الرئيسية / احدث التدوينات / سيمفونية دخول الجنة

سيمفونية دخول الجنة

ولاء

في المسافة بين ارتفاع أشلاء اليد المبتورة بفعل قذيفة نحو السماء وارتطامها بالأرض مرت الأحداث بسرعة كبيرة مما أدى إلى اختلال في الزمن وتداخل العديد من صور الماضي والحاضر والمستقبل، صور لأيدي من أزمنة وأمكنة مختلفة ارتفعت هي الأخرى ولم تسقط . . ولن تسقط . . هكذا تداخلت الصور :

وضع ( جيفارا ) قلمه بعد فراغه من كتابة خطابه أمام الأمم المتحدة: ( هذا الجمع الغفير من الإنسانية قد قال يكفي وقد تقدم للأمام، مسير العمالقة هذا لن يتوقف حتى نيل استقلال حقيقي والذي مات في سبيله الكثيرون بلا داع كل هذا زملائي المندوبون هو الموقف الجديد للقارة الأمريكية، موقف استرعى انتباهه صيحات تطلق كل يوم من قبل شعبنا كتعبير عن قرارنا الذي لايقبل الجدال بشل اليد المسلحة للغازي، صيحة عالية تمثل دعم كل شعوب العالم وخاصة المعسكر الإشتراكي هذه الصيحة هي: الوطن أو الموت )) . . . .

تحركت أصابع يد ( Joan Baez ) بالعزف على الغيتار لتغني : we shall overcome  . .

توجه الجميع بنظره إلى يد مارتن لوثر المرفوعة والتي كانت تشير إلى مكان داخل قلوبهم وهو يقول : I have a dream . . . .

من إحدى الصور انبعث صدى صوت قادم من بين ثنايا أوراق ملطخة بدماء صاحبها وملقاة على الأرض يقول فيها: ( أرسم لا أكتب أحجية لا أحرق البخور ولكني فقط أرسم، إذا قيل أن ريشتي تشبه مبضع الجراح أكون قد حققت ماحلمت طويلاً بتحقيقه، كما أني لست مهرجًا ولست شاعر قبيلة أي قبيلة، لست محايدًا، أنا منحاز لمن هم تحت لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى ولمن يخرجون من حواري الخرطوم يمزقون بأيديهم سلاسلهم ولمن يقرؤون كتاب الوطن بالمخيمات . . أنا . . ناجي العلي رسام الكاريكاتير العربي . . من فلسطين ) . . . . .

يد ( الشيخ إمام ) تحتضن العود مترنمًا:

لو علقولي مشنقة

أو حتى مليون مشنقة

حوالين رقبتي حافكها

واخد حبالها والفها

واصنع قلم يكتب حروف

متشوقة لساعة خلاص

. . . . . . . . . . . .

عمر المختار يرفع سبابة يده قائلاً : نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت . . . . . . . . .

يد غسان كنفاني تخط : الوطن ياصفية ألا يحدث كل هذا . . . . . . . . .

يد النبي موسى تخرج بيضاء من غير سوء لتنير أحلام المستضعفين وتشق البحر وتطبقه على المفسدين . . . . . . . . . . ..

يد الموسيقار ( إيفانجيلوس ) ترتفع عاليًا في المسرح لتشير إلى بدء معزوفته (دخول الجنة ) وما إن يتسرب اللحن تختفي كل تلك الصور لتعيد المشهد مجددًا إلى مكان سقوط أشلاء اليد المقطوعة بفعل قنبلة التي ما إن ترتطم بالأرض يسمع لارتطامها صوت درويش : ( على هذه الأرض سيدة الأرض مايستحق الحياة ) . . . . .

هنا الخرطوم . . حيث فتية آمنوا بوطنهم فخرجوا حاملين بين أيديهم أحلام من لبثوا في كهفهم منهكين بالجوع والفقر والحروب، فاعترض مسير أحلامهم نفر ممن عانوا معهم من ظلمات ذلك الكهف حاملين بين أيديهم أسلحة لاقتناص أحلام مغادرة الكهف . . وحين التقى الجمعان صاح أحد الفتية في وجه حاملي السلاح: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك . . حينها امتدت يد قناصة الحلم لتسقط يد ذلك الفتى بالذات . . قطعت يد الفتى . . تناثرت دماؤه على الأرض وصاح غراب في السماء على القوم: ( ثمة يد سقطت لترفع أمة ) . . . .

طالب جامعي كانت جنايته الوحيدة أنه يحمل بين كفيه حلمًا ، بترت تلك الكف في الإحتجاجات ضد النظام الحاكم بالسودان، لتكتب الدماء ذات القصة التي تكتب دائمًا: إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر . . . .

قدر المستضعفين على امتداد التاريخ الذين مهما طالت عذاباتهم وتضحياتهم فسيأتي ذلك اليوم الذي يخطون فيه بأيديهم حكايا وأغنيات وغيرها من الشواهد على أن قيد الظلم لابد وأن ينكسر . .

حين نسلط الضوء على المشهد بالسودان فإننا بذلك نريد أن نفتح نافذة أمل ليتسلل ضوءها إلى ظلام الزنازين ومخيمات اللاجئين وأماكن الحروبات الأهلية والمجاعات وساحات المعارك والتظاهرات وللمختبئين في الملاجيء وداخل الدبابات والطائرات الحربية لنقول لهم: ان مقياس تمدد نور العدل عبر ظلام الطغيان لايقاس من أرض معينة او عبر شعب ما أو  تاريخ ما كي لا نصاب بالإحباط إذا ما شعرنا يومًا بأن الظلام في بقعة ما على الأرض قد استمر طويلاً، مقياس تمدد النور عبر الظلام يقاس بكل تلك المشاهد على امتداد رقعة الأرض وعلى امتداد التاريخ، المشاهد التي لم يكن أصحابها على علم بأنهم سيكونوا في يوم ما وفي أرض ما سبب لإستيقاظ الأمل وفي استمرار تمدد خيوط النور عبر الظلام إلى أن يأتي ذلك الزمن وتلك الأرض وذلك الشعب الذي سيقدر له أن يصنع المشهد الأخير . . متى سيحدث ذلك ؟ قد لا تكون الإجابة على هذا السؤال مهمة بقدر أهمية أن نكون على درجة عالية من الوعي والتفاؤل اللذان سنتمكن من خلالهما من الإستمتاع . . الإستمتاع بأن نكون شاهدين على بعض الصور ومساهمين في صناعة بعض المشاهد وخيوط النور . .

هنا السودان . . خيط من نور في طريقه للتشكل . .

عن ولاء الصديق سليمان

mm