الرئيسية / احدث التدوينات / وظيفة الثورة

وظيفة الثورة

مجاهد

“بوسعنا أن نتحكم بمصيرنا ونشكل حياتنا ونسيرها نحو الأفضل، على نحو لم تكن الأجيال السابقة قادرة على تصوره في جميع الأحوال”.

أنتوني غدنز

في نص للكاتب الأورغواياني إدوادو غاليانو بعنوان “وظيفة الفن 1″ المضمن في كتابه المعانقات، يسرد غاليانو قصة طفل يذهب برفقة والده لاستكشاف المحيط لأول مرة، وبعد اجتيازهما الكثبان الرملية وفي لحظة اصطدام نظر الطفل بهذا المد المائي الهائل، يرتبك الطفل ويتلعثم قائلاً لوالده:”ساعدني لكي أرى”.

باستعادة هذه الثيمة/الفكرة واسقاطها على الحراك الثوري الذي يحدث الآن في السودان؛ والذي تخلقت جذوره من حراكات سابقة، أبرزها “هبة سبتمبر” من العام 2013،  تلك الثورة التي اريقت فيها دماء كثير من بنات وابناء السودان،  إلى الحراك العظيم في سبتمر الحالي والذي يمثل بالنسبة لي ما سأُطلق عليه “وظيفة الثورة”، كتمثل  لمفهوم ومعنى الحراك على الأرض وخطوط المواجهة التي تقودها الجماهير في الشوارع في مواجهة النظام، وإن كان ثمة من فائدة كبيرة يمكن الإنتباه لها فهي تكمن في استعادة المواطن لتلك الروح المسلوبة منه، أن أصبح هو نفسه فاعلاً سياسياً بعد أن تم شيطنة الفعل السياسي وأقصاءه على مستوى المخيال الاجتماعي الفاعلي؛ بمعنى الانخراط فيه. وثمة أشياء أخرى كثيرة يمكن ملاحظتها: أن الخطاب الأصولي الديني قد تغير وأصبح مكان نقد، وكأنه أخيراً تم إدراك البنية المادية للواقع – بالأخص من قبل أئمة المساجد والمتدينين، وكسر الصورة النمطية عن الجيل الذي ولدَ وتربى في فترة النظام “جيل الإنقاذ”، وهو شئ بديهي لدخول عامل مؤثر ضمن عوامل التنشئة الاجتماعية، الا وهو التقنيات الحديثة والإنترنت ، والتي بدورها فتحت الباب واسعاً لنا أمام المعارف بمختلف حقولها، والشئ الأكثر أهمية هو أن الإنسان بطبعه ليس متلقياً سلبياً لمعطيات واقعه، ولطالما كان هنالك هذا الصراع ما بين الخط الفاصل ما بين الفرد/المجتمع. ففي ظل هذه الوسائل أنتَ تصنع محتواك الخاص بالقدر والطريقة التي تبتغيها بالقدر نفسه تحدد ما ترغب في تلقيه بخلقك لطبيعة ونوع العلاقات التي تناسبك.

وعلى جانب ذات صلة، ولفترة طويلة، كانت عندي هذه الفكرة – وأعتقد أنها عند كثيرين غيري –  عن أننا نحتاج لثورة على المستوى المفاهيمي القيمي، وليست مجرد ثورة تخرج من أجل “الخبز”، استندت في تحليلي هذا على ثورتي “أكتوبر”، “إبريل” وهو قول صحيح، فالثورة لا تكمن في إزالة النظام القائم فقط، بل في وجود فكرة محورية، تنظير لفكرة “الدولة”. لكنه قول ناقص ولا يعدو كونه شكل من أشكال التفكير أحادي الجانب ، ولك لسببين، الأول أن عملية التغيير ليست عملية خطية، بل هي نظام يتكون من عناصر عدة، تؤثر وتتأثر ببعضها البعضن وبذلك ليس هنالك اشتراط لتحقق هذه الحالة من “الوعي الكلي” والتي هي مجرد حالة مقثالية. بينما يكمن السبب الآخر في عدم استصحاب هذا الرأي لواقع وبنية وخصوصية المجتمع السوداني في هذا التنظير؛ وهنا يأتي دور الحراك الثوري، الذ هو هدم وبناء مستمر، نقد للتجراب السابقة والاستفادة منها، وبذلك فالثورة – كما أوكد دائماً – ليست حدث لحظي بل هي شغل دائم، يستصحب معه أدوات الفكر ومعاول النقد، حتى لا تتكرر الأشكال وأنماط الحكم السابقة نفسها، فهذا الحراك يضعنا في محك وصدام مع الخطابات التي نتبناها، خطاب المرأة والنسوية، قضايا الهوية والأثنية – كما حدث في اتهام النظام لطلاب من أقليم دارفور بأنهم من أشعل الاحتجاجاتن إشكال الدولة والبديل الديموقراطي، دور الأحزاب…الخ.

أذن فهذه ثورة لأنها تشتغل على تشريح كل هذه البنىن ولعلها تفلح في خلق روابط وأشكال خطابات جديدةن يكن لها دور في بناء دولة سودانية.  فمن منظور تفكير نظمي (system thinking) استدعي الفكرة التي تناولتها الكاتبة Donella Meadows في كتابها “thinking in systems” والتي مفادها أنه في حالة حدوث ثورة على حكومة/نظام ما، وفي حالت بقاء الأنماط/الأشكال التي انتجت هذه الحكومة/النظام، فأنه سيعيد تكرار نفسه”.

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان