الرئيسية / احدث التدوينات / استراتيجيات وخطط اللاعنف

استراتيجيات وخطط اللاعنف

5

بقلم: محمد أحمد النعسان

 

منذ أن تم إلباس مفاهيم وتطبيقات الدولة الحديثة في السودان أي منذ أن خرجت آخر قوات الجيش الغازي وتم إجلاءه وبقى ” السودان للسودانيين ” بدأت تتشكل وببطء مشكلة المجتمع المدني وتداخله مؤسسياً مع السلطة العسكرية في أمور كثيرة مثل القيادة والإدارة وشأن الدولة عموماً وبانت بشكل واضح عقدة السودانيين مع العسكر وإدمانهم للقهر ولغة الجنرالات وعيشهم لفترات طويلة جداً تحت سلطة الدولة العسكرية وقيادة الجيش حتى أصبحت اللغة في الفضاء العام لا تخلو من مصطلحات هي في الأساس مصطلحات متداوله في قنوات القوات النظامية وهياكلها الداخلية فقط، تم بشكل واضح صبغ الدولة بكل مؤسساتها المدنية بصبغة دولة العسكر وقانون العسس حتى أصبح الفصل بين المدني والنظامي عسيراً واختلطت السلطات وسيطرة السلطة على المؤسسات وابتعدت الدولة – مع كل تمديد جديد لفترة الحكم – عن عصريتها ومعناها العلمي الحديث الذي لم يكن يوماً سمةً من سمات الدولة السودانية.

تشهد البلاد بطولها وعرضها الآن ثورة وحِراك قوي وجاد قاد نفسه بنفسه ونظم صفوفه وخطط بذكاء منقطع النظير لتحركاته وخطواته وأنشغل – هذا الحِراك – بالتنظير والتخطيط عبر منصات التواصل الاجتماعي رغم الضغط وحجب هذه المنصات من قبل الرقيب، تجاوز هذا الجيل كل النخب السياسية والحرس القديم للأنظمة وعصف بالتركيبة الاجتماعية والسلطة في فضاءات الأسرة والمجتمع حتى بانت نتائجه في قصص وصور ومقاطع للعالم أجمع، اشتغلت الحركات الشبابية هذه مع ضعف تجربتها وعدم مرور غالبيتها بقنوات التنظيم السياسي أو المدني على اقتلاع هذا النظام من جذوره الأيدلوجية أولاً ونقاط قوته وسنده في الفِكر والعقل الجمعي بروح المشاركة والتعاون وقوة الإرادة والنفس الطويل جداً وأدوات النقاش والمحاورة المكتسبة من انفتاح هذا الجيل على التقنية مدخله للعالم والتجارب، خاضت هذه الحركات الشبابية التحررية والتقدمية معركتها مع الأسرة ومع السلطة بكل تمظهراتها ومستوياتها بالتناص مع معركتها مع النظام وأجهزته الأمنية والشرطية المختلفة، مع ميلشياته وقواته العسكرية الموجودة في صفوف حربه الأولى خوفاً وهلعاً من هتافات زلزلت عرشه وهددت بقائه.

ألحديث عن اللاعُنف في الوقت الحالي قد يبدو ساذجاً لدى الكثير من الشباب المتحدثين عن التغيير والساعين لقلب الطاولة على النظام وتصفية محاور تماسكه ونقاط قوته بأسرع ما يمكن، الشباب المتحمس والمتقد والمنفعل بدماء الشهداء وعذاب المعتقلين واستفزاز الرئيس في خطاباته، بالتأكيد للعمل الثوري خطة وللحِراك مُحركاته الداخلية الذكية وبالمقابل ليس بالضرورة أن يولد العُنف عنفاً مضاداً أو أن يتم استدراج هذا الحِراك لينزلق في وحل العُنف المطلوب جداً من قبل الأجهزة، واحدة من أهم وأقوى المبررات للعمل على استراتيجيات اللاعنُف هي المثال الواقعي الموجود في الشارع الآن وهو التكتلات والحركات الشبابية في مقابل الأجهزة الأمنية والشرطية ومليشيات الأمن الشعبي وقطاع الطلاب بالمؤتمر الوطني الغير نظامية وأيضاً عقلية جيل ما بعد الاستعمار على المستوى المفاهيمي من المعركة، قطاع مدني شبابي واسع في مقابل قطاع نظامي أمني وعسكري وآخر متفلت وغير مقيد في أوراق الدولة بمعناها القانوي والمؤسسي – بقدر الموجود من طيف للدولة حالياً – وبالتالي فأن خطط واستراتيجيات اللاعنف تنشط في مثل هذه الأحوال.

واحدة من أقوى استراتيجيات اللاعنُف المفتوحة تماماً تبعاً للظروف وحيثيات الموقف هي التخطيط الذكي والفعال لتمرير العُنف المقابل من قبل القوات مباشرةً لمنصات الإعلام العالمية بأدوات مختلفة وضرب العُنف في مقتل وذلك بمعرفة أن المُدرب وصاحب الخبرة في العُنف هي القوات وليس المدنيين لتفعيل أدوات مدنية في مقابل أدوات العنف لدى القوات مثل السخرية من الرموز في الهتافات وأيضاً أدوات المتظاهرين في تحييد القوات وإحراجها وكسبها وهُنا أعني الشرطة النظامية المقيدة كمؤسسة في الدولة، التخطيط هو سمة من سمات المجتمع المدني في مقابل الأوامر والتعليمات لدى القوات وبالتالي فأن الخلق من التظاهُرات فِعل بطولي مثلاً كقيمة جميله بدلاً عن ترديد شعارات الرجولة والشهامة يُساعد في إشراك النوعيين في الحِراك لأن البطولة قيمة مطلقة على الرجال والنساء حتى يتثنى ضرب القيم الذكورية واستبعادها من العمل العام وبذلك تكون مساعدة في قلب الأوضاع وأنماط التفكير الذكورية المسيطرة على الوضعية الحالية، اللاعُنف ميدان حربي مدني ذو مقدرات وكفاءات مدنية يشترك فيها الجميع بالتخطيط والترتيب أو التنسيق الجيد بين المكونات والأجسام المشاركة في الحِراك فمثلاً بالابتعاد عن الصدام المباشر والتحرك بسلمية تامة قد يصل الوعي للقوات ويتم تصحيح المعلومة الرائجة في أوساطهم عن أن المتظاهرين مخربين وعنيفين وخلايا وغيره من لغة المسؤولين والإعلام.

في السودان نحن نواجه ترسانة متكاملة من القوى المادية من جانب والأيدلوجية من جانب آخر تتكامل مع بعضها لحفظ الوضعية قدر الإمكان – شراء الوقت بتعبير د.النور حمد – وبالتالي فأن اقتلاع النظام وتفكيك وضعيه سماتها المادية فقط تكونت قبل ثلاثة عقود من الزمان بعيداً عن الجانب الأيدلوجي الحاد لها، لو تأملنا تجربة العُنف المتمثلة في الحركات المسلحة طوال تاريخها نجد فشل وخسائر عظيمة، نجد توجيه الأدوات الإعلامية الإثنية والثقافية وتوظيف كُل طاقات الدولة للقضاء عليها وتفعيل السلاح الإيدلوجي الخطير في كل المناطق التي تنتشر فيها هذه الحركات، تجربة اللاعنف أثبتت نجاحها في اقتلاع الأيدلوجيات الصلبة والدول العميقة مثل صربيا وجنوب أفريقيا والهند وتحرر السود في أمريكا ومعظم حركات التحرر في العالم.

في مقال منشور على التايمز بعنوان : “كيف تُسقط دكتاتورًا بطريقة سلمية”

يتحدث الكاتب عن تجربة الحركة الطلابية الصربية وعن مدربين مؤهلين في التخطيط واستراتيجيات اللاعنُف، النقطة الأساسية التي يعتمدون عليها أن الابتكار والعمل على خلق أفكار جديدة تلفت الانتباه وتجذب الآخر المحايد مثلاً أو ترصد سلوك الشرطة القمعي ومحاولة إيقافه أو إرهاق الأجهزة وخلق حالة استعداد دائمة من الأجهزة والكثير من الحيل للضغط على النظام نفسياً ومقاطعته أو إضفاء بُعد بطولي على الاعتقالات وخلق علاقات قوية ومتينة بين الأجسام الثورية وأسر الشهداء وترويج فكرة الثورة في كل المساحات الممكنة والخ من الأفكار المفتوحة تماماً للابتكار، الواضح أن الأنظمة القمعية تتشابه دائماً في أدوات قمعها مع اختلافات طفيفة في خصوصيات نظام من نظام آخر، اللعبة الناجحة في هذا العمل هي توظيف القيم الأعلى في المجتمعات الحاضنة – حاضنة مقابل آخر للسلطة –  لحركات التغيير وتوظيفها لضرب بؤر التحرر في العقول أولاً بما أن التغيير إيمان يجب أن يصل لأكبر مكون من مكونات هذه المجتمعات وأنسجتها وعلائقها المعقدة جداً، الطائفة كمثال وتر ظل يعزف عليه السياسيون لأزمان طويلة وكذلك القبيلة وكل المكونات الأولية للمجتمعات.

الحركات الشبابية الآن تقود هذا الحِراك وبقوة لذلك بإمكانها الاستفادة من هذه التقنيات وتوظيفها لإنجاح العمل والوصول به لأكبر وأوسع ما يمكن مع الأخذ في الاعتبار أن استخدام المقاومة العنيفة ستفقد هؤلاء الشباب الدعم من أطياف آخرى في مجتمعاتهم وستحرك النُخب لتلعب دور العاقل وتستلم القيادة ويعود الشباب في للمخيال الجمعي أطفال فاقد تربوي يجب توجيههم في المسار الصحيح.

الأدب الساخر يلعب دوراً المسرح الذي يوصل رسائل عظيمة للمجتمع والعالم، الموسيقى الثورية والتراك الذي يقوم بصنعه الشباب ويصل للجميع في مواقع التواصل الاجتماعي، كلها أدوات تُعزز وتدعم الخطط والخطط البديلة على الأرض وفي قلب الحِراك الثوري المنتظم في مدن وقرى السودان الآن.

عموماً إن محاولات التنظير لو صحة التسمية لما هو متحول ومتغير بشكل مستمر مثل الحِراك الشعبي أو الفعِل الثوري المنتظم حالياً صعب وليس بالسهولة لإعطاء مساحة أو مداخل خجولة أمام دماء الشهداء وهُتافات الثوار، الحقيقي في الأمر أن هذا الحِراك فعل إبداعي بمجهودات لن تضيع وسيكون لها نصيب عظيم في التاريخ الذي يُكتب لثورة ديسمبر المجيدة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة