طيف أ. ريناس*

دعاء

#صفرجت1

 

1

أقيم هنا منذ مدة ليست بالبسيطة كأنني ما برحت الزرقة يومًا و رغم ما تبدو عليه ملاءات البحر الجاثمة من ثقل إلا أن تدرج باليتة ألوانها في الكثافة لا يزيد عن تشكيل طبقة مشوشة في شفافيتها، يضيق صفاؤها على السطح فقط ليتسع من بعدها على العزلة في القاع. يخيل إلي أنه في هذه الزرقة الغير نافذة تشكلت بذرة العماء الأولى للعالم، و في مقابل ظلامها تشحب الذكريات و تفلت بعيدا عن عين صاحبها ليحل صمت البحر من حولي، يحمل عني أفكاري الضاجة برأسي و يمنحها فرصة العوم في الماء الساكن. كأنني أدخل في معبر الزمن اللولبي و أعود لمكان لطالما عرفته، يملك قدرة على احتوائي كحضنك الغائب بينما يتشكل في المدى أفق جديد للرؤية.

أسدل شعري ليطفو كيفما اتفق، و أتجول حافية على أطراف القيعان التي تمنحني متسعًا للتنفس دون حاجة للوقت. يصبح الوجود واضحًا حاضرًا كهذا الظلام. هنا يبدأ عالمي. يتسع الفراغ أمامي ساعات ممتدة لها القدرة على التشكل بأي شيء، كما لها قدرة اكتشاف الذوات المتعددة داخلي. أمضي في التجربة ناظرة لساعة معصمي و لا أجد معنى لدوران عقارب الساعة فيها فأفرح لهذا العبث اللذيذ حيث ينتفي البطء و السرعة. و في أحيان أخرى و باستسلام تام تغوص بي دوامات البحر لتحيلني في نهايتها إلى دمعة تحملني داخلها فتصبح بدورها مرآتي للعالم من فوقي.

أعلم أنه بالانتظار هنا يأتي الغفران حلا، بيد أنه طال صمودي حتى استحالت ذاكرتي جامدة كقشرة صدفة فقدت ذاكرة اللؤلؤ.

لكن أين لي و للحالمين من رحم أرحب من البحر تسبح فيه رؤاهم الفيروزية دون أن يعكر صفوها وجه العالم الزائف. لماذا إذن و في هذا الفضاء المسالم يقض مضجعي هذا الشعور المبهم في دمي.

2

انتشر في الأثناء بعالم موازي خبر فتاة خرجت من البحر الأحمر ذات شعر مرجاني و أطراف طحلبية خضراء أخذت تجوب شوارع البلاد و تلقم سكانها بحارًا شعرية. تُقلِّب ركود أطوار القمر المعتادة لينعكس ذلك في وعي الشعب مدًا و جزرًا.

..

ما لم أبح به هو أن موج البحر يبتلع صدى أنيني غير أنه آخذ في التكاثر و ها هو الصدى يعلمني احتمالات التشظي و ينأى بي عن أناي الواحدة فأنهض مسدلة عني ملاءة البحر و أخرج. لم تعد من حاجة لي للانتظار لأعلم أن هناك ما هو قادم، كما لا حاجة لي للانتظار لأقبل بأن النصر حليفي. و ها إن الحزن الكامن فيني يتحول لشعور جديد لم أختبره قبلا و لا قدرة لي على احتجازه أكثر.

..

كان انحسار موجة هويتها القديمة  كلما نزَّت من مفاصل أصابع يديها الرقيقتين امتدادات بوليبات بشعاب مرجانية برتقالية و حمراءرفيعة، يعزز فيها الإحساس بأنها كائن أجوف،بينما تنساب دموعها بشفافية و خفة بلا لون أو ثقل كأنما لا هوية لحزنها.

و كما يتخفف البحر من أصدافه كل ليلة في ما يراه الآخرون نوع من الفقد اليومي الأليم، لا يعدو في حقيقته عن كونه منحًا؛ أن تهب من ذاتك لتغني الآخر فيك. و كما هي سنة الكون في ملء الفراغ المتشكل، وجدت فتاتنا تعويضا مقابل التخفف، كان هناك ما يتم تحضيره في الخفاء تحت حُجُب بحرها.حقا إن الامتلاء لا يكون دوما دلالة حسنة، فالقواقع التي تفترش رمل الشاطئ يمتلئ داخلها بحنين المحيط الشاسع المبالغ في نأيه عنها.

و هكذا رويدًا رويدًا بدأ الموج المتلاطم داخلها يتبدل غضبًا آملا، يدفعها لتكون عنيدة كطوفان غاضب تندفع منه الحشود في الأحياء و الساحات مشعلة لهيب الانتفاضات.

ابتهج اللؤلؤ منثورًا بين طيات فستان الفتاة لنزيف ذرات الهواء من حولها و تزين الجو بلون الغضب في المدن الثائرة. و إثر الوهج الساخط من العيون نبتت لها من كاحل قدميها العاريتين طحالب امتدت على طول الطريق أمامها، تتسلق إلى القلوب اخضرارًا و تغلف النوارس الشابة المحلقة في حراك سلمي.

3

و بينما لا تزال الدماء ندية و النزيف مستمرًا، تسببت الأخبار الكاذبة من قنوات فضائية موالية للنظام الحالي و صحف يومية في ظهور أعراض على الكاتبين و الناطقين بها و من تنسب إليه إطلاق هذه الحقائق المزيفة، من بينها ابيضاض في مفاصل زعانف الصحفيين الحيتان الذين يبتلعون من الأكاذيب بقدر ما ينشرون، و الإمساك بقلم متخيل في الفراغ كما شهد أحدهم حوتًا بزعنفه الدبق متجمدًا فوق لوحة المفاتيح.

و اختلفت أعراض مذيعي الأخبار القراصنة عبر التلفاز و محطات الراديو فأصيب أغلبهم بالتهاب حلقي، ارتجاف في الصوت حين البث المباشر، التأتأة و لفظ الأخبار بطريقة معاكسة. و هكذا كثرت التفنيشات في دوائرهم و قلت نسبة المشاهدين.

كما لم يسلم أفراد الحبار في جهاز الأمن و هم ينفثون حبرهم السام من ظهور عرض يتسبب في تطرف أعينهم بسرعة الرصاص حتى أعاقت دقة تصويبهم للسائل على أجساد الشعب. و تضخم بؤبؤ العين في أسماك القرش المسؤولين من خلف الكواليس مع عجز في إصدار أوامر قمعية. أما المواطنون الموالون للحاكم، فقد بانت عليهم أعراض أخرى أغربها سماع صوت في مؤخرة رؤوسهم يجعلهم يفزعون ببصرهم إلى الوراء، بينما كانت أعراض ارتعاش الشفتين و اللحى من نصيب أسماك الريمورا2 و هم في منابرهم الوعظية.

و بات واضحًا أن من تظهر فيه أي من هذه الأعراض ما هي توجهاته السياسية رغم عدم تحديد اسم لهذا المرض المستشري بينهم. انشق الحزب الحاكم في ذاته و عمت الفتنة بين أفراده، و حاولت السلطات جاهدة تقصي أثر الفتاة الثورة للقبض عليها لكن الأوان قد فات.

___________________

* أماني ريناس، الكنداكة التي حاربت الرومان في عام 24 قبل الميلاد و ترمز شخصيتها للثورة في حضارة كوش.

1- هاشتاج المظاهرات التي بدأها طلاب المدارس من مدينة الدمازين في 16 ديسمبر 2018.

2- تتواجد أسماك الريمورا غالبا كتابعة للحيتان و الأسماك الكبيرة، طفيلية تتغذى من بقايا غذاء معيلها.

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان