعابه بصورة كافية حقا بدون قراءة هذا الكتاب).

     في جانب من عرضه لتفاصيل وروابط التاريخ الصعب للولايات المتحدة، تناول زِن صراعاً جرى من جانب القوى التقدمية، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على ثلاثة أصعدة: حقوق العمّال، وحقوق المرأة، وحقوق السود. حقوق العمّال مثّلتها آنذاك الحركة النقابية والحزب الاشتراكي (القديم)، وحقوق المرأة مثّلتها حركة المطالبة بحق التصويت للمرأة، وحقوق السود مثّلتها أصوات وجماعات متفاوتة ولكن غير منظمة (مثل فريدرك دوقلاس، وآخرون، إلى أن بدأت تظهر أول تنظيمات معنيّة بحقوق السود بعد ذلك بفترة بسيطة).

     كما يروي زِن، فقد كان هنالك تضامن عام بين أهل هذه الجبهات الثلاث. كانت هنالك أصوات نسائية قوية تنتمي للحركة النقابية والحزب الاشتراكي، وكان هنالك اشتراكيون متضامنون من حركة المطالبة بحق التصويت للمرأة، وكان هنالك عمّال سود في النقابات وكانت النقابات الجذرية (مثل الإتحاد العالمي للعمّال الصناعيين) حريصة على تواجد العمّال السود فيها بصفتهم العمّالية وبدون تمييز (حتى في الجنوب الذي كان الفصل العنصري فيه قوياً حتى وسط القوى النقابية عموما). منذ البداية كانت هنالك إشارات لأن صراع هذه الجبهات كلها في الحقيقة صراع واحد من أجل هدف واحد، فقد كان مثلاً فريدرك دوقلاس مناصراً معروفاً وقوياً لحق المرأة في التصويت، وكان يوجين ديبس، الزعيم المعروف للحزب الاشتراكي، رافضاً للتمييز العنصري ومناصراً لحق التصويت للنساء، كما كانت رائدة حقوق المرأة سوزان أنتوني اشتراكية في قناعاتها السياسية. أيضاً كان هنالك عدد من الكاتبات والكتّاب الذين جعلوا قضايا العدالة جاذبة للقراء، مثل هيلين كيلر وجو هيل. عموماً عمل جميع هؤلاء على أصعدة شتى ومتقاطعة، وفي ظروف قاسية جداً، كان فيها ضحايا حقيقيون وموثّقون وكثيرون جداً للماكينة التي زاوجت الرأسمالية بترسانة الدولة منذ ذلك الحين وقبل ذلك. (الإحصائيات والاحداث الموثقة، والرسائل الموثقة التي على مستوى أعلى سيادات الدولة وأعلى ممثلي الطبقة البرجوازية فيها، كلها توضّح قصة ذلك الزواج غير المقدّس).

     الجدير في الأمر أن نفس النقاش والخصام الذي يجري اليوم في السودان، عن أولويات النضال – هل تغيير النظام المكبّل لكل مسيرة الشعب، أم التنمية الاقتصادية، أم حقوق الإنسان وخصوصاً النساء ومجموعات الهامش الذين يتعرضون للتمييز والقمع المتراكم – كان يجري وقتها في الولايات المتحدة أيضا بصورة عامة. برغم أن معظم المنتمين للجبهات الثلاث أعلاه كانوا متفقين على أن جميع القضايا الثلاثة أعلاه عادلة إلا أن النقاش حول الأولوية كان مستمراً. ولم يكن ذلك النقاش تبسيطياً، فمثلاً كانت هنالك نساء رائدات في حقوق المرأة، يرين أن النضال من أجل الحركة العمالية أولى من حق التصويت، وحجّتهن في ذلك أن القوى العمّالية مليئة بالنساء المستضعفات اللائي لن يؤثر فيهن حق التصويت ما لم يمتلكن قرار قُوتِهن وحياة مادية أكرم، كما أنه حينها كانت النساء في أستراليا ونيوزيلندا حصلن على حق التصويت، ولكن لم يغيّر ذلك كثيراً من بؤس أوضاع النساء هنالك، ولذلك فحق التصويت سيكون نتيجة لتحقيق مكاسب لعموم حقوق المرأة وليس شرطاً لها. في ناحية أخرى كان بعض السود يرون أن كلا الحركتين العمالية والنسائية نوادي بيضاء في النهاية، ولا يشعرون حقاً ببؤس العمّال السود والنساء السوداوات وأولويات حقوقهم في محاربة التمييز العنصري. أيضاً كان الاشتراكيون الأقحاح يرون أن كلا الحركتين – حقوق النساء وحقوق السود – يشتتون جهود المقهورين في حين يجب أن تتوحد تلك الجهود ضد السبب الأساسي لبؤس الجميع، وهو النظام الرأسمالي الجشع الغليظ، وأن الرأسمالية هي التي تخلق خنادق وهمية بين الجماهير المقهورة، من نساء وسود ومهاجرين – نعم كانت الولايات المتحدة مليئة باضطهاد المهاجرين والتخويف منهم منذ ذلك الزمن، وقبله، ففي الواقع لم يتغيّر الكثير نوعيّاً في أنماط الصخب والعنف الاجتماعي والسياسي الداخلي الأمريكي عبر الثلاثة قرون الماضية؛ فقط جرت تغييرات نسبية – وكان الاشتراكيون يصرّون على أن لجم الرأسمالية، أو دحرها، هو الذي سيفتح باب العدالة على مصراعيه لجميع تلك الفئات، لأنها جميعاً رصيد الطبقة العاملة في الأساس. هنالك قصة مشهورة عن اللقاء الذي تمّ بين سوزان أنتوني ويوجين ديبس، حيث كانا يحملان تقديراً متبادلاً لبعضهما، وقالت سوزان ليوجين: “ساعدونا لنيل حق التصويت، وسنعطيكم الاشتراكية.” فأجاب يوجين: “ساعدونا لنيل الاشتراكية، وسنعطيكم حق التصويت.”

     كان هنالك عقلاء وأصحاب رؤية واسعة يرون أن جميع هذه الحركات تصارع في جبهات هي في الحقيقة أجزاء من نفس الفسيفساء. فسيفساء المستقبل. كانوا يقولون للجميع اعملوا جميعاً على الأصعدة التي ترونها مناسبة لطاقتكم وأولوياتكم، فأنتم جميعاً تساهمون في نفس التيار، وتتقاطع دروبكم شئتم أم أبيتم، وهذا التيار ستكون ذروته نتاج تدافعكم كلكم ولو من زوايا مختلفة، لكن فقط لا تتشاحنوا وتتجاهلوا بينكم لدرجة تهدر طاقتكم بينكم، وتنسون العدو الأكبر الذي يقوى أكثر بتشتتّكم. في النهاية كان واضحاً أن نفس المنطق الذي يقود بعض النساء للانضمام لحركة الحقوق النسائية يقودهن أيضاً لدرب الفكر الإشتراكي، ونفس المنطق الذي يقود السود لمنافحة التمييز العنصري يقود الكثير منهم لمنافحة الرأسمالية (مثل وِليام دوبويْس، رائد حقوق السود والأفروعمومية، الذي صار اشتراكياً عن طريق توغّله في دراسة مسببّات استمرار التمييز العنصري ضد السود في أمريكا)، ونفس المنطق الذي يقود البعض للاشتراكية يقودهم لرفض المسلّمات العنصرية التي رضعوها وشبّوا عليها في ثقافتهم الأوروبية. كان أولئك العقلاء يقولون إنه تأتي أحياناً منعطفات تاريخية معيّنة تجعل إحدى القضايا أولوية مؤقتة على الأخريات، لكن تلك الأولوية تتغيّر بعد ذلك المنعطف، وهكذا دواليك، وتبقى الصورة الكبيرة تقول إن جميع هذه القضايا متساوية في جوهر ما تنشده: أن يصير لدينا مجتمع أكثر إنسانية وأكثر عدلاً وأكثر معقولية.

    لكن أيضاً كان واضحاً أن هنالك أصوات متعصبة وأصوات حمقاء (وعالية ومؤثرة) داخل كل جبهة، لم تكن عاملاً مساعداً في لمّ شمل تلك الجبهات، بل راكمت احتقانات بينها. أيضاً كان هنالك دوغمائيون في كل جبهة، لا يرون سوى ضمن قنوات ضيقة ومنعزلة على القضايا الكبرى، فكان هنالك اشتراكيون لكن لا يفهمون مشروعية الحركة النسائية، بل وعنصريون أيضاً ويرون أن تبقى التراتبية العرقية حتى مع الاشتراكية، وكانت هنالك رائدات في حقوق المرأة وفي نفس الوقت عنصريّات وخاليات من أي وعي طبقي تقدمي، وكان هنالك سود متمسكون بتقاليد المجتمع الذكوري كما كانوا يرون الخلاص في تسلق سلّم الثروة والسلطة في النظام القائم لا أن يحاربوا النظام نفسه كمصدر قهرهم الأصلي.

    بطبيعة الحال، من الملاحظ أن جميع هذه الخلطة المذكورة أعلاه، بجميع تشكّلاتها، ما زالت موجودة في المجتمع الأمريكي المعاصر اليوم، في مستويات متفاوتة. أي أن اللوحة الكبيرة لم تتغيّر كثيراً في واقع الأمر، إنما تغيّرت فقط بعض نِسَب الألوان ودرجاتها. أليس كل ذلك يُذكِّر بواقع السودان اليوم؟

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة