الرئيسية / احدث التدوينات / هل نحن بحاجة إلى صبح جديد؟

هل نحن بحاجة إلى صبح جديد؟

تنزيل

نعم ، طائرات الأنتنوف الحاقدة التي ترمي القذائف على الأطفال بصورة عشوائية ، مخلفة مناظر الدم و الموت المجاني ، الأشلاء والجثث المبعثرة والتي تغدو وليمة شهية للطيور ذوات المناقير الطويلة ، الموت بعيدا عن الكاميرات ، و خطابات الإدانة الهزيلة التي يكتبها النشطاء في كل كارثة ، الحروب التي تدور رحاها في جنوب كردفان والنيل الأزرق و دارفور وتحصد آلاف الأبرياء ، هلاك المشاريع الزراعية وزحف حبات الرمل العنيدة تجاه الأراضي البكر الخصبة ، هجرة المزارعين من منافيهم البعيدة الى الحضر لعدم توفر مقومات الحياة في تلك المنافي ، إعدام الخدمة المدنية و اعتماد التوظيف على الوساطات و الولاء الحزبي ، ، ثورة التجهيل العالي و موت مؤسسات التعليم سريريا ، خنق حرية التعبير و مصادرة الصحف بعد الطبع ، تزلزل الاقتصاد الوطني و ركوع الجنيه السوداني أمام الدولار ، و كل المآسي على امتداد الوطن المنكوب تدفعنا للبحث عن صبح جديد . إذن لماذا تأخر الصبح ؟

هذا سؤال منطقي يا صديقي ، لكن دعني أقول : كلما أنجبت إرادة الشعب حكما ديمقراطياً مدنيا جاء العسكر و أجهزوا على هذا الحكم وقتلوه خنقا ، أول من سن هذه السنة السيئة هو عبود عام 1958 م حين انقلب على السلطة ، فلعبود وزر هذه السنة السيئة و وزر من جاء بعده ، مرورا بنميري و ختاما بانقلاب الإنقاذ المشؤوم ، إذن إنهم العسكر ، هم من حطموا إرادتنا ، هم من يعطلون التغيير ويقفون عثرة أمام طموحات التقدم و رؤية الصبح الجديد . لكن ، كيف يمنع العسكر التغيير إلى الأفضل ؟ أول ما يقومون به هو التأسيس لحكم شمولي : ألا ترى الشمولية التي نعيش في ظلها اليوم ؟ ألم يسيطروا على بنية الدولة ؟ الاقتصاد و الإعلام و الخدمة المدنية و الجيش و القضاء ، ففي ظل وجود قضاء غير مستقل تمكنوا من العبث بمقدرات الشعب دون أن يتجرأ أحد لمحاسبتهم ، استشرى الفساد المالي و الإداري ، وفي ظل إعلام غير مستقل لا نستطيع أن نعرف حجم المأساة و الموت الذي حدث في دارفور ؛ لأن الإعلام الحكومي يغض الطرف عن هذه الأشياء ، إذن في الحكم الشمولي الذي نعيشه اليوم توجد مؤسسات و نقابات لكن تسيطر عليها الحكومة الأمر الذي لا يمكنها من القيام بدورها . و إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن الشعب السوداني استطاع أن يطيح بحكمين عسكريين عن طريق الثورة الشعبية هما حكمي عبود وجعفر نميري ، وكان للطلاب و النقابات والأحزاب دورا مهما في تلك الثورات ، فلنسلط الضوء على هذه الفئات ونرى ما هو حالها اليوم .

أولا : الطلاب :

كان للطلاب دورا مهما في ثورة أكتوبر 1964م حتى سمى البعض تلك الثورة بثورة الطلاب ، و طلاب اليوم في حال لا يحسدون عليه ، فالدولة لم يعد الصرف على التعليم من أولوياتها ، فتدهورت المؤسسات التعليمية ، وساء وضع المعلم ، و أصبحت مهنة التعليم مهنة من لا مهنة له ، وصاحب ذلك هجرة الأعداد الضخمة من المعلمين نتيجة لسوء الأوضاع ، و تغيير السلم التعليمي ، ونسبة لتدهور التعليم الحكومي انتشرت المؤسسات التعليمية الخاصة و التي يدخلها أبناء كبار الرأسماليين ، و كانت موجة تعريب المنهج بصورة غير مدروسة هي آخر مسمار ضرب في نعش العملية التعليمية ، و أدخلوا مناهج فضفاضة غير مواكبة للعصر ، هذه المناهج تخرج طلابا ليس لهم معرفة بتخصصهم ، طلابا جهلاء لا يدرون ما يدور حولهم من أحداث و لا يعون دورهم المنوط بهم في تغيير الواقع .

عندما يصبح الطالب عائقا للتغيير :

نعم ، الطلاب قادوا ثورات التغيير في الماضي أما طلاب يوم فعدد كبير منهم يمثل جزءا من الأزمة قل لي كيف يحدث هذا الأمر ؟ حسنا ، ثورة التجهيل العالي نجحت في تخريج جيوش من الطلاب الجهلاء الإنصرافيين ، و نجحوا في أن يستقطبوا جزءا كبيرا منهم في الحزب الحاكم لكي يعملوا على قمع الفئة القليلة من زملائهم الطلاب الذين يسعون إلى التغيير و يحلمون بواقع أفضل للجميع ، فئة الطلاب التي تقول لا لبيع الجامعة ، لا لدخول العسكر إلى ساحة الجامعة ، لا للفصل التعسفي للطلاب ، اذن بعض الطلاب هم جزء من الأزمة . و هناك عدد ضخم من الطلاب ليسوا مع النظام و لا مع المعارضة و لا يعنيهم الأمر في شيء ، أي ليس التغيير من اهتماماتهم ، فهؤلاء طلاب انصرافيون يهتمون بأشياء فضفاضة وهم أيضا جزء من الأزمة لأنهم لا يقولون لا في الوقت الذي يجب أن ترتفع فيه أصواتهم ، بأن يقولوا لا للحرب ، لا لقتل الأطفال ، يصمتون كأن الأمر لا يعنيهم في شيء .

ثانيا : النقابات

هي أيضا رغم أنها كانت مقيدة في الماضي إلى أنها تمكنت من القيام بدورها حيث أعلنت الإضراب السياسي و العصيان المدني الأمر الذي عجل بسقوط عبود ، و الآن يا صديقي نقاباتنا تمثل النظام فقط ، وليست مستقلة لكي تتحرك بإرادتها في الوقت المناسب ، و هذا أيضا يعيق الثورة يا صديقي .

ثالثا : الأحزاب السياسية

أصبحت كثيرة ويصعب على المرء معرفة نصفها ، لكن رغم كثرة عددها إلا أنها ليس لها تأثير في الشارع ، و تتعرض للمضايقات و الاعتقالات من قبل الحزب الحاكم , و تعاني من الخلفات الداخلية و الخلفات فيما بينها بحيث أنها لن تنجح في الوصول إلى رؤية مشتركة تواكب متغيرات الواقع . إذن كل هذه الأشياء تعيق حركة التغير رغم ضرورته و أهميته في الوضع الراهن .

فما هو الحل إذن ، أو ما هو دورنا كشباب في هذه المرحلة ؟

لا بد أن نعترف بأنه في ظل صعوبة العمل الجماهيري وكتم الحريات ، فالخروج إلى الشارع و موجهات العسكر هو أمر سيكلفنا الكثير ، و ستكون المعركة غير مأمونة العواقب و غير متكافئة ، سيما و أن تفاعل الشارع مع الاحتجاجات ليس بصورة المطلوبة نسبة لعدم الوعي ، ففي هذه الحالة يمكن الاعتماد على سياسة النفس الطويل عن طريق توعية الجمهور و كسب أكبر عدد ممكن من الجمهور، توعيتهم بضرورة التغيير ، فالتغيير يحتاج إلى وعي ، وهذا ما نفقده ، و دليل على ذلك هو أن الكثيرين ما يزالوا يسألون عن البديل ، و لا يعرفون أن البديل هو القانون و الدستور و الانتخاب النزيه ، فالانتخاب النزيه هو الذي يأتي بالبديل ، فالبديل ليس شخص و إنما دستور وقانون .

فيجب على الشاب المثقف أن يقوم بتوعية من حوله ، أفراد أسرته ، إخوته و أخواته ، جيرانه ، أن يحدثهم عن التغيير في الجلسات الدكاكينية ، و أثناء العودة من تمرين المساء ، و بهذا تتسع قاعدة الوعي ويكون التغيير أفقي واسع طويل الأمد لكن شامل و مبني على دعائم ثابتة ، أذن نحن بحاجة أشبه ما تكون بالثورة المفاهيمية و التوعوية ، و علينا أن نعمل و نعتقد بأن تغيير بيد الله و إنما نحن نعمل من أجله وسوف يأتي الصبح الجديد طال الزمن أم قصر .

 

______________________________

  • نشرت هذه المادة في العدد (40)

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .