الرئيسية / احدث التدوينات / 19 ديسمبر: حين تبددت المخاوف

19 ديسمبر: حين تبددت المخاوف

FB_IMG_1545589205487

     بعد 30 عاماً من حكم دكتاتوري متسلط، يبدو أن الحيل التي إستخدمها حكومة الإنقاذ للبقاء قد بدأت بالإنكشاف رويداً رويداً للعامة من الشعب، وبدأ النظام في هبة 19 سبتمبر شبه عاري أمام هدير شبابي غطى شوارع المدن بالعاصمة والولايات، مواجهاً القوات العسكرية المسلحة دون خوف، فكل السيناريوهات التي استخدمتها السلطة في محاولات تحجيم الحراك كانت مكشوفة مسبقاً، لدرجة أن منابر المساجد التى كانت مُحتكرة لصالح خطاب حكومي موجه تمردت في غالبها بفعل الضغط الشعبي المستمر، لأول مرة تظهر الحكومة في موضع الضعف أمام طوفان الشعب، الذي يبدو أنه يملك زمام المبادرة هذه المرة، بإتخاذه موضع الفعل في الشارع، بينما أرتدت كل ردود أفعال السلطة عليها. يبدو أن كل المخاوف قد زالت، وكل فزاعات الحكومة إنكشف عنها الغطاء، وصارت لا تحرك ساكناً.

      استخدمت الآلة الإعلامية الحكومية لفترات طويلة نماذج الثورات المجاورة كفزاعات تخويف، ومحاولات اسقاط كربوني، على حالات ثورية مختلفة في ظروف نشاءتها على السودان، تجاوزاً لبديهيات عدة، منها أن التجارب الإنسانية لا تتكرر كربونياً، وأن الظروف السيئة التى أعقبت بعض الحالات لربما هي ضريبة الانتقال والتغيير، لفترة طويلة ظل الخوف من النماذج المحيطة كابحاً للمد الثوري، ومثبطاً للإلتفاف الجماهيري حول الحراكات الشبابية، ولكن يبدو أن الخوف هذا قد تبدد، وأن الأمن المزعوم ما عاد ينفع أداة إبتزاز للشعب، فما تبدى في سبتمبر 2013، وبعض الحالات المتفرقة في الأعوام التالية، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن درجة عدم الأمان في العاصمة الخرطوم لا تقل عنها في أي من مناطق الحرب، فلا تمر أشهر دون يموت أحد الطلاب برصاص طائش من شرطي، أو أي من القوات المنتشرة، كما أن الإنتشار المكثف للمليشيات الحكومية عشوائية السلوك في شوارع العاصمة ينبئ دائماً بأن أي إنفراط لعقد الأمن سيقود إلى نتائج كارثية.

     يبدو أيضاً خلال الحراك الحالي أن سؤال البديل ما عاد بذلك الإلحاح عنه قبل عده أعوام، فلا عاد يهم الناس من سيأتي بعد الإنقاذ قدر ذهابها، ويبدو جلياً أن السلطة بلغت مبلغاً من السوء يجعل أي خيار آخر أفضل من بقائها، ولئن لعبت السلطة طويلاً على وتر الجهويات والعنصرية للتشويش على أي محاولة جدية لإلتفاف شعبي ضدها، إلا أن رصاصتها السامة إرتدت لتعود إليها هذه المرة، فإتهام مجموع من طلاب دارفور بالإنتماء إلى خلايا إرهابية مدربة في اسرائيل هي حيل لم تعد تنطلي على الشعب، بل إنها قدمت دعاية مجانية لعدوها اللدود عبدالواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان، والذي بدوره لم يفوت الفرصة، فقدم خطاباً مخيباً لظن الحكومة، نال بفضله إعجاب أغلب من إستمع إليه، وأكد كذب الحكومة وخداعها للكثيرين من البسطاء، برسم صورة مشوهة لقائد جيش تحرير السودان، النظام كان يستخدم الصور المشوهة لقادة المعارضة كبدائل مخيفة له، ولكن يبدو أن حيله تم كشفها، وأن أحد لم يعد يخاف بديلاً.

ما هو جدير بالملاحظة أن سوء الوضع الاقتصادي وخطوات معالجتها كانت وبالاً على كل المواطنين بفقرائهم واغنيائهم، فالصفوف لم تفرق بين الفقير والمقتدر، كما أن الركود الاقتصادي المسبب بالتضخم الهائل والانخفاض المريع في سعر العملة، تسبب بالضرورة في خسائر اقتصادية كبيرة للتجار بسبب انخفاض الحركة الشرائية، أو إحجام الشركات عن البيع بسبب عدم ثبات سعر العملة، لعبت السلطة كثيراً على وتر المصلحة الاقتصادية للمستثمرين الكبار والمتوسطين، بحيث أنها استقطبت عدد من الإنتهازيين الذين ارتضوا التعايش والتماهي مع السلطة، مقابل الحصول على بعض التسهيلات، تجاوزاً للمنافسة الشريفة، ولكن مع بدء نضوب بقرة السلطة فما عاد هناك ممن هو مستعد للمخاطرة بالبقاء في ظلها، مقابل ما يمكن أن يجره ذلك من نتائج عكسية، حتى أصحاب المصالح ما عادوا يخافون فقدان مكتسباتهم المرتبطة بالسلطة.

    يبدو جلياً أن السلطة لفت حبل موتها على عنقها رويداً رويداً، بسوء إدارتها للدولة، للدرجة التى تجعل كل المخاوف المرتبطة بزوالها تتبدد، ومن الأكيد فإن اللحظة التى تزول فيها مخاوف التغيير هى لحظة الثورة التى يخافها المتسلط، ولذا تبدو السلطة اليوم في أضعف حالاتها، فهي مسبقاً استنفدت كل حيل الخداع، وأحرقت كل كروت تحجيم الثورة.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان